الحرب على ايران ستحدّد وجه منطقتنا لعقود.. فماذا نحن فاعلون؟

05/03/2026
الحرب على ايران

تدخل الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران يومها السادس، وكلّ المؤشرات تدل على أنّها لن تكون قصيرة هذه المرّة. فنحن بوضوح إزاء حرب مصيرية لإيران ولكامل المنطقة، بل وللعالم. وليس في هذا التقييم أدنى مبالغة. وهو ما يدفعنا إلى طرح السؤال البديهي: مالذي علينا فعله كشعوب عربية إزاء ما يحدث؟

فمن جهة، لم يخف مجرم الحرب الصهيوني نتنياهو، منذ بدايات “طوفان الأقصى” نيّته بـ”تغيير وجه الشرق الأوسط”. ومن الواضح أنّ الصهاينة كانوا يستعدّون بكثير من المثابرة والاتقان لهذه الحرب الوجودية، وأنّهم عرفوا كيف يستردّون زمام المبادرة بعد أن فاجأتهم المقاومة الفلسطينية الباسلة في فجر 7 أكتوبر المجيد. وبدا واضحًا أيضا – مع الأسف – أنّ المحور المقابل، رغم كلّ ما بذله من تضحيات وبطولات وأظهره من شجاعة أسطورية، لم يكن مستعدًا تماما لمواجهة من هذا المستوى. ولعلّ أبرز نقاط الضعف المفجعة التي كشفتها الحرب المستمرّة، منذ سنتين ونصف، هي ضعف التحصين الأمني والاستخباراتي لقوى “محور المقاومة”، تحديدا إيران وحزب الله.

انضاف إلى هذا العامل الذاتي السلبي، عامل موضوعي معاكس تمثّل في التغيير الذي طرأ على رأس إدارة النظام الامبريالي الأمريكي. فلئن كان صحيحا أنّ إدارة الديمقراطيين لم تقصّر في دعم ترسانة العدوّ وحربه الإبادية ضدّ الفلسطينيين، وفي خداع ايران وحلفائها، الّا أنّ إدارة سلفه المجرم السافل ترامب تفوّقت عليها في الاستخفاف بدماء شعوب المنطقة. بل وزادت على ذلك إيمانها العقائدي بضرورة الحفاظ على الهيمنة الأمريكية على العالم، ولو بالقوّة العسكرية الغاشمة، استباقًا لتغيّر حاسم لميزان القوى مع الصين، عدوّها الاستراتيجي الصاعد. وقد تُرجمت هذه الرؤية عمليا في فنزويلا، كمدخل لترهيب كلّ بلدان أمريكا اللاتينية، فيما انعكست في منطقتنا عبر ترتيب اتفاق وقف إطلاق نار صوري في غزة، جوهره ضمان انتصار “اسرائيل” واخضاع غزة ومقاومتها، وجرى العمل على نفس الشيء تقريبا في لبنان، مع الضغط على العراق ليضبط القوى الموالية لإيران، فيما تمّ إفساح المجال للجولاني، المصنّف سابقا على قائمتها للإرهاب، كي يبسط سيطرته بالحديد والنار على سوريا، مقابل ولائه ومهادنته للصهاينة. 

 أدّى ذلك إلى تجرّأ نتنياهو على أن يذهب بعيدًا في تحقيق طموحه المعلن بالقضاء على “محور المقاومة” وفرض الهيمنة الصهيونية، ومن فوقها الأمريكية، المطلقة على كامل منطقتنا لفترة قد تمتدّ لعقود… ويفترض أن تكون هذه الجولة الثانية، والحاسمة، من الحرب على إيران (بعد الفشل في تحقيق أهدافها في حرب الـ12 يوم في الصيف الماضي) الفصل النهائي من هذه الخطة.

فهم الإيرانيون هذا الأمر خلال الحرب الأخيرة عليهم، واستبسلوا في التصدّي لآلة القتل الأمريكية والصهيونية وإفشال أهدافها. لكن من الواضح أنّهم أدركوا حقيقة تلك الأهداف بشكل متأخر ولم يكونوا مستعدّين لسيناريو كابوسي من نوع اغتيال السيد الشهيد حسن نصر الله وسقوط نظام الأسد في دمشق. الأمر الذي جعل حساباتهم القائمة على تجنب، أو تأجيل، المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة و”اسرائيل” تسقط في الماء.

والآن وقد امتدّ الحريق إلى عقر دارهم ولم يترك لهم العدو الأمريكي والصهيوني أيّ خطٍ أحمر أو اعتبار أخلاقي أو “قانوني”، لم يبق للإيرانيين غير خيار “عليّ وعلى أعدائي”. فمن الواضح أنّهم حُشروا في الزاوية إلى درجة اضطرارهم إلى تمثيل دور “مجنون السفينة” المستعدّ لإغراقها بكلّ ركابها إن هم أصرّوا، أو تواطأوا، على إغراقه. 

وحده الجاهل بحقيقة الأوضاع، أو سيّء النية، يستطيع أن يلوم اليوم إيران، أو حزب الله، على ما يقومان به وهما يخوضان حربًا دفاعية ووجودية بأتمّ معنى الكلمة. ولا حاجة لتضييع الوقت لإقناع أيّ كان بمسؤولية جلّ أنظمة الخليج وغيرها من دول المنطقة في التآمر، متعدّد الأشكال، على إيران وبقية فصائل المقاومة. وقد رأينا طيلة السنتين الماضيتين دور أنظمة مثل الإمارات والسعودية والبحرين والأردن والمغرب في حصار أهل غزة ومقاومتها الباسلة، دون الحديث عن دور بعضها في تخريب ومعاناة أهل السودان واليمن وفي تحجيم مكانة مصر ومحاصرة الجزائر والخ.

إلى ذلك، يبقى السؤال المؤرّق باستمرار: ما العمل؟ تحديدا بالنسبة لنا كشعوب وقوى مناضلة وأفراد مازالوا متشبثين بقيم السيادة والكرامة في الوطن العربي عامة، وتونس خاصة؟ 

حقيقة، ضاقت الخيارات. المنطق السليم يقول أنّه لا يجب أن تبقى ايران وحلفائها وحدهم في مواجهة الوحش الذي يعربد علينا جميعا ويهدّد بافتراس كلّ بلد، أو نفس حرّ، يفكّر في أن يرفع رأسه ويقول لا لإملاءاته المهينة. ولا حاجة للتفصيل في شرح حالة الاستباحة المطلقة التي ستلحق جميع بلدان المنطقة من الأمريكيين والصهاينة وأذنابهم الأوروبيين والإقليميين ومرتزقتهم المحلّيين.

وللأسف، جلّ الساحات العربية اليوم تحت سيطرة أنظمة، إن لن تكن عميلة علانية، فهي خانعة خائفة ذات أفق ضيّق (كما هو حال السلطة في تونس التي لم تتجرّأ على تسمية وإدانة المعتدين على ايران ولا حتى التعزية في استشهاد قائدها علي خامنئي!)، وهو ما يمنع التفكير في خيارات جذرية لدعم الصامدين في إيران ولبنان وفلسطين واليمن والعراق. إلّا أنّ ذلك لا يجب أن يمنعنا من تقديم “أضعف الإيمان” من دعم مستحقّ لهؤلاء الذين يحاربون نيابة عنّا جميعا. إذ من العار علينا أنّه لم تخرج حتى اليوم في تونس، وغيرها من الأقطار العربية، مظاهرات حاشدة تحاصر سفارات العدو الأمريكي وترفع الصوت عاليًا اسنادًا معنويًا وسياسيًا لآخر المدافعين الباسلين عن استقلال بلدان المنطقة، وعن كرامة وسيادة شعوبها وعن مستقبلنا وحقّنا جميعًا في مكان تحت الشمس.

مقالات ذات صلة