سلسلة «العدوان الأمريكي على فنزويلا: مدخل لفهم التجربة البوليفارية» – ج1 – مقدّمة: الظرف الراهن في فنزويلا

11/01/2026
WhatsApp Image 2026 01 11 at 15.13.13

تصميم: وجدي المسلّمي

هذا النص تمهيد لسلسلة تضم خمس مقالات تتناول الإعلام والسياسة والاقتصاد والكوميونات والنهج التشافيزي في فنزويلا. إن ما ستعالجه مقالات السلسلة هو تفاصيل هذه الجبهات وكيف تتداخل في صناعة الصمود. والأسابيع المقبلة ستحدد هل ينزلق البحر الكاريبي إلى إدارة عسكرية دائمة، أم تفرض تسوية تعيد مادورو وتكسر منطق الحصار، وميزان القوى هنا متغير على كل حال.

إن ما يجري اليوم في فنزويلا هو فصل جديد من صراع طويل على السيادة والموارد وحدود التدخل الخارجي. وقد انتقلت الحرب الأميركية على فنزويلا خلال الأشهر الخمسة الأخيرة من عقوبات اقتصادية ومصادرات وملاحقات مالية إلى أدوات ميدانية صريحة. لقد بدأ التحول الحاد منذ منتصف شهر آب/أغسطس الماضي مع توسع الوجود العسكري الأميركي في البحر الكاريبي، ثم إعلان عملية «رمح الجنوب» في أيلول/سبتمبر تحت عنوان «مكافحة المخدرات»؛ هذه اللافتة قناع لطالما استدعته واشنطن كلما أرادت شرعنة القوة خارج حدودها وإعادة تعريف البحر في نصف الكرة الغربي باعتباره مجالاً أمنياً أميركياً خالصاً. ومع إعلان حصار بحري في منتصف كانون الأول/ديسمبر، لم تعد العقوبات تهديداً على الورق، وإنما صارت تماسّاً يومياً مع التجارة والوقود والدواء، ومحاولة لتحويل البحر إلى بوابة إذن أميركي. والهدف من ذلك كلّه أن تُدفع كاراكاس إلى مساومة قسرية.

وفي هذا المناخ جاء 3 كانون الثاني/يناير الجاري ليمثِّل قفزة نوعية: عملية عسكرية أميركية في كراكاس ضُربت فيها مواقع عسكرية ومدنية وانتهت بخطف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس ونقلهما إلى الولايات المتحدة. لم تقدم وثائق عملياتية أو أدلة قابلة للتحقق تبرر القصف والنقل القسري، واكتفى الخطاب الأميركي بلغة تمنح نفسها حقاً فوق القانون الدولي. وقد قيل داخل فنزويلا إن الهجوم أوقع ما يزيد على مائة ضحية أغلبهم من الشباب، ووصف مادورو نفسه بأنه «أسير حرب» وطُرِحَت معركة إعادته إلى كراكاس سياسياً وشعبياً وقانونياً. الخطف والمحاكمة هنا ليست تفاصيل قضائية وإنما محاولة لإعادة تعريف معنى السيادة: رأس الدولة يصبح رهينة تدار بها مقايضة نفطية وسياسية.

كانت حسابات واشنطن قبل التصعيد العسكري تقوم على استنزاف طويل: تجفيف الإيرادات، وتجريم التعامل المالي، ومصادرة الأصول، ومحاولات صنع قيادة بديلة عبر معارضة موالية لها. لكن سنوات هذا المسار لم تنتج التحول الذي تريده لأن الدولة البوليفارية تعلمت الالتفاف وبناء شبكات تمويل وتجارة خارج المدار الغربي، ولأن شرعيتها تعاد إنتاجها نتيجة الحصار باعتبارها شرعية سيادة قبل أن تكون شرعية رفاه. ولذلك جاء الانتقال إلى الحصار البحري وإلى ورقة الخطف كبحث عن «حسم سريع». بيد أن هذا الانتقال نفسه كشف أن واشنطن حين تنفد كل أوراقها وتعجز عن إقناع الداخل الفنزويلي، تلجأ إلى كسر القواعد التي لطالما ادّعَت الدفاع عنها. كما كشف أن العقوبة ليست ضد رئيس أو حكومة فقط، وإنما ضد شعب كامل يراد إخضاعه عبر الجوع والطاقة والعملة، وعبر التهديد بالقصف والفوضى الممنهجة.

وبالمقابل، لم تظهر داخل فنزويلا علامات الانهيار المؤسساتي التي راهنت عليها واشنطن. لقد حصل انتقال دستوري سريع لإدارة الدولة، وبرزت ديلسي رودريغيز في واجهة السلطة التنفيذية بصفتها ضمانة للاستمرارية وليس بديلاً يفاوض على جوهر المشروع. والرسالة الداخلية كانت مباشرة: الخدمات تعمل والأجهزة ممسكة بالإيقاع الأمني بما يمنع الفوضى التي يراد لها أن تبرر مزيداً من التدخل. وخارجياً، شددت كاراكاس على أن الخطف عدوان يجب إنهاؤه، وأن مادورو هو الرئيس الشرعي لفنزويلا ويجب إعادته وزوجته إلى البلاد. والأهم أن الشارع، رغم الغضب، لم يتحول إلى فوضى، وإنما بقي في مساحة تعبئة منضبطة تمنع الاختراق. وقد أعلن المسؤولون دعمهم الكامل للرئيسة بالوكالة مع التشديد على أن مادورو هو الرئيس دستورياً حصراً.

وعلى صعيد ميزان القوى العسكري، تمتلك الولايات المتحدة تفوقاً بحرياً وجوياً وقدرة على تنفيذ اعتراضات وعمليات إنزال، وتملك شبكة مالية تجعل التأمين والتمويل سلاحين حاسمين. بيد أن فنزويلا ليست ساحة خالية: خلال عقدين راكمت قدرات دفاع جوي ورادارات ومقاتلات، ووسعت عقيدة «الدفاع الشامل» التي تربط الجيش بالمجتمع والبلديات والكوميونات. والميليشيا الوطنية التي تضم أكثر من 8 ملايين متطوّع هي عنصر تكلفة عالية في أي حسابات غزو أو توغل. وحتى مع تفوق واشنطن، فإن السيطرة على أرض فنزويلا ليست نزهة، وتكلفة المغامرة تتضاعف سريعاً. وهذا هو منطق الردع الفنزويلي اليوم: رفع ثمن التدخل العسكري البري مع فتح مساحات للتباحث والتفاوض في ملفي النفط والرئيس مادورو.

النفط هو المحور الذي تتحرك حوله كل الأدوات. واشنطن تريد تحويل صادرات فنزويلا إلى صنبور يفتح ويغلق بقرار أميركي، عبر حصار بحري ومصادرات وتهديد الوسطاء، ثم عبر «استثناءات» انتقائية تسمح لشركات أميركية بالعمل لتأكيد أن السوق تدار سياسياً. والهدف ليس فقط حرمان كاراكاس من العائدات، وإنما إعادة هندسة البيع بحيث تجبر الدولة على قنوات خاضعة للوصاية، أو تدفع إلى اقتصاد ظل – كما يجري – مكلف وغير مستقر. ومع ذلك لم تغلق المسارات بالكامل: أصبحت المسارات أطول، ويحدث نقل بين السفن، وإطفاء أجهزة التتبع، وارتفاع في تكلفة كل برميل يصل إلى وجهته. وأي نافذة عبور، حتى لو كانت محدودة، تمنح كاراكاس وقتاً ومساحة، وتدفع واشنطن بالمقابل إلى مزيد من المخاطر القانونية والبحرية أمام العالم كله.

اللافت أن إدارة ترامب تجمع بين التصعيد والبحث عن قنوات اتصال. فإعلان فنزويلا عن مسار دبلوماسي لاستكشاف إعادة فتح العلاقات لا يعني قبولاً بالعدوان، وإنما محاولة لتثبيت خطوط تمنع الانفجار وتحمل واشنطن مسؤولية أفعالها أمام العالم. وعلى الصعيد الإقليمي، تكثِّف كاراكاس اتصالاتها مع عواصم كبرى في أميركا اللاتينية ومع أطراف أوروبية مؤثرة لتذكير الجميع بأن عسكرة الكاريبي ليست شأناً فنزويلياً فقط، وإنما تهديد لمنطقة كاملة تملك مصالح في الاستقرار والتجارة والطاقة. وفي هذا السياق برزت محادثات مع لولا دا سيلفا، وغوستافو بيترو، وبيدرو سانشيز، إلى جانب رسائل للمنظمات الدولية حول العدوان واختطاف الرئيس. والرسالة أن فنزويلا تفرق بين فتح نافذة لمنع التصعيد وبين التطبيع مع العدوان، وأن التفاوض لا يلغي حقها في الرد السياسي ولا السيادي أبداً الآن.

أما رواية «الحرب على المخدرات» فتكاد تكون المثال الأوضح على هندسة الكذب السياسي. الولايات المتحدة تصدر الأزمة إلى الخارج بدل مواجهة جذورها داخل مجتمعها: شركات دواء صنعت الإدمان، ونظام صحي مأزوم، وبنوك غسلت أموالاً لعقود، وحدود يغذيها سلاح غير مضبوط. ثم تحوّل ذلك إلى تفويض لإطلاق النار في البحر وإلى تحويل الاشتباه إلى حكم نهائي. وهنا تتأسس سابقة خطيرة: القوة المميتة تمارس بلا مسار قضائي شفاف، وبلا رقابة، وبلا حق طعن فعلي للأسر المتضررة أو للدولة المعنية. والأخطر أن الاتهام يتحول إلى رخصة لقرصنة اقتصادية، ولقلب معنى القانون الدولي من حماية للسيادة إلى أداة إخضاع. ولهذا تصر كاراكاس على توصيف ما جرى باعتباره عدواناً يخالف ميثاق الأمم المتحدة، وليس نزاعاً جنائياً عادياً في جوهره تماماً.

الظرف الراهن لحظة اختبار للمعنى قبل أن يكون اختبارا للقدرة. فواشنطن تحاول الانتقال من حرب العقوبات إلى إدارة فنزويلا بالقوة: انتشار عسكري وضربات على قوارب صغيرة تحت لافتة «مكافحة المخدرات»، ثم اعتراضات ملاحية وعمليات إنزال وقرصنة، ثم عدوان عسكري واسع وكثيف على مواقع عسكرية ومدنية رافقه اختطاف رئيس الدولة وزوجته، ثم تهديد صريح بالتحكم في مسار النفط وعائداته يتبعه محادثات جارية الآن بين واشنطن وكاراكاس في ملف النفط. وفنزويلا تواجه ذلك بمنطق مركَّب: تماسك مؤسساتي وتعبئة شعبية عسكرية، ودبلوماسية تسعى لعزل العدوان وإعادة الرئيس وزوجته، واقتصاد يتعلم كل يوم – رغم الحصار والمباحثات – كيف يقلل الاعتماد على قنوات يسيطر عليها الخصم.

مقالات ذات صلة

  • ما وراء قانون الشيكات – “الإدماج المالي” بالقوّة في اتجاه أمولة الاقتصاد… وانسجاما مع “التوصيات”

    ينطلق العمل بما سُمّي قانون الشيكات الجديد بداية هذا الشهر (أي فيفري 2025)، إلاّ أنّ المجتمع بدأ يستشعر آثاره منذ…

    اقتصاد سياسي

    Whatsapp Image 2025 02 04 At 16.25.27
  • افتتاحيّة | زمن الفاشيّة الأمريكية

    مشاهد زحف أهل غزة نحو شمالها والبسمة تعلو وجوههم رغم الدمار، معطوفًة على مشاهد المقاومين الفلسطينيين وهم يخرجون بعد خمسة…

    افتتاحيّة

    Whatsapp Image 2025 01 31 At 20.38.47
  • عبودية الديون أو الشكل الآخر للاستخراجية 2: في واجب الانسجام واستخلاص الدروس… أيّ برنامج شيوعي؟

    أمّا بعد؟ الآن وقد قُلنا ما قُلنا، ما عسانا نفعل كي لا يبقى كلامنا بكاء وعويلا في الصحراء؟ كيف لنا…

    اقتصاد سياسي

    Walid2