لعبت مصر مباراتها الأخيرة ليلة أمس في كأس العالم لكرة القدم. لعبت بقتاليّة عالية وكانت قريبة من إخراج الأرجنتيني، بطل العالم…
حظيت المباراة بتشجيع عربيّ مُثير للإنتباه، ليس فقط تشجيعًا للمستويات المُحترمة التي قدّمها منتخب “الفراعنة” خلال البطولة فحسب، بل لأنّ مصر هي من لعبت. من شجّع مصر لم يكن بالضرورة غارقا في حبّ كوكب الشرق أو في مدرسة السينما الجديدة أو شغوفًا بأحمد زكي أو قارئاً لأولاد حارتنا، ولم يكن بالضرورة متحيّزًا للتجربة الناصرية … من شجّع مصر كان على الأغلب وفيّا لعفويّته، ولما استبطنه “فطريًّا” – وهي ليست بفطرة بل بتشكّل حضاري وبسيرورة زمنية أكسبتنا هذا التشكّل الأخير- من شجّع مصر لم يتساءل لماذا يشجّعها.. بل فعل ذلك فقط لأنها مصر … مصر بكلّ تمثلاتنا لها وبرمزيّتها التاريخية وبثقل وزنها وحضورها في الوعي الجمعي العربي. ورغم كلّ ما شاب ذلك من تراجع خلال الفترة الماضية…
ما تكشفه كرة القدم في كلّ مرّة (وهو جانب مضيء منها) هو هذا المُشترك الذي مازلنا نُنقص من أهميته ولا نتذكره إلا في مباريات كرة القدم، وهو أمر مؤسف ومُخيّب بطبيعة الحال.
مُخيّب لأنّ دولاً برمّتها وترسانة إعلامية بحالها ومُخبرين يتقاضون أعلى الأجور، وأنظمة لا ترى من الحكم إلا نعالها، لا تنفكّ جميعًا تعمل على تمييع هذا المُشترك وطمسه بأقذر الطرق وأكثرها تخلّفًا : وهو ما خلق في عديد الحالات منطقا قُطريًّا وشوفينيًّا ضيّقًا…
في نوفمبر 2009، خلق الإعلام المصريّ والجزائريّ فتنة بين الشعبيْن بعد أن كان مُقرّرًا التقاء منخبيْهما في مباراة حاسمة للمرور إلى كأس العالم في جنوب إفريقيا. تحوّلت هذه الفتنة الكروية إلى أزمة سياسية وديبلوماسية بين البلديْن استمرّت لأشهر طويلة ونتج عنها خسائر مادية ورمزية. وبقينا ننتظر إلى حدود ثورة 25 يناير كيْ يُرفع علم الجزائر في قلب ميدان التحرير كرسالة حول العلاقة الأخوية والتاريخية بين الشعبين …
في تونس، تسعى أجهزة رجعية (بعضها يتبع نظام الإمارات) إلى الاستثمار في كلّ توتر رسمي لمزيد زرع الفتنة بين شعبيْن متجاوريْن. فهذا يُشجّع الجزائر ليشتم مغرب العزّ متّهمًا إيّاه بالتطبيع وبموالاة المحور الإمبريالي الصهيوني (أكبر المسيرات الداعمة للقضية الفلسطينية بعد السابع من أكتوبر كانت في طنجة وفي الدار البيضاء وفي بقية المدن المغربية)، وذاك يُشجّع المغرب ليشتم جزائر الشهداء متّهما إياها بالتدخل السافر في شؤون تونس … وكأنّ الشعوب المقموعة مسؤولة عن سياسات أنظمتها…
اللعبة جميلة، ذلك صحيح، ومن البديهي أن نتغنّى بالأمتع والأجدر، ولكن اللعبة غير محايدة وهي مُسيّسة شئنا ذلك أم أبينا، ومعايير الأجدر ومقوّمات الأمتع لا تخلقها سوى البنى التحتية ومنطق الرأسمال المُعولم وموقعنا في دورة الإنتاج…
لذلك يكون من الجميل استرجاع بداهتنا، حتى في التشجيع، تلك البداهة التي يحملها الكثيرون في المقاهي العربية. إذ وكأنّ عامة الناس يجيدون ترتيب تناقضاتهم وأولياتهم، فيشجعون الأقرب على الأبعد، هكذا تباعا : عربي فإفريقي فجنوبي.
لكلّ ذلك، فالأكيد أن جزائريين عدّة نسوا بالفعل حادثة أم درمان ومباراتهم في 2009 مع المنتخب المصري، وانصاعوا للبديهي فيهم. وأن تونسيون كثيرون تجاوزوا تلك المنافسة المصطنعة والفارغة بين “الفراعنة” و”القرطاجيين” …
وما زاد من التشجيع العربي لمصر ومن التعاطف مع منتخبهم هو العلم الفلسطيني الذي رفعه “الكابتن ” حسام حسن بعد مباراة أستراليا. وإن كان ذلك أضعف الإيمان، فإنّ مجرّد تحدي تحذيرات الفيفا، الكلب المطيع لدونالد ترامب، وتحدّي الامبريالية الأمريكية في عقر دارها، ولو رمزيًّا، أعطى جرعة إضافية لمنتخب مصر. كما أنّ حسام حسن تألّق في المونديال أيضا من خلال مؤتمر صحفي تاريخي هاجم فيه ازدواجية المعايير الغربية وتجرّأ فيه على فضح الانتهاكات الصهيونية في حق الفلسطينيين. وهو مُهدّد خلال اليومين القادمين بغرامات مالية وعقوبات إدارية من قبل الفيفا بعد بصقه على أحد الجماهير الأرجنتينية الذي استفزه برفع علم كيان الاحتلال.
هذا السلوك العربي الغالب، أقول الغالب لأنّ هنالك من يُريد الخروج عن “قشرته قسرًا” ، ليس مجرّد سلوك عابر أو ردة فعل عاطفي، بل هو البذرة التي يجب أن ننتبه إليها مليًّا ونمعن التفكير فيها لنعرف كيف نسقيها وكيف تُنبت حبّا مثمرا. فإن كان غيرنا قد استثمر في مشاريع سياسية ضخمة عبر النبش في أي تشابه ممكن أو حتى عبر خلقه، فلماذا لا نُفكّر نحن في ذلك؟ ونحن الذين لدينا من المشترك ما يسمح لنا بالتحرّر من براثن الوحوش. فقط إذا استرجعنا البديهي فينا وتذكّرنا أنّ الأنظمة تطبّع وتخون وتشتري وتبيع وتستغل وتنتهك وتستغلّ وتُعذِّب وإلخ، وأن الشعوب تشترك في القهر والعذاب والاضطهاد ومن خلال وحدة مصيرها…
نرجو أن يصير التضامن مع غزة ومع فلسطين موضوعا متكرّرا،خاصة في هذه النسخة بالذات، ولعلّ المغرب، الذي رفع بعض مشجعيه لافتة في المدارج كُتب عليها “إلى الصامدين في أنفاق غزة وجنوب لبنان، نشدّ على أيديكم ونقبل الأرض تحت نعالكم”، يُهدينا ترشحًّا جميلا وموقفًا نبيلًا مُستلهَمًا من إرث الممقاوم الكبير عبد الكريم الخطّابي، لا من بؤس نظام المخزن ومحمّد السادس.
