كأس العالم هي أضخم حدث رياضي يُقام بالتأكيد في عالمنا منذ سنة 1930. هي فُرصة لمتابعي الكرة والشغوفين بالرياضة للاستمتاع مرّة كلّ 4 سنوات بالتنافس الرياضي بين المنتخبات العالمية. هي أيضا فُرصة للرأسمال العالمي من أجل جلب الانتباه، أو مزيد جلبه، إلى المُمنتجات والبضائع وخلق مزيد من الأسواق العالمية. لذلك نرى الأمم والدول تتنافس من أجل استضافة هذا الحدث وتُقدّم الغالي والنفيس من أجل الظفر به.
تأتي نُسخة هذا العام، نسخة أمريكا وكندا والمكسيك، في سياق لم نألفه من قبل. تحلّ الكأس في سياق حرب إقليمية صهيونية وأمريكية على جنوب لبنان وإيران وفي سياق استمرار التجويع والقصف على قطاع غزة بعد أكبر إبادة جماعية متلفزة شاهدناها في العاميْن المُنقضييْن.
تأتي النسخة في عُهدة المعتوه دونالد ترامب الذي أذاب كلّ التباس عن مفهوم الهيمنة الامبريالية وأماط اللثام عن النعومة المُصطنعة التي صبغت السياسة الأمريكية منذ غزو العراق.
هي ليست مجرّد تفصيلات عابرة، بل هي قلب المونديال ورحاه. إذ صارت مقولات فصل السياسة عن الرياضة ضربا من ضروب الجنون وإرثا دعائيا منتهي الصلاحية في البروباغندا الاستعمارية,فمنذ الأيام الأولى تتالت الفضائح التي تجاوزت البُعد “التنظيمي” الذي انتقدته الصحافة العالمية والمتثلة في إهداء الفيفا لجائزة نوبل للسلام لترامب، وطرد الحكم الصومالي الإفريقي الأفضل في قارّته من قبل الولايات المتحدة الأمريكية دون أيّ مُبررّ وفي ظلّ صمت متواطئ من الفيفا ورئيسها، وعمليات التفتيش المُذلّة لبعض بعثات المنتخبات الإفريقية كالسينغال.
لقد جسّدت الولايات المتحدة الأمريكية غطرستها السياسية والاقتصادية على المستطيل الأخضر منذ اللحظات الأولى، بل وقبل انطلاق ” العُرس” الكروي. بالإضافة إلى ذلك حدثت المشاحنات وتمّ قمع الجماهير المتوافدة وتعدّدت البلاغات من أجل التحذير من رفع اللافتات السياسية أو الشعارات والأعلام المحضورة كعلم فلسطين. حتى أنّ الجامعة التونسية لكرة القدم انجرّت لهذه الطلبات وانساقت بدورها إلى هذه البلاغات المخزية.
..ويظلّ الأمر أبعد من ذلك بكثير
يحلّ علينا المونديال كل أربعة سنوات أيضا، ليعلّق التناقضات الطبقية والاحتجاجات الاجتماعية ويضعنا تحت مظلّة “الوطن الواحد” وليخلق شعورا جماعيا يسهل استثماره من قبل الحاكمين السياسيين والمتنفذين الاقتصاديين.
ملاعب تُشيّد على أنقاض العظام البشرية:
هذا أمر لا يتعلّق بأمريكا فحسب، بل بالرأسمال عامة، وبالشركات المتكفلة والمختصة في بناء الملاعب والمنشآت الرياضية في كلّ أصقاع الدُنيا. تتسابق هذه الشركات ومن خلفها الدول في تحطيم الأرقام القياسية من زاوية سرعة البناء واكتمال المشاريع وإنجازها. ولا نتحدث هنا عن ضخامة الأموال المُضخة من أجل تحقيق هذا الإنجاز أو ذاك. فرغم التطور التكنولوجي غير المحدود، يبقى العامل البشري عنصرا مركزيا في سيرورة الإنتاج الرأسمالي. في مونديال قطر الفارط تحدثت عديد من التقارير الصحفية على غرار صحيفة الغارديان البريطانية عن عدد وفايات عمّال يُناهز ال6500 منذ 2010، وهي سنة الحديث عن فوز قطر بالتنظيم، وسنة 2020، أي قبل سنتين من استضافة المونديال، وذكرت السفارة الباكستلنية وفاة 824 من عمالها والسفارة النيبالية وفاة 400 عامل نيبالي، بالإضافة إلى بقية الجنسيات من الفيليبين وبنغلاداش وغيرها ، كأكثر الجنسيات المتواجدة هناك في صفوف العُمّال …
وستكون التقارير أقل وضوحا بالنسبة إلى النسخة الحالية لعامليْن أساسيّيْن: الأول هو أن الملاعب المحتضنة للكأس العالمية، أو أغلبها، بُنيت منذ وقت أطول، والثاني هو أنّ أمريكا هي من تحتضن المونديال، وبالتالي فإن الاتهامات تجاهها ستكون أقل حدة بالتأكيد. ولكن بعض الاتهامات وُجهت في وقت سابق إلى الفيفا بالفعل في علاقة بعرقلة تفتيش وضعية العمّال من قبل المؤسسات المعنية والنقابات العمالية و بالتعتيم عن ظروف العمل الخاصة بهم في ملاعب المونديال الحالي، نذكر منها ملعب أزتيكا في المكسيك.
وبينما تفرح الحكومات باستقبال المونديال وتُسرّ بعض الجماهير باقتراب المهرجان منها، يعلم عدد من العمّال أنهم سيكونون عُرضة للاضطهاد المُضاعف في السنوات القادمة وأنهم على مشارف الموت.
الكونغو الديمقراطية: ضحية دائمة للمونديال
تتعهّد الدول المُستضيفة للمونديال بوضع لمسات إضافية على لعبة الجلد المُدوّر. من تقنيات تحملها الكرة ذاتها تتعلق برصد أي جسم يلامسها مهما كان اللمس خفيفًا مرورا برفع عدد الكاميرات التي تغطّي المباراة وشاشات عملاقة فوق اللاعبين وخارج أسوار الملعب وصولاً إلى كاميرا يحملها الحكم وغيرها من التقنيات. هذه الطفرة الرقمية التي يتباهى بها المنظمون وينسبونها إلى الذكاء البشري الخارق وإلى تفوقهم العلمي ليست رقمية تماما. أو لنقل أن الحلقة الأولى التي لا يراها الجمهور ويتناساها الإعلام وتتجنب الشركات ذكرها تقوم على عمل بشري استخراجي يعصف بأطفال في مقتبل العمر وبشيوخ يضطرون للعمل المنجمي المُوجّه سلفا إلى التصدير.
في قلب غابات جمهورية الكونغو الديمقراطية، بلد الزعيم الإفريقي باتريس امري لومومبا الذي دافع عن استقلال بلده وكرامة شعبه، تتسابق الشركات الاستخراجية من أجل استغلال ثروة هائلة تشكّل عماد التكنولوجيا: معدن الكولتان.
هذا المعدن الحيوي يُستعمل في صناعة بطارية الأجهزة الالكترونية مثل الهواتف الذكية والشاشات التي نتابع ونستمتع من خلالها بمشاهدة مباريات المونديال. توفر الكونغو الديمقراطية 80 بالمائة من إمدادات الكولتان العالمية ويُستخرج في ظروف أقل ما يُقال عنها أنها قاسية ومنافية للكرامة البشرية ودون معدات تؤمن العمّال الذين يتقاضون بعض الدولارات الزهيدة مقابل الحفر اليدوي القاسي.
في جانفي 2026، وقبل أشهر قليلة من استضافة المونديال وتفاخر المنظمين بالتطور التكنولوجي الذي ينتظر المشاهدين، قُتل 220 عاملا في منجم روباي في شرق الكونغو والذي يوفر لوحده 15 بالمائة من الإمدادات العالمية من معدن الكولتان بعد انهياريْن أرضيّيْن. كان بالإمكان تفادي مثل هذه الكارثة، بالنظر إلى أن الأمطار قد تهاطلت بشكل غزير في وقت سابق وهو ما يمنع مواصلة الحفر، ولكن الجشع الرأسمالي الذي لا يُبالي بطبيعة الحال بمثل هذه “الحوادث” الشغلية” أصرّ على مواصلة الحفر في مثل هذه الظروف في منطقة تخضع منذ 2024 إلى سيطرة ميليشيا “ آم 23” الموالية لرواندا.
إذن، ونحن نستمتع بمشاهدة المونديال عبر شاشات التلفاز والملاعب يجب أن نتذكّر وأن نستحضر مأساة الكونغو الديمقراطية ومسحوقيها الذين يغوصون في الحفر من أجل استخراج الكولتان قبل أن يُهربّ ويُباع إلى أعتى الشركات التكنولوجية وأن نعلم أن هذا الابتكار الشمالي كان ثمن دمٍ جنوبيٍّ مهدورٍ.
زمن اللعب وزمن السوق:
تعودنا في كرة القدم التقليدية أن المباراة تُقسّم في وقتها الأصليّ إلى فترتيْن وشوطيْن من 45 دقيقة. ولكن، ونظرا إلى ارتفاع درجات الحرارة في الولايات المتحدة والمكسيك في هذا الوقت من العام، وقع إدراج راحة بدقيقتيْن أو ثلاث عند انتصاف كلّ شوط. كان بالإمكان أن تُركّز الكاميرا على تعليمات هذا المُدرّب أو ذاك عند هذه الاستراحة “الإنسانية”، ولكن الرأسمالية لا تدع وقتا أو زمنا دون استثمار بالتأكيد، إذا لم تخلقه من الأساس. تلك المساحة الزمنية تُصبح تكثيفا للبيع عبر بث إعلانات إشهارية لا محدودة يُحوّل الملعب من ساحة للشغف والمتعة والتنافس إلى سوق اقتصاديّ وفضاء ربحي تُباع فيه الثواني ويُحوّل المتابع أو المُشجع إلى موضوعة اقتصادية استهلاكية. وربّما تحوّلت هذه القواعد الرياضية الجديدة إلى مجال للتطوير والإبداع الرأسمالي من أجل كسب المزيد. فالرأسمالية لا تبحث عن المعادن والثروات والفحم فحسب، بل هب تبحث أيضا عن الانتباه . فيتحول التنافس الرياضي إلى تنافس اقتصادي بين الشركات الساعية إلى بيع الثواني إلى مستهلكين جدد.
لسنا مُطالبين أن نُقاطع كرة القدم ك”آفيون للشعوب” أو أن نتخلى عن شغف حقيقي يتملذكنا أو نكفّ عن سرقة لحظات المتعة والفرح وسط بشاعة العالم، ولكننا لا يجب أن ننسى أن بين المدرجات المضيئة توجد مناجم مظلمة وأن وراء صفاء الصورة التي نشاهدها توجد مأساة إنسانية لطفل قاصر توفي في حفرة إفريقية وأنّ وراء قصص الابتكار تواصل للنهب والسرقة وخلف تصريحات الحكّام البهيجة تلميع لسياسات الإبادة والحروب الاستعمارية. وأخيرا يجب أن نتذكر أن هذه اللعبة صُنعت من قبل الفُقراء، وسُرقت من الأغنياء”
