تستفيد الإمبراطورية الاستيطانية الاستعمارية المسماة “أمريكا” من هيمنتها العالمية ورأسماليتها الاحتكارية، وتمارس دون أي رادع محاولاتٍ ممنهجة لمصادرة حق شعوب الأغلبية العالمية في تقرير المصير والسيادة والوجود. فمنذ انطلاق معارك التحرر الوطني في القارة الإفريقية، تحركت الولايات المتحدة عسكرياً وسياسياً للحيلولة دون تحرر الشعوب الإفريقية واستقرارها، فدعمت أنظمة الاستعمار الجديد ووكلائها في القارة لتنفيذ مخططاتها ومؤامراتها الإمبريالية، وزرع العثرات المتتالية أمام مسارات التحرر، عبر إشعال الحروب، وتنفيذ الاغتيالات، وشنّ الغزو العسكري بهدف كبح المدّ الثوري وإغلاق كل منفذ أمام الشعوب الإفريقية لنيل استقلالها الكامل.
المشروع الأمريكي: التواطؤ الإمبريالي ضد إرادة الشعب الصحراوي
تخوض واشنطن اليوم واحدة من أكثر مراحل تدخلها المباشر في قضية الصحراء الغربية خطورةً منذ عقود. فبعد أن أضفى دونالد ترامب طابعًا استعماريًا فجًّا على الموقف الأمريكي بإعلانه الاعتراف بما يسمى “السيادة المغربية” على الصحراء الغربية قبل أسابيع من نهاية ولايته في 2020، تعمل الإدارة الأمريكية الحالية على تكريس هذا الموقف ضمن الأطر القانونية للأمم المتحدة نفسها، مستعملة مجلس الأمن أداةً لإضفاء الشرعية على مشروع الهيمنة، تحت غطاء “التجديد التقني” لولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو).1
بدأت التحركات الفعلية في 10 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، حين أجرى أعضاء مجلس الأمن مشاورات مع المبعوث الشخصي للأمين العام إلى الصحراء الغربية ستيفان دي ميستورا، والممثل الخاص ورئيس البعثة ألكسندر إيفانكو. ومنذ ذلك التاريخ، بدت المؤشرات واضحة على أن واشنطن تُعدّ لمشروع قرار منسجم مع الخط المغربي. وفي 22 أكتوبر وزعت الولايات المتحدة، بصفتها “حاملة القلم” في قضية الصحراء الغربية داخل مجلس الأمن، النسخة الأولى من مسودة القرار، قبل أن تُعقد جلسة مشاورات مغلقة يوم 24 أكتوبر. ورغم اقتراح الجزائر وروسيا تعديلات لتصحيح الانحياز الصارخ في النص، تجاهلتها واشنطن تمامًا، وأعادت طرح النسخة نفسها دون أي تعديل.2
في تلك الجلسة الثانية، كسرت كلٌّ من روسيا والصين صمتهما، معتبرتين أن النص الأمريكي “غير متوازن” ولا يحترم قرارات الأمم المتحدة السابقة التي كرّست حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.3 ومع ذلك، ظلت الولايات المتحدة مصممة على تمرير المسودة كما هي، تمهيدًا لتقديمها للتصويت النهائي في 30 أكتوبر، في خطوة تُمهّد لتثبيت واقع الاحتلال المغربي بغطاء أممي.
النسخة الأمريكية الجديدة لا تكتفي بتجديد ولاية البعثة، بل تُدخل تعديلات جوهرية على مضمون القرار S/RES/2756 (2024) الصادر في 31 أكتوبر 2024، والذي كان قد مدّد ولاية المينورسو لعام كامل. إذ تحذف أي لغة صريحة تتحدث عن الاستفتاء، وتستبدلها بعبارات فضفاضة مثل “الحل السياسي الواقعي والعملي والدائم” القائم على “التوافق”، وهي مصطلحات تُستخدم لتصفية مبدأ تقرير المصير وتغليفه بخطاب “الواقعية السياسية”. كما تؤكد المسودة على ضرورة “بدء مفاوضات دون شروط مسبقة على أساس المقترح المغربي للحكم الذاتي”، من أجل “التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول للطرفين قبل انتهاء ولاية البعثة”، بينما تزعم في الوقت ذاته أنها “تضمن حق تقرير المصير”، لكنها تربطه بـ“السيادة المغربية”، في إعادة إنتاج لمفهوم “فرض الواقع” بصيغة استعمارية مقنّعة.
يظهر هذا التناقض البنيوي بوضوح في المقترح الأمريكي الذي رُصد في مسودة مشروع القرار الموصوف بـ«السلام الواقعي»، والذي حظي بدعم فرنسي بارز، ترجم خارطة الطريق التي رسمتها باريس في 2007 عندما عملت مع النظام المغربي على هندسة “الحكم الذاتي” وتقديمه كحل وحيد للقضية أممياً.
وهو ما واصله النص الذي تزعم أمريكا تقديمه، والذي يسعى إلى تمرير «حكم ذاتي ضمن السيادة المغربية» كحلٍّ وحيد ومُعترف به دوليًا. وهو مقترح يعيد صياغة الاستعمار بلغة دبلوماسية ناعمة، تُخضع تقرير المصير لمنطق القوة وتُحوّل الأمم المتحدة من إطار لتصفية الاستعمار ظاهرياً إلى أداة لتقنينه دون خجل.
تتحدث المسودة أيضًا عن “الترحيب بدعوة دي ميستورا إلى مشاورات غير رسمية” تضم المغرب، جبهة البوليساريو، الجزائر، وموريتانيا، بمشاركة (الولايات المتحدة، فرنسا، روسيا، إسبانيا، والمملكة المتحدة). لكن تقرير الأمين العام المؤرخ في 9 أكتوبر أوضح أن هذه المشاورات الثنائية تهدف فعليًا إلى تكريس الثنائية المفروضة: النظام المغربي الذي يصر على أن الحكم الذاتي هو النتيجة الوحيدة الممكنة، وجبهة البوليساريو التي تتمسك بأن الاستفتاء هو الطريق الوحيد لتقرير المصير.
ومنذ توزيع مسودة المشروع الأمريكي على الدول الأعضاء في مجلس الأمن، قامت فرنسا والإمارات بتحركات داخل المجلس لإقناع الأعضاء بالتصويت لصالح المسودة، وهو ما يعبر عن النفوذ الكبير الذي تملكه الإمارات في هذه المساحات الدولية. كما يترجم حقيقة القضية بكونها قضية تصفية استعمار تتحرك ضدها قوى الشر العالمية، وعلى رأسها الإمارات التي أصبحت تلعب دور الرأسمال الاستعماري وتحاول عن طريق شراء الذمم والضغط الاقتصادي والتدخل العسكري فرض معادلات الاحتلال وسلب مصير الشعوب. وهو ما يظهر بوضوح في سياساتها ضد السودان وفلسطين والصحراء الغربية.4
وفي خضم هذه التحركات، أصدرت جبهة البوليساريو الممثل الوحيد للشعب الصحراوي، ردًا رسميًا5 واضحًا حمل توقيع ممثلها بالأمم المتحدة والمنسق مع المينورسو، الدكتور سيدي محمد عمار، جاء فيه:
“بناءً على تعليمات من سلطاتي، أكتب إليكم بروح من الاستعجال لإبلاغكم بأن جبهة البوليساريو قد أحاطت علماً بمشروع القرار الذي عممته الولايات المتحدة الأمريكية في 22 أكتوبر 2025 على أعضاء مجلس الأمن بصفتها حاملة القلم بشأن بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو).
تؤكد جبهة البوليساريو أن مشروع القرار، الذي يعكس الموقف لحاملة القلم، يشكل انحرافاً خطيراً وغير مسبوق ليس فقط عن مبادئ القانون الدولي التي تقوم عليها مسألة الصحراء الغربية كقضية تصفية استعمار، ولكن أيضاً عن القاعدة التي يتناول على أساسها مجلس الأمن قضية الصحراء الغربية. كما أنه يتضمن عناصر تضرب أسس عملية الأمم المتحدة للسلام وتشكل انتهاكاً خطيراً للوضع الدولي للإقليم.
وكما أكدت محكمة العدل الدولية، فإن السيادة على الصحراء الغربية ملكٌ حصريٌّ للشعب الصحراوي الذي يتمتع بحقٍّ غير قابلٍ للتصرف أو المساومة في تقرير المصير. لذلك، فإن أي مقاربة تحدّد نتائج المفاوضات مسبقًا أو تفرض حلًّا ضد إرادة الشعب الصحراوي فهي غير مقبولة على الإطلاق.
وإذا تم تمرير مشروع القرار دون معالجة هذه العناصر، فإن جبهة البوليساريو لن تشارك في أي عملية سياسية على أساسه.”
هذا الموقف الحازم من جبهة البوليساريو يعبّر عن إدراك عميق لطبيعة المشروع الأمريكي الذي يسعى لتحييد القضية من كونها مسألة تصفية استعمار.
فمنذ إدراج الصحراء الغربية في قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي عام 1963، ظلت المنظمة الدولية تؤكد طابعها الاستعماري. وقد رسّخت قرارات عدة هذا المبدأ، منها القرار 379 (2 نوفمبر 1975) الذي دعا إلى عدم تنظيم “المسيرة الخضراء”، والقرار 380 (6 نوفمبر 1975) الذي ندد بتنظيمها وطالب بسحب المشاركين منها، وصولًا إلى قرارات 621 (1988)، و658 (1990)، و690 (1991) التي أقرت تنظيم استفتاء لتقرير المصير تحت إشراف الأمم المتحدة.6
لكنّ التنفيذ ظلّ معلقًا بفعل رفض النظام المغربي وانتهاكه الدائم لقرارات مجلس الأمن، وسط صمت غربي متواطئ. فالقضية الصحراوية، كما أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري عام 1975، تظل قضية تصفية استعمار بامتياز، إذ أقرّ الرأي بوضوح أنه لا سيادة للمغرب أو لموريتانيا على الإقليم، وأن للشعب الصحراوي وحده الحق الحصري في تقرير مصيره. 7
ويبدو أن موقف البوليساريو الرافض لفرض القرار الأمريكي، وكذا اعتراض روسيا الواضح، إضافة إلى مقاومة الشعب الصحراوي التي برزت في خروج الآلاف في مخيمات اللاجئين الصحراويين رفضاً لمخطط ترامب،8 قد استدعت تراجعاً في حدة خطاب أمريكا في القرار. حيث شهد الموقف الأميركي تراجعًا نسبيًا بعد الجلسة المغلقة يوم 27 أكتوبر، وقدمت مسودة جديدة تراجع فيها الموقف الأمريكي عن بعض النقاط المثيرة للجدل؛ إذ حذفت المسودة الجديدة التي من المقرر التصويت عليها، الإشارة إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي كـ«حلّ وحيد» وأساس للمفاوضات، واستبدلتها بصياغة أكثر مرونة تُقرّ بوجود مقترحات أخرى دون تسميتها. كما خففت اللغة المستخدمة لتبدو أقل انحيازًا، ودعت إلى مفاوضات مباشرة بين الأطراف دون شروط مسبقة، مع تأكيد على ضرورة وقف إطلاق النار.9
لقد تولّت الولايات المتحدة منذ سنوات دور “صاحبة القلم” في كل القرارات الخاصة بالصحراء الغربية داخل مجلس الأمن، وهو موقع استغلته لفرض رؤيتها أو تعطيل أي صياغة لا تخدم الاحتلال المغربي. فكما نصّبت نفسها شريكًا وصانعًا للقرارات في القضية الفلسطينية، تحاول اليوم الهيمنة على القضية الصحراوية وتحويلها إلى ملف إداري تابع لها، في ما يشبه “خصخصة سياسية” لآخر قضية استعمار إفريقية.
النهج الأمريكي في الملف الصحراوي هو تكرار لنموذج استعماري قديم، يعيد إنتاج السيطرة عبر القانون الدولي الذي تتحكم فيه الدول الامبريالية بدل السلاح. ففي الجزائر أثناء الاستعمار، حاول البرلمان الفرنسي فرض “الجزائر الفرنسية” عبر تقديم مقترح الحكم الذاتي قانونيًا بعد عجزه عسكريًا عن مواجهة المقاومة، وفي فلسطين استخدم الكنيست سياسة “قوننة الاستيطان” كبديل عن الحسم الميداني. واليوم، تسعى واشنطن إلى “تقنين الاحتلال المغربي” تحت غطاء الشرعية الدولية، تمامًا كما حاول ترامب فرض “صفقة القرن” على الفلسطينيين. غير أن الشعوب التي تقاوم لا تُهزم بالقوانين المصنوعة في العواصم الإمبريالية.
تاريخ التدخلات الأمريكية في الصحراء الغربية
منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، شكلت الصحراء الغربية مسرحًا مركزيًا للتدخل الأمريكي في شمال غرب إفريقيا، حيث تباينت أساليب واشنطن بين دعم دبلوماسي صريح، ومساندة اقتصادية، وعسكرية، وسياسية، بهدف إحباط أي تجربة تحرر وطني ثورية تهدد مصالح الهيمنة الامبريالية في المنطقة. بدأت هذه المرحلة مع بروز التطلعات التوسعية للنظام المغربي نحو المستعمرة الإسبانية، فقد شكلت الصحراء الغربية فريسة سهلة بفضل عدد سكانها القليل وحجم الإقليم الكبير وثرواته واستكمالاً لرغبة النظام المغربي التوسعية التي هدفت في الأساس إلى ضمان النفوذ الامبريالي في شمال غرب إفريقيا، فمنذ استقلال المغرب عام 1956، طالب بمساحات شاسعة تشمل الجزائر (أصل الخلاف بين البلدين وليس الصحراء الغربية) ومالي وموريتانيا والصحراء الغربية، لكن الثورة الصحراوية الاشتراكية التي أعلنتها جبهة البوليساريو شكلت تهديداً مباشراً لهذا المشروع.10
حينها رأت الولايات المتحدة في النظام المغربي حليفًا استراتيجيًا يمكن استخدامه كقوة عميلة لضمان استمرار النفوذ الأمريكي الفرنسي في المنطقة، واحتواء أي تطورات ثورية، خاصة بعد إعلان البوليساريو ثورة تحررية وطنية بخطاب وسياسات اشتراكية مستوحاة من تجارب التحرر الوطني في إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، واعتماد خيار العنف الثوري للكفاح ضد الاستعمار ووكلائه المحليين.
بين عامي 1974 و1977، بدأت الولايات المتحدة تقديم الدعم الدبلوماسي المباشر للنظام المغربي، بينما استمر بيع الأسلحة ضمن اتفاقية 1960، وهي أسلحة مصنفة نظريًا للدفاع، لكنها مكنت نظام المخزن من شن هجوم واسع على الأراضي الصحراوية.11 لعب كيسنجر، مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية آنذاك، دورًا حاسماً في صياغة تلك السياسة الأمريكية، حيث نشرت الصحافة الإسبانية في 2016 وثائق من وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، بعد رفع السرية عنها، تثبت أن الولايات المتحدة في عام 1975 كانت تخشى انهياراً محتملاً لنظام فرانكو لصالح الاشتراكيين، قد يؤدي إلى استقلال الصحراء الغربية لصالح التمدد الشيوعي في إفريقيا. لذا هندس وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر اتفاقية مدريد في 14 نوفمبر 1975، التي تقضي بتقسيم الصحراء الغربية بين المغرب وموريتانيا وإجهاض قيام الدولة الصحراوية، وكان قد وضع الأسس لتنظيم “المسيرة الخضراء” مع الملك الحسن الثاني، يوم 6 نوفمبر من نفس السنة كغطاء للغزو العسكري المغربي وارتكاب حرب إبادة في حق الشعب الصحراوي وتهجيره من أرضه. كما دعم قيام الملكية مجدّداً في إسبانيا عن طريق دعم وصول خوان كارلوس إلى السلطة.12
قدمت الولايات المتحدة الدعم الدبلوماسي والعسكري لضمان تحويل ميزان القوى لصالح نظام المغرب في الغزو العسكري. وكان الهدف واضحاً حماية مصالح الإمبريالية في شمال إفريقيا، وحماية خطوط النفوذ في غرب المتوسط، وتأمين الوصول الاستراتيجي عبر مضيق جبل طارق، إلى جانب استخدام نظام المغرب كأداة لضبط المجتمعات الثورية والأنظمة الوطنية التحررية في القارة.
وبين 1977 و1980، خلال إدارة كارتر، تبنّى البيت الأبيض سياسة محايدة نسبياً، لكنها لم تمنع تقديم الدعم الجزئي للنظام المغربي، إذ اعتبرت واشنطن أن فشل الأخير في السيطرة على الصحراء قد يؤدي إلى توسع الحركات الاشتراكية في المنطقة. وبحلول عام 1980، قررت الإدارة الأمريكية دعم النظام المغربي بشكل كامل، في حين كانت البوليساريو تستعيد بشكل متزايد الأرض وتثبّت سلطتها على معظم المناطق الصحراوية، مؤكدة أن الثورة التحررية لم تكن موجهة ضد المستعمر الإسباني فقط، بل ضد كل وكلاء الإمبريالية في شمال غرب إفريقيا. 13
مع وصول رونالد ريغان إلى الرئاسة في يناير 1981، شهد الدعم الأمريكي للنظام المغربي طفرة نوعية، إذ أرسلت واشنطن مساعدات عسكرية واسعة، ومستشارين ميدانيين، ومهندسين عسكريين، بهدف ضمان بقاء النظام المغربي القوة المسيطرة في الصحراء، وصد أي تقدم للبوليساريو. في هذه المرحلة، استخدم المغرب الجدار العازل الاستراتيجي، مستفيدًا من خبرة الفرنسيين والإسرائيليين، لتقييد قدرات البوليساريو على المناورة، وتثبيت الهيمنة المغربية، وبالتالي الحفاظ على مصالح الإمبريالية الغربية. وقد مكنت هذه الاستراتيجية النظام المغربي من السيطرة على نحو 75% من الأراضي الصحراوية حتى اليوم.
استمرت الحرب على الأرض حتى إعلان وقف إطلاق النار برعاية الأمم المتحدة عام 1991، بهدف إجراء استفتاء لتقرير المصير. غير أن إصرار النظام المغربي حول إدراج المستوطنين في الناخبين، حال دون إجراء الاستفتاء، خصوصاً أن اعتماد الإحصاء الإسباني لعام 1974 الذي قدمته البوليساريو يفضح مساعي المغرب لفرض غير الصحراويين كناخبين في الاستفتاء.
استمرت الولايات المتحدة في توجيه الضغط لصالح النظام المغربي، طيلة سنوات وقف إطلاق النار الثلاثين، حيث حرصت على تقديم الدعم السياسي للمغرب، واستمرار عرقلة التسويات والمقترحات التي يقدمها مبعوثي الأمم المتحدة في مجلس الأمن لحل القضية.
بينما حاول النظام المغربي، مدعوماً من فرنسا وبدعم خلفي من أمريكا، تحريض المجتمع الدولي ضد جبهة البوليساريو ووصمها بالإرهاب، وذلك لضمان عدم نجاح أي تجربة تحررية ثورية قد تعيد تشكيل موازين القوى في شمال غرب إفريقيا.
مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، كان النظام المغربي يخرق اتفاق وقف إطلاق النار، وهو ما دفع بعودة الحرب في 13 نوفمبر 2020. واستمر الدعم العسكري والدبلوماسي الأمريكي والصهيوني للنظام المغربي، بما في ذلك صفقات تسليح بمليارات الدولارات، وتثبيت وجود “افريكوم” في القارة عبر مناورات الأسد الإفريقي 21 في 2021، التي جمعت الجيشين الأمريكي والمغربي، وأكدت الدور المركزي للولايات المتحدة في الصحراء الغربية. 14
من خلال هذا التسلسل الزمني، يتضح أن السياسة الأمريكية في الصحراء الغربية لم تكن مجرد دعم لمستعمرة سابقة أو لحليف تقليدي، بل كانت جزءًا من استراتيجية أوسع لإبقاء الهيمنة الأمريكية والفرنسية في شمال وغرب إفريقيا، واحتواء أي ثورة اشتراكية أو تحررية، واستخدام النظام المغربي كأداة لضمان استمرار النفوذ في المنطقة، بينما كانت الثورة الصحراوية الاشتراكية تمثل مشروعًا سياسيًا واجتماعيًا حقيقيًا قائمًا على تحرر الشعوب من الاستعمار ووكلائه المحليين، ومواجهة الإمبريالية بكل أشكالها.
حاجة النهب الرأسمالي لثروات الصحراء الغربية لتأبيد الاحتلال
الصحراء الغربية تمثل نموذجًا فريدًا لاستمرار الاستعمار والاستيطان الاستعماري، حيث تتحول الأراضي المحتلة إلى مواقع لاستغلال الموارد الطبيعية على نحو يخدم الرأسمالية العالمية ويعزز من السيطرة السياسية والاقتصادية للاحتلال المغربي، وهو ما يفسر السعي المستمر للقوى العالمية لفرض هذه السيطرة بأي ثمن كان. 15
لم تنشأ السيطرة واستغلال الموارد الصحراوية مع النظام المغربي فقط بل هي امتداد مباشر للتاريخ الاستعماري الإسباني الذي ركز على استخراج الموارد مثل الفوسفات والأسماك ونقلها مباشرة إلى الميتروبول مع حرمان السكان الأصليين من أي استفادة اقتصادية حقيقية،16 وهو ما جعل جبهة البوليساريو تنفذ معظم عملياتها العسكرية ضد الاستعمار الإسباني من خلال استهداف سلاسل نقل الفوسفاط وباخرات الصيد البحري.
بعد انسحاب إسبانيا، جاء الاحتلال المغربي ليعمّق هذا الهيمنة، مستفيدًا من شبكة المصالح الاقتصادية الدولية التي ترى في الأراضي المحتلة مناطق مربحة للاستثمار ونهب الموارد، مما يجعل النظام المغربي الضامن الرئيسي لاستمرار هذا النهب.17
من أبرز الموارد التي تم استغلالها: الفوسفات، المكتشف عام 1947، والذي شكل قاعدة اقتصادية رئيسية لربط الاقتصاد المغربي بالأسواق العالمية. إلى جانب الفوسفات، تطور قطاع مصائد الأسماك في العقود الأربعة الأخيرة ليصبح قطاعًا مربحًا للغاية. إذ أصبحت مصايد الأسماك واحدة من القطاعات الاقتصادية الرئيسية في الصحراء الغربية المحتلة، كما تمثل 72.4% من إجمالي عائدات الصيد الساحلي للمغرب إن لم يكن أكثر. وذلك لتوفر المياه الأطلسية قبالة الساحل الصحراوي على مخازن غنية بالأسماك، بما فيها الماكريل والسردين والأخطبوط، والتي تُصَدَّر ضمن سلاسل الغذاء العالمية. وقد استثمر النظام المغربي، بدعم من شركات أجنبية وأحيانًا بمساعدة الخبرة الأمريكية، في بناء بنى تحتية لصيد الأسماك والموانئ، مع تشجيع استيطان مئات الآلاف من المغاربة في القرى والمدن الساحلية مثل العيون والداخلة، ما غيّر البنية الديموغرافية وفرض سيطرة اقتصادية وسياسية على السكان الأصليين الصحراويين.18
لقد انتقلت المصايد الصحراوية من مرحلة الاستخراج المباشر في الحقبة الإسبانية إلى الاندماج في سلاسل القيمة العالمية للرأسمالية المعاصرة، ما جعل الموارد البحرية تتحول إلى منتجات عالية الربح تُسوَّق دوليًا، فيما تحتكر النخب المغربية والشركات الكبرى مثل OMP وMarona وKing Pelagique، القطاعات الأكثر مردودية. أما الصحراويون، فيُدفعون إلى العمل في المهن الثانوية أو الحرفية مع منع كلي في السنوات الأخيرة للصحراويين من الاستفادة من القطاع، عبر سياسات استهدفت الشباب المالك لقوارب الصيد ومنع أنشطة الصيد التي كان يستفيد منها الصحراويون ولو بشكل جزئي بكل الطرق.19
وهكذا تتحول السيطرة على الثروات البحرية إلى ركيزة أساسية في مشروع الاستيطان الرأسمالي الذي يقوم على استغلال الموارد، فإدماج الصحراء الغربية في سلاسل القيمة العالمية لا يمثل فقط نهبًا اقتصاديا، بل هو جزء من عملية استعمارية مستمرة تُعيد إنتاج الهيمنة في شكل رأسمالي حديث. رغم مخالفة العلاقات التجارية بين النظام المغربي والاتحاد الأوروبي ودول أخرى، التي تشمل موارد الإقليم، للقانون الدولي وقوانين محكمة العدل الأوروبية -مثل حكم محكمة العدل الأوروبية 2024 الذي ألغى اتفاقيات الصيد والفلاحة لكونها تنتهك سيادة الشعب الصحراوي-20 إلا أنها تُستخدم لإضفاء شرعية اقتصادية على الاحتلال وضمان استمرار تدفق الأرباح نحو الشركات متعددة الجنسيات والنظام المغربي. 21
لا يقتصر استغلال الموارد على الفوسفات والأسماك، بل يشمل أيضًا الثروات الزراعية ومشاريع الطاقة المتجددة حيث تم بناء مشاريع الطاقة الريحية والشمسية في الصحراء الغربية بالتعاون مع الشركات الأجنبية الكبرى، مثل Siemens وSan Leon وKosmos Energy، وذلك بهدف توسيع نطاق الاستغلال الرأسمالي لموارد المنطقة بما في ذلك استخدام الاستعمار الأخضر كمدخل استراتيجي للسيطرة على الطاقات المتجددة في إفريقيا.22
إن ما يحدث في الصحراء الغربية هو استمرار لمنطق استعماري يحاول من خلال الهيمنة العسكرية والاستغلال الاقتصادي والقرارات الأممية أن يؤبّد الامبريالية ويطيل أمد الرأسمالية الاحتكارية التي لا تجد من طريق للخروج من أزماتها سوى من خلال توسيع قاعدة النفوذ الاستعماري.
فالاحتلال المغربي يمثل نموذجًا معاصرًا لما يسمى “الاستعمار الرأسمالي الجديد”، حيث تُوظف الموارد في خدمة مشروع الهيمنة، وتُعاد صياغة المنطقة ضمن اقتصاد عالمي غير عادل، بينما يُقصى الشعب الصحراوي من حقه في تقرير المصير وفي السيادة على ثرواته وأرضه التي تشكل أساس وجوده. هكذا تتحول المصايد والبنية التحتية والمدن الساحلية إلى أدوات لإدامة السيطرة، وتغدو الصحراء الغربية مختبرًا مفتوحًا لتجريب آليات النهب المنظم للثروات،23 وهو يوضح كيف تتداخل القوانين والاتفاقيات الدولية، مع واقع الهيمنة العسكرية والاستيطانية للحفاظ استمرار استغلال الثروات الطبيعية الصحراوية ضمن النظام الرأسمالي العالمي.
فرض الاستعمار الجديد والاستعمار الاستيطاني كقانون دولي
تُعد إدارة ترامب الوجه الحقيقي للسياسات الأمريكية، وليست انحرافًا عن مسارها، فهي امتداد لجوهر الإمبراطورية الأمريكية التي لطالما أدارت العالم وفق مبدأ القوة ومصلحة رأس المال. من ربط إنهاء الإبادة في غزة ببقاء الكيان الصهيوني وضمان تفوقه العسكري، إلى تحويل الكونغو إلى ساحة استنزاف تتحكم بخيوطها الشركات التكنولوجية الكبرى التي تتغذى على دماء عمّال المناجم، ومن مخاطبة “قوات الدعم السريع” في السودان كأنها وصيٌّ على الشعب الذي تبيده، إلى محاولة فرض “الحكم الذاتي” كحل نهائي لقضية الصحراء الغربية بما يشرعن الاحتلال المغربي ويقوّض حق الصحراويين في تقرير مصيرهم، تكشف الولايات المتحدة عن وجهها الحقيقي كقوة وصية على العالم، تتستر خلف شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما تقود في الواقع مشروعًا استعماريًا معولمًا يعيد إنتاج الهيمنة بأدوات جديدة، ويمنح الاستعمار ملامح أخلاقية مزيّفة تخفي جوهره القمعي والإبادي.
ما تكشفه هذه السياسات بوضوح هو زيف الخطاب الأممي وهشاشة ما يُسمى بالقانون الدولي، الذي لم يُكتب يومًا بأيدي الشعوب التي ذاقت الاستعمار وعاشت قهره، بل صيغ في مكاتب الإمبراطوريات المنتصرة لتثبيت نظام عالمي يضمن بقاء سيطرتها. فالقانون الدولي الذي يُقدَّم كإطار لتنظيم العلاقات بين الدول وفضّ النزاعات ليس في حقيقته سوى أكثر أدوات الاستعمار فعالية في احتواء الثورات وتجريم المقاومة وإضفاء المشروعية على واقع الهيمنة. لقد أُريد له أن يكون بديلاً عن الكفاح المسلح، وأن يُغري الشعوب المقهورة بالركون إلى المؤسسات الأممية التي تُقدَّم بوصفها محايدة، لكنها في جوهرها تعمل على حماية بنية النظام الإمبريالي من التفكك.
فالقوى الاستعمارية لا تراهن كلياً على العامل العسكري، وإنما على قدرتها على جعل المضطهدين أنفسهم يطلبون الخلاص من المؤسسات ذاتها التي وُجدت لإدامة قهرهم. فحين تُقنِع الأمم المتحدة شعبًا يرزح تحت الاحتلال بأن الحل يكمن في “مسار قانوني” طويل ومفرغ من المضمون، فإنها تُعيد صياغة الاستعمار في شكل قانوني وأخلاقي جديد، يُحافظ على النظام القائم ويُعيد إنتاجه جيلاً بعد جيل.
وهكذا، يصبح اللجوء إلى “القانون الدولي” جزءًا من استراتيجية السيطرة ذاتها، إذ يُحوَّل النضال التحرري إلى ملف إداري يخضع للمساومات والصفقات داخل أروقة الأمم المتحدة، المؤسسة التي وُلدت من رحم القوى الاستعمارية ولم تفكّ يومًا ارتباطها بها. فمنذ تأسيسها، احتكرت الدول الكبرى حق صياغة القرارات الدولية والموافقة عليها أو نقضها، لتضمن ألا يصدر قرار يهدد مصالحها أو يزعزع النظام العالمي الذي شيدته على أنقاض الشعوب المستعمَرة.
إن التاريخ الطويل لعجز الأمم المتحدة عن فرض قراراتها في فلسطين، والصحراء الغربية، والكونغو، وهايتي، والسودان، هو تعبير عن وظيفة محددة أُنشئت لأجلها، وهي أن تكون صمام أمان للاستعمار في مرحلته ما بعد الكولونيالية، وأن تدير عملية “تصفية الاستعمار” بما يضمن بقاء التبعية الاقتصادية والسياسية والعسكرية في يد القوى الإمبريالية. فهذه المؤسسات، التي تتظاهر بحيادها، تعمل في الواقع كآلية لتقويض أي مشروع تحرري جذري يمكن أن يهدد بنية السيطرة الرأسمالية العالمية.
يتضح إذاً أن الإمبريالية الحديثة لم تعد بحاجة إلى جيوشها كي تبسط هيمنتها المباشرة، بل إلى منظومة قانونية وأممية تمنحها شرعية “السلام” وواجهة أخلاقية تُخفي عنفها البنيوي. وما قضية الصحراء الغربية إلا مثال صارخ على ذلك، إذ يتم تمييع حق تقرير المصير في متاهات قانونية لا تنتهي، بينما يُنهب الإقليم وتُستنزف ثرواته تحت أعين الأمم المتحدة نفسها، التي تحولت من راعية للسلام إلى راعية للاستعمار المقنّع.
نضال الشعب الصحراوي هو نضال لكل الشعوب المقهورة
إن ما يجري اليوم في الصحراء الغربية لا يمكن عزله عن المشهد الإفريقي والعالمي الأوسع، حيث تُعيد القوى الإمبريالية إنتاج أساليبها القديمة في السيطرة عبر أدواتٍ جديدة، منها القرارات الأممية المنحازة، وهندسة الإبادات وتمويلها، وشراكات المراقبة والتحكم، ومشاريع النهب الرأسمالي المغلفة بخطاب “الاستقرار” و”التنمية”. من الكونغو إلى دول الساحل، ومن السودان والصحراء الغربية إلى فلسطين، تتكرر المشاهد الاستعمارية ذاتها، يُمنح الاحتلال شرعية بقرارات فوقية، وتنهب الثروات باسم الواقعية السياسية، ويتم اختزال الشعوب في صيغ تفاوض لا تعترف بإرادتها.
إن ما يُسمى بـ“الشرعية الدولية” ليس سوى شرعية المنتصرين في الحروب الإمبريالية، تُمنح لمن يخدم مصالحهم وتُسحب ممن يهددها.
لذلك تعتبر معركة الشعب الصحراوي امتداداً لمعركة إفريقيا ضد الاستعمار الجديد والرأسمالية الاحتكارية، وضد من يحاول تحويل القارة إلى ساحة اختبار لخرائط نفوذ ومصالح بين واشنطن وباريس وتل أبيب وأبوظبي.
1 مجلس الامن التابع للأمم المتحدة يصوت يوم الخميس على قرار يجدد ولاية بعثة المينورسو
2 هذا ما قرره مجلس الأمن حول الصحراء الغربية بعد المشاورات الإستثنائية الجمعة
3 روسيا تطالب بتعديلات في مقترح مشروع القرار الامريكي بشأن الصحراء الغربية وتلوِّح بإستخدام حق النقض
4 ضغوطات فرنسية وإماراتية داخل مجلس الأمن لفرض سيادة المغرب على الصحراء الغربية
5 رسالة ممثل جبهة البوليساريو بالأمم المتحدة والمنسق مع المينورسو إلى رئيس مجلس الأمن
6 انظر الصفحة الرسمية عن قضية الصحراء الغربية على موقع الأمم المتحدة هنا
7 انظر الحكم الاستشاري لمحكمة العدل الدولية حول الصحراء الغربية هنا
8 مشاهد من اليوم الثاني للمظاهرات الرافضة لمسودة العار الأمريكية
9 المشاورات المغلقة لأعضاء مجلس الأمن تُفضي إلى صياغة مسودة جديدة حول الصحراء الغربية
10 The US Adventure in Western Sahara: From Ford to Trump
11 Stephen Zunes, “The United States and the Western Sahara Peace Process,” Middle East Policy5, no. 4 (1998).
, “,”,. ().
12 كيسنجر: مهندس المسيرة الخضراء والإبادات في فلسطين والصحراء الغربية وحامي الاحتلال!
14 AFRICOM’s Gen. Townsend meets African leaders at exercise African Lion,” United States Africa Command, June 21, 2021
15 Caught in the fishers’ net? The colonial plunder of Western Sahara’s natural resources
16 ‘This is like Guadalajara’: politics, identity and the management of natural resources in late colonial Spanish Sahara
18 The Sahrawi fisheries sector in the world economy: extraction, industry and commercialisation under occupation
20 EU Court ruling: occupied Western Sahara not part of EU-Morocco agreements
21 Commission Pushes EU-Morocco Trade Deal, Ignoring Democratic Processes and Saharawi Rights
22 Oppressive Energopolitics in Africa’s Last Colony: Energy, Subjectivities, and Resistance
23 انظر لتقارير المرصد الصحراوي لمراقبة الثروات منذ العام 2000-2025
———————————————————————————————————-
م: لا تعبّر الآراء الواردة في هذا المقال بالضرورة عن موقع إنحياز، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصرًا.
