طريق حفوز.. هذا الحي مترامي الأطراف الذي أُقيم على الطرف الغربي لمدينة القيروان، بعد أن اختنقت هذه بساكنيها، ولفظ الريف القيرواني أعدادا لا تحصى من أهله فغدوا نازحين، فأشبه قيئا ارفضّ من أمعاء المدينة المختنقة و حمولة زائدة على الريف ثقلت عليه فأسقطها هناك، أقيم عشوائيا في بادئ الأمر.. جحورا تُقام كيفما اتفق، قسم منه قديم جدا ملاصق للمقبرة هو حومة علي باي، وإلى الغرب منها حومة أولاد زايد، ويفصل بينهما ” نهر” له مواصفات فريدة سنأتي على شرحها لاحقا. وقسم حديث أُنشأ في منتصف السبعينات، مع إنشاء مصنع التبغ الذي افتك ثلثي المساحة التي كانت تحتضن المعهد الثانوي.
كانت من أوائل من سكنوا هناك.. امرأة نازحة قادمة من ريف غير معروف، أقامت في جحر تحت الأرض، أكثر منه بيتا فوقها، ومعها أولادها الثلاثة، بعد أن ترمّلت مبكّرا، وعاشت وصغارها حياة الضنك التي عاشها كل الذين استقروا في هذا المكان، وحيدين فريدين في ذلك الخلاء الأجرد، والمدينة القديمة تمتد شرقا على مسافة منهم منغلقة على نفسها ومولية لهم بظهرها، من خلال الجدار السميك لمقبرتها، الذي فصل المدينة عن الريف، وكل ما حاذى ذلك الحائط عُدَّ ريفا صرفا. وفي ذلك الطرف الغربي، بين المقبرة وبداية البيوتات التي ستشكل فيما بعد نواة ضاحية، هي امتداد لحومتيْ علي باي وأولاد زايد، كانت هناك إسطبلات لنحر البغال والحمير خلسة وترويجها للاستهلاك الآدمي. ومحلات لبيع ممنوعات كثيرة.
في ذلك الخلاء الشاسع الممتد بين الجهة الشمالية للمعهد الثانوي وسور المقبرة، يتدفق “وادي الصرب”، بحمولته من الفضلات البشرية لجحافل التلاميذ وسكان الحي المجاور، ماضيا نحو الشرق قليلا، نحو المدينة، ثم يقوم بانعطافة متدرجة تجعله يمضي جنوبا محاذيا للمقبرة وبعدها بناءات قليلة متفرقة على طرف المدينة إلى حيث تسيح أوضاره في الخلاء الجنوبي البعيد، كان المشهد مضحكا ومخزيا كل يوم جمعة إذ يتحضر ناس كثيرون بكامل طهارتهم لصلاة الجمعة في المسجد، فيلتقون ذلك الثعبان النتن في طريقهم ويضطرون لاجتيازه لبلوغ المدينة قفزا فوق حجرات مدت على طول خط مجراه، فلا يسلم أحد من طش البول وشذرات الخراء السائل.
حومة علي باي تقع الى الشرق من حي طريق حفوز، حيث كان واد الصرب، الذي للدقة اللازمة، يمثل السيل العاري المحمل بكافة أوضار مراحيض ومطابخ حي المنصورة والمعهد القائم فيه، يشق مجراه في قلب الحومة، فيخترقها من الشرق إلى الغرب، ثم يتخذ سبيله جنوبا, لا يستطيع الإنسان تخيّل أي حياة عاشها الناس في حومة علي باي، ولا نوع المستقبل الذي حلموا به وأورثوه لأبناءهم، وهم يتصارعون يوميا مع سيل مياه الصرف المتدفقة واديا جاريا ينحت مجراه في حيّهم بقوة الأمر الواقع، للمرور من إحدى ضفتيه نحو الأخرى، للنزول إلى المدينة، أو لمتابعة الدراسة في مدرسة المنصورة أو معهدها. بعد أن تشتم أنوفهم ما طاب لها من روائحه الزكية التي كانت تقتحم بيوتهم شديدة التواضع ليلا ونهارا.. لا شك أن الجيل الجديد من ساكنة حومة علي باي لم يعش مجاورا لوادي الصرب أو حتى يعرف أن قناة الصرف الصحي للمنطقة المجاورة كانت تصبّ في حيّهم، بعلم السلطات وبقرار حكيم منها وفّر عليها مصاريف كثيرة، فهي كانت ولا تزال لا ترى في حي علي باي سوى تجمع لكائنات هي دون السويّة الإنسانية. لأن هذا الوادي تم وقفه وتحويل مجراه بعيدا في مطلع التسعينيات. لكن الشعور بالحقارة وانعدام القيمة الإنسانية ظل ملقيا بظلاله الثقيلة على عقول الناس. فمن نبت في حياض الذل وكان طوال حياته هدفا للبخس والتجريم والمطاردات البوليسية، لا تستطيع روحه مهما أُنهكت، أن تُروَّض على نهوض ولا على انكسار، ولا أن تتعلّم طمأنينة القطيع؛ رغم أنها مجبرة على أن تكون جزءا منه. فقد خُلقت على الهرب، وعلى الشهادة ضدّ هذا العالم.
منذ بداية نشوءه، لم تر السلطة في حومة علي باي غير تجمع للكلوشارات والعصابيين والخارجين على قانونها.. وعندما تم لها ذلك، والتصقت بالحي تلك السمعة، بأن أبقته محروما لعقود من أبسط عناصر الحياة الكريمة.. وعرضت أبناءه للترذيل بشتى صنوفه، حاكمته بالضبط على ما رغبت هي أن يؤول إليه.
من يمر بحي علي باي لن يرى فرقا كبيرا بين ماضيه وحاضره. المنازل أغلبها واطئة وشديدة الصغر، وواجهاتها قديمة أو متداعية، وأزقتها تمتلئ بالشبان المتعطلين لا عن العمل فحسب، بل عن الحياة برمتها. والخيط الوحيد الذي يشدهم للأمل في عالم أفضل هو الهجرة للخارج بأي طريقة، بعد أن فاضت مستودعات الحي ببالات الفريب التي صار ما يرميه منه بائعوه أكثر مما يبيعونه.
مازال الانسداد التاريخي يطبق عليه. ومازال حي علي باي منقطعا عن بقية الدنيا منغلقا على نفسه، وظلا ل البؤس القديم تعمر جنباته، متخذا انغلاقه والسمعة الشائنة التي اشتهر بها، على أنه حي الباندية ومروجي الحيشش، درعا أخيرا يرد بها عن نفسه ويحمي كيانه من التحلّل، ماديا ورمزيا، من هجمات الوصم التي يتم رشقه بها، سواء من أبناء حيي المنصورة والمعز شبه البورجوازيين المتاخمين له، الذين لم تغب عن ذاكرتهم أن حي علي باي كان، ولزمن قصير، مصبا لفضلاتهم. أو السلطة التي اتخذت منه مرتعا للملاحقات الظالمة، تستعرض بها جبروتها وهيبتها المغشوشة.
ورغم أن الشطر الأعظم من وادي الصرب تم ردمه وتعبيده، فإن السيول لاتزال تجتاح الحي كل شتاء وتعسر الدخول إليه والخروج منه ، لأن طوبوغرافيا الموقع قضت بأن يلتقي مسار الصرب مع مسار قديم لوادي مرق الليل، الذي كان يداهم الحي عند كل فيضان له قبل إقامة الحاجر الترابي في الجهة الغربية من القيروان. وهكذا كانت المياه تعرف مخرجها المثالي وتبلغ أوج جموحها كلما التقت مساراتها القديمة.
في الجهة الجنوبية من الحي، حيث التماس مع حي المعز، ظل جزء من الوادي، هو الجزء الأعمق، عاريا وجافا لعقود طويلة، تملؤه الأوساخ والحشرات والمياه الراكدة صيفا، ويغرق في الأوحال شتاء، حتى انتبهت له جهات التجهيز وقامت بتغطيته. لكن الروح التي طبعت الحي جراء مجاورته لكل هذه القذارة، كانت روح النقمة والكراهية التي لا تنتظر عادة غير قادح صغير، لتنفجر فتقذف ما اختزنته طويلاً من غضبٍ مكتوم، وتحوّل السكون الظاهري إلى فوضى لا تميّز بين سببٍ وذريعة.
استمر الحال هكذا لبعض الوقت، في بقية حي طريق حفوز الذي يمكن اعتبار حي علي باي جزءا منه، رغم أن هذا أقدم منه نشأة، لكن الروح التي تطبع الحياة في كليهما هي نفسها؛ الاحتيال بكل وسيلة في سبيل العيش، ثم لم يلبث أن قدم أصحاب الكروش الضخمة، “البلْدية” أصحاب تلك الأراضي الواسعة التي امتلكوها بالتقادم جدا عن كابر جد، تلك التي سيصار إلى إقامة الحي فوقها فيما بعد، كثيرو التذمر من كل هذه الفوضى التي أحدثها هؤلاء المهمشون الذين طردتهم أريافهم وضاقت بهم الأرض، ويحتالون بكل وسيلة في سبيل العيش، فدفعوا ببؤساء ما قبل الحي بعيدا، وتم تجريف دار رجل منعزل معروف باسم”حبحوب ” وأُلقي بها أشلاء، لأن منزله وبئره كانا يقومان في قلب الطريق الذي اقتضت التنظيمات الجديدة شقّه، ولم يحفل الناس بمأساة تشريد “حبحوب ” وعائلته، فالرجل لا أهمية له ولا وزن ولا أصدقاء، وبيعت المساحات الكثيرة، لمن يملكون المال من الأفراد ولشركة العقار على حد سواء، خصوصا من ظفروا منهم بعمل في مصنع التبغ الجديد الذي سيصير مصدرا لتلوث يتفاقم مع الوقت، بعبارة أدق: أُجْبِرَ الجميع على الشراء، فبديل إقامة مسكن كان البقاء في العراء، الفرد وعائلته..، والريف الذي لفظهم لن يتقبل عودتهم.
وبدأ الحي يعرف بالتدريج طريقه إلى التنظيم بعد أن شرعت الشركة العقارية بإقامة مساكن شعبية، مثلما درجت التسمية أن تطلق على جحور ضيقة لا تزيد مساحتها على السبعين مترا مربعا وتحتوي على غرفتين ومطبخ ومرحاض بمقاسات ميكروسكوبية. أقامت منها المئات سمتها “وحدات سكنية” بكلفة رخيصة رخص ذلك الطراز من البناء، وكلها كانت على مثال واحد رديء الذوق، ثم باعتها لقاء تقسيطات شهرية لكل من كان يملك ضمان السداد، أي كل من كان مرتبه الشهري مرتهنا لدى أحد البنوك، فبدا في ذلك أن الطرف الذي يملك الشركة وأقام تلك المساكن، وهو هنا الحكومة الموقرة، كان من خلال تحالف خفي مع المصارف، يسترجع باليسار ما أعطاه باليمين بتحويله آلاف الأجراء إلى مرتهنين لديه، من خلال مديونيتهم الدائمة له، التي تستمر في حالات كثيرة مدى الحياة.
ويتخبط الجميع في حبائل المديونية، ويقدح بعضهم زناد الفكر المغامر لتمزيق تلك الحبائل، ويتذكر الأهالي حكاية من حكايات الشطارة كان فارسها المغوار موظفا صغيرا، اقتنى منزلا من تلك المنازل، ثم أجّره في نفس الشهر الذي اشتراه فيه لعائلة فقيرة لا تقدر على الشراء مقابل سعر هو ضعف التقسيطات المطلوبة منه للشركة البانية، وحال انتهاءه من تسديد أقساطه من معين الكراء الذي كان يستبقي منه نصفه، باعه بضعف ثمنه، فغدا بعمله ذاك مضرب الأمثال في الشطارة والاحتيال على حبائل الحكومة. رغم خساسة مسلكه وروحه الاستغلالية، ورغم أن ضحاياه لم يكونوا غير بؤساء مثله.
أما العشوائيات فظلت قائمة في أمكنتها ترفض أن تتزحزح رغم الضغط والمحاصرة، لأن الحياة لابد أن تجد لنفسها سبيلا، وتتوسع بطرق خطيرة كلما كانت هناك رغبة في خنقها، منحصرة في الطرف القصي من الحي، نسيا منسيا، وربّى أهلها معهم في بيوتهم دجاجا وأغناما ومعيزا، وبالأخص البغال الضرورية لجر الكاروات.. المهنة الأساسية لسكان تلك العشوائيات، موصومين ظلما وعدوانا بكونهم من أراذل الناس وسفلة القوم، عائلاتهم كبيرة العدد، تتخبط في البؤس والوسخ، وجلّهم كان مجبرا على ممارسة السرقة، وحظ أولادهم من التعلم قليل، والجهل فيهم مستفحل، وهذا الجهل، من خلال نظرة موضوعية لمجمل حالهم، قد يكون سببا ونتيجة في نفس الوقت. وهناك من تحدث عن تفشي الدعارة في تلك الأوساط، إلا أن هذا لم يكن أمرا مؤكدا، مثلما لم يكن من الإنصاف خصّ تلك العشوائيات وحدها بهذه التهمة الشنيعة، فالدعارة منتشرة في العشوائيات وفي غيرها، إلا أن الفرق هو أن دعارة العشوائيات سريعة الانكشاف وتتناقلها الألسن الطويلة في الحال ولايُعذر مرتكبوها، أما دعارة الحي البورجوازي فتجد لنفسها ألف عذر وقادرة على ارتداء آلاف الأقنعة.
في الوسط تماما بين البناءات يمتد ذلك الخط الطويل الذي أسماه الناس مبكرا «طريق حفوز».. وهو في ذلك اسم على مسمي، فذلك الخط هو بقايا طريق قديم كان يربط القيروان ببلدة حفوز على مسافة 50كيلومترا منها ودمرته فيضانات وادي مرق الليل الشهير، فلم يعد يمتد لأبعد من طرف المدينة الغربي الذي ينتهي بمرتفع ترابي أُقيم لحماية المدينة من هجمات مرق الليل ذاك، ثم لم تعد ثمة من حاجة إليه بعد أن تم الجام جموح هذا الوادي بسد آخر أُقيم بعيدا عنها، فغدا طوقا يخنق المدينة ويسد عنها منافذ التنفس، ثم تطور الأمر إلى ما هو أبعد.. جريا على عادات القيروانيين النزاعين إلى الابتكار..، فغدا مزبلة ضخمة.
أغلب سكانه ظلوا على فقرهم، لم تغن عنهم فرص العمل الهامشي من حين لآخر، أو العمل كبائعي خضر في مرشي طريق حفوز، أو الانتصاب بأكداس الفريب في فضاءات الحي وعلى حافة طرقاته. لكن ثمة فئة من السكان، استطاعت بعد عقود من التذلل والنفاق والتمسح على الأعتاب، أن تصل في سلّم التقسيمات الطبقية إلى ما فوق حضيض ذلك السلم بقليل، أي أن تغدو “طبقة وسطى” تقف فوق أرض مهتزة رجراجة، وعاشت حياتها في خوف متصل، و مارست انغلاقا مريعا حيال الآخرين من حولها وتحديدا الذين هم أدنى درجة منها، تجلّى ذلك في التصفيح الجيد لبيوتها، خوفا أن تُسرق نجاحاتها في الارتقاء المجتمعي المعجون بالذل، أو أن يتخذها قدوة عاثرو الحظ الملقون في الأسفل تحتها.
الخالة ع. قدمت وزوجها وابنتيها للحي قبل خمسة وثلاثين عاما، وأقام زوجها الذي ترك ريفه لأنه كان بلا أرض ، مسكنا صغيرا للعائلة يتكون من غرفة ومطبخ وحوش صغير وشبه قاراج ينام فيه بغله ليلا، وامتهن نقل الرمال وبيعها على “الكرّيطة” لأصحاب الحضائر. وعندما جاءت الشاحنات وأخذت مكان ” الكراريط” في نقل الرمل، اشتغل بائعا للعلف، ثم الدجاج. وبعد موته ظلّت الخالةع. وحيدة مع ابنتها الثانية بعد زواج الأولى، لا مورد تعيش منه عدا مساعدات الأقارب، وأصيبت بالشحم في الدم والضغط المرتفع والغدة وخفقان القلب وتضخّم عضلة القدم والبرد وضعف الكلى. وعند زواج ابنتها الثانية، أخرجها صهرها زوج الأولى من الحي لتعيش مع ابنتها في بيته.
أغلب أهل حومة علي باي نازحون. وهذا ما أعطاهم في عيون أهل المناطق المجاورة صفة الدخلاء. استقرّوا هناك بحكم الضرورة لا الاختيار، وتعايشوا مع المكان كما هو، بلا ادّعاء انتماء ولا انتظار اعتراف، مكتفين بما يضمن لهم البقاء فقط.
مربعات البؤس في حومة علي باي وطريق حفوز وراءه، لا يحصرها تعداد، والكثيرون يعيشون فقرا مدقعا خانقا، البؤس يتمدد مثل رياح السموم، ويقتحم البيوت من مختلف منافذها، ولكي يتحايل على هذه الحقيقة المُكتوون بلهيبها، تمتلئ الأحياء بمتعاطيي المخدرات وبائعي المسكرات. وفي ذلك تجارة رابحة كل الربح.. علاوة على كونها ضرورة أكيدة ولازمة مستحقة من لوازم الحياة هناك، فلكي تعيش في حي كهذا، يتعين عليك أن تكون قادرا على النسيان، نسيان أمسك الذليل ونسيان غدك الضائع في مجاهل العجز المقنط. وتجد من يقدّم اقتناء قرطاس حشيش أو قارورة خمر على أوكد الضروريات.. فهي ستنسيه حتما في تلك الضروريات التي لن يطالها أبدا.
كل صباح ينفغر ذلك الشدق الذي اسمه مرشي «طريق حفوز»، وتشرع مئات الأنياب النخرة تعمل فيه درسا ورفسا وعفسا واستهلاكا مجنونا أعمى..، نساء محجبات في أطراف جلابيبهن المتهدلة يعلق وسخ كثير، ورجال قادمون من وراء السد الترابي، أنهكهم العمل الفلاحي الشاق، فجاؤوا يبحثون عن مورد عَجزَ ريفهم عن أن يجود به، والمتأففون من فوضى المرشي من أبناء الطبقة الوسطى، طبقة الموظفين أساسا، تراهم إذا خرجوا للتسوق كأنهم نجوم هوليوود. يحاولون إظهار التمايز بحذلقات فجة، وقد تجد منهم من يكتب على أحد الحيطان” البلاد ما هلكت كان بالجبورة” على أساس أنهم هم ليسوا “جبورة”، وليس أغلبهم ذوي خلفيات ريفية. وباعة يحتالون ويتفننون في الغش بموازين لا تزن شيئا في الحقيقة، وبغل مرابط هناك ينثر الروث على راحته، بعد أن فصله صاحبه عن عربته واتخذها منضدة يعرض عليها بضاعته إلى حين، أينما توجهت فلن تعثر على غير القبح، في الأشياء وفي القسمات، حتى ما يكتب على الحائط الطويل للمدرسة المحاذية للمرشي كان رديئا قبيحا:
-يا جماعة المرشي راكم هلكتوا..
– الله يهلك اللي هلك لبلاد..
– حومة المرشي يسلك وحلها..
– لا للجبورة..
والفوضى الضارية والجلبة والخصومات التي تندلع لأتفه الأسباب وتخمد بمثل السرعة التي ثارت بها، ولكن تظل مخلفاتها من الأحقاد الصامتة تعتلج في الصدور وتلوح في النظرات. ثم أكوام القاذورات المتروكة عند الظهيرة، والروائح، والذباب، والمياه الآسنة، كل ذلك في سبيل البقاء حيا، إن لقمة رخيصة معجونة بتلك المياه الآسنة التي تنز من الخضر المتعفنة المتروكة هي مدار كل هذا الطنين.
وزاد الحي بهاء مجاورته للمقبرة الكبيرة للمدينة وحائطها المتجهم، بما عنى احتفالا يوميا بالموت، وتماسّا دائما معه.. وعنى دون لبس تحول الكآبة إلى طقس وتقليد مُتجذّريْن ومُمارسيْن يوميا، فليس هناك من هو أكثر تجهّما وانقباضا من أهله.
على أي وجه قلبنا واقع الحي، فلن نعثر على وجه واحد يحرّك في النفس الأمل بغد مختلف. لم يعد ما يعيش عليه الناس هو الأمل. بل مجرّد الحفاظ على الحياة، الذي أحيانا يتّخذ صورا قصووية متطرفة، مثل تحدي البوليس بامتطاء فورزا ورفض الامتثال لتعليماته. هو شكل للإعلان عن الحضور عندما تطبق على البشر أغبرة الغياب. فتتخذها السلطة ذريعة لمزيد المحاصرة والترذيل. وفي هذا الواقع، لم يعد هناك مجال للأحلام، فقط طرق متشابكة للبقاء. يظلّ الحي شاهداً على صراع يومي من أجل العيش، بلا وعود بغد أفضل.


