تجربة الكوميونات في فنزويلا هي أحد مفاتيح فهم قدرة المجتمع على الصمود حين تُستهدف الدولة بحصار اقتصادي وعدوان سياسي وإعلامي. الكوميونات ليست ديكورًا مؤسّساتيًا، وإنما هي صيغة تنظيمية تُتيح للناس إدارة جزء من شؤونهم عبر اجتماعات عامة ولجان منتخبة ومشاريع إنتاج وخدمات. لقد بدأ هذا المسار من المجالس الكوميونية في الأحياء والقُرى ثم تطوّر إلى كيانات أوسع تربط عدة مجالس في وحدة واحدة، بحيث تتحول المشاركة من حضور مناسبات انتخابية إلى عمل يومي. في هذه الصيغة تُحدَّد الأولويات من القاعدة، ويُطلب من كل لجنة أن تقدّم مشروع وخطة بناء على احتياج كل مجتمع محلي. كما تُبنى علاقات تعاون بين الأحياء المتجاورة لتبادل الخبرة والمواد والعمل التطوعي. وبهذا المعنى تصبح السياسة ممارسة اجتماعية: تنظيم الموارد، ومراقبة الإنفاق، ومتابعة الخدمات، وحلّ النزاعات المحلية بوسائل علنية وقابلة للمحاسبة.
تقوم هذه البنية على فكرة بسيطة: السيادة تبدأ من القدرة على أخذ القرار جماعيًا في المسائل التي تمس الحياة المباشرة. وقد دعمت الدولة البوليفارية هذا الاتجاه بإطار قانوني ومؤسساتي – الدستور ومجموعة من القوانين إلى جانب وزارة كاملة – يُقرّ بالمجالس والكوميونات ويمنحها شخصية تنظيمية وآليات تمويل وتخطيط. وفي كثير من المناطق أُنشئت بنوك أو صناديق مجتمعية لإدارة مبالغ صغيرة، وجرى اعتماد ملفات مشاريع ترفعها القاعدة إلى المؤسسات للحصول على موارد. ولم يكن الهدف إلغاء مؤسسات الدولة أو البلديات، وإنما خلق مستوى إضافي من الرقابة الشعبية يحدّ من احتكار القرار ويضغط لتصحيح الانحرافات. وعندما يتحدث المشروع البوليفاري عن “الدولة الكوميونية” فهو يقصد اتجاه بناء دولة تستند إلى قاعدة اجتماعية منظمة، وليس إلى نخبة تملك أدوات الإدارة وحدها. وهنا تتحدد قيمة الكوميونات: تحويل المواطن من متلقٍ إلى شريك يقرر وينفذ ويحاسب ضمن قواعد عامة.
وتؤدي الكوميونات وظيفة مزدوجة في التعبئة الشعبية: تنظيم المشاركة السياسية، وتنظيم الاستجابة الاجتماعية السريعة. فعند كل محطة انتخابية أو أزمة خدمات أو حملة تعبئة وطنية، تتحول الاجتماعات المحلية إلى قناة تمرّ عبرها المعلومات والاحتياجات والقرارات. والكوميونات تنظم لجانًا للتثقيف السياسي وللشباب والنساء، وتفتح مجالاً للتدريب على العمل العام، ما يوسّع قاعدة المشاركة خارج النخب الحزبية. وهذه القناة تقلّل الفجوة بين الدولة والناس، لأنها تُترجم السياسات العامة إلى مهام قابلة للتنفيذ على مستوى الحي والقرية. كما تخلق ثقة نسبية لأن قواعد العمل واضحة: انتخاب لجان، وتدوين محاضر، وإعلان قرارات، ومحاسبة على النتائج. ونتيجة ذلك أن الكتلة الشعبية المؤيدة للثورة لا تعتمد فقط على خطاب، وإنما على خبرة سياسية يومية تعطي الناس أسبابًا عملية للدفاع عن مسارهم الثوري.
لقد تعاملت الولايات المتحدة مع فنزويلا باعتبارها ساحة يجب إخضاعها اقتصاديًا وسياسيًا، وليس بصفتها دولة ذات حق في خيارات مستقلة. فأوامر تنفيذية أمريكية منذ 2017 شدّدت القيود على التمويل والتعاملات، ثم توسّعت أدوات الحصار لتشمل تجميد أصول الدولة واستهداف مؤسسات وقطاعات حيوية. وتُسوَّق هذه الإجراءات في الإعلام كضغط “أخلاقيّ”، لكن نتائجها على الأرض تعني صعوبات في شراء الدواء وقطع الغيار والغذاء، وارتفاع تكلفة النقل والخدمات. وهذه العقوبات ليست مجرد خلاف دبلوماسي، وإنما أداة ضغط تسعى لإنتاج إنهاك اجتماعي يدفع الناس إلى اليأس ويُضعف شرعية الحكومة. والمنطق من وراء ذلك معروف: إذا لم ينجح تغيير النظام عبر الانتخابات أو الانقلاب، فليُصنع عبر خنق الاقتصاد ورفع تكلفة الحياة. وهنا تأتي أهمية التنظيم الشعبي القاعدي لأنه يحدّ من تحويل المعاناة إلى استسلام سياسي أو قبول بوصاية خارجية.
وفي مواجهة الحصار، برز دور الكوميونات في إدارة الغذاء والسلع الأساسية، خصوصًا عبر شبكات توزيع محلية وأشكال تعاون إنتاجي. لجان الإمداد والإنتاج المحلية (CLAP) اعتمدت على تنظيم الأحياء لتسجيل الأسر وتحديد الاحتياجات وتنسيق التوزيع، ما خفّف من هيمنة السوق المضارب ومن قدرة الوسطاء على الاحتكار. وكانت الكوميونات غالبًا تتابع الأسعار وتبلغ عن التخزين غير القانوني، وتنظم أسواقًا شعبية قصيرة السلسلة تربط المنتج بالمستهلك مباشرة. وإلى جانب ذلك، تطورت مبادرات الزراعة الحضرية، والمطابخ الجماعية، ومشاريع صغيرة لإنتاج خبز وألبان ومواد تنظيف، وفق قدرات كل منطقة. وهذه ليست بديلاً كاملاً عن اقتصاد وطني قوي، لكنها سياسة بقاء اجتماعي تحمي الفئات الأضعف من تحويل الحصار إلى سلاح تجويع ومن فرض الاستسلام عبر الجوع.
لكن الكوميونات لم تقتصر على التوزيع، وإنما حاولت بناء اقتصاد محلّي يراكم خبرة وقدرة ويُقلّل التبعية. فعندما تُغلق قنوات الاستيراد ويُمنع التمويل، يصبح الإنتاج المحلّي الصغير، والتعاونيات، والورش المجتمعية، جزءاً من مقاومة الحصار. وقد ظهرت مؤسّسات إنتاج ذات طابع اجتماعي، من مخابز ومعامل بسيطة ومشاريع زراعية، تعمل بملكية جماعية أو بإدارة مشتركة مع الدولة. لكن النجاح هنا مشروط بمحاربة البيروقراطية والفساد داخل المؤسسات، وبالتزام الشفافية داخل الكوميونات نفسها. لهذا طوّرت كثير من تلك الكيانات الشعبية لجانًا للرقابة الاجتماعية، وسجلات للإنفاق، واجتماعات دورية للمراجعة. والميزة هنا أن معايير الحكم تصبح ملموسة: عدد الأسر المخدومة، وتكلفة سلة السلع، وانتظام الخدمة، وحجم الإنتاج. وكلما تعمق هذا المنطق، تقل مساحة الشبكات الطفيلية التي تعيش على الأزمات.
وفي لحظات التصعيد والتهديد، ظهرت وظيفة الكوميونات في التعبئة للدفاع المجتمعي وحماية الاستقرار. فعندما اتّسعت الحرب الإعلامية وانتشرت الشائعات ودُفعت بعض المجموعات نحو الفوضى، أصبح وجود تنظيم محلّي يعرف الناس ويملك قنوات تواصل مباشرة عاملاً حاسمًا. والكوميونات تساعد على حماية المرافق والخدمات من التخريب، وعلى تنظيم المتطوعين لدعم المدارس والمراكز الصحية وتوزيع المواد في الظروف الصعبة. وفي بعض المناطق تُنسّق مع الدفاع المدني والسلطات المحلية لتأمين الأحياء، وتنظيم دوريات مجتمعية، وإبلاغ سريع عن أي خطر. إنها القاعدة الشعبية الأساسية للميليشيا الوطنية التي تضمّ اليوم 8 ملايين متطوّع متدرب على السلاح. وهي لا تحلّ محل الجيش ولا الأجهزة الرسمية، لكنها تمنع تفكيك المجتمع من الداخل وتمنح الدولة عمقًا اجتماعيًا وقاعديًا. وهذا بالضبط ما تخشاه واشنطن: أن تتحول الوطنية إلى شبكة عمل منضبطة بين الناس، وليس إلى موقف ظرفي يمكن كسره بحملة إعلامية أو ضغط مالي.
ويجب وضع العدوان الأمريكي الأخير في سياق أوسع من العقوبات والحصار البحري والعدوان العسكري، إلى محاولات خلق سلطات موازية وتدويل الأزمة وفرض عزلة سياسية. فالفكرة الأساسية كانت دائمًا نزع الشرعية عن الدولة البوليفارية وتقديم التدخل الخارجي كحل، حتى عندما يتناقض ذلك مع القانون الدولي ومع حق الشعوب في تقرير مصيرها. وفي هذا المسار يصبح المجتمع هو الهدف المباشر، لأن خنق الاقتصاد يضرب الحياة اليومية قبل أن يضرب المؤسسات. ولهذا شدّدت تقارير أممية على أن الإجراءات القسرية الأُحادية يمكن أن تؤثر على حقوق الناس الأساسية وعلى قدرة الدولة على توفير الخدمات. والكوميونات تردّ على ذلك بمنطق عملي: الحفاظ على الحد الأدنى من التنظيم والتوزيع والخدمة كي لا تتحول الضغوط إلى انهيار اجتماعي شامل، وكي يبقى القرار الوطني بيد الداخل لا بيد الخارج.
وقيمة الكوميونات لا تُقاس فقط بالسلع أو الخدمات، وإنما ببناء قيادات محلّية ومهارات إدارة جماعية وتوزيع جديد للمعرفة. إن المجتمع الذي عاش سنوات طويلة على الريع النفطي تعوّد أن يتعامل مع الدولة كمانح وحيد، ومع السياسة كمنافسة نخبوية، والكوميونات تفرض نموذجًا مختلفًا: تدريب الناس على إعداد خطط، وتحديد أولويات، وإدارة ميزانيات صغيرة، والتفاوض مع المؤسسات، وحل الخلافات داخل المجتمع وفق إجراءات معلنة. وفي هذا المسار لعبت النساء دورًا بارزًا في لجان الغذاء والصحة والتعليم، ما وسّع تمثيل الفئات التي كانت تُهمَّش تقليديًا. وهذه الخبرات تنتج طبقة من المنظمين الشعبيين القادرين على حماية المشروع البوليفاري حتى عندما تتغير الحكومات أو تتبدل التوازنات. ولهذا يركز الخطاب الأمريكي على تصوير الدولة كعاجزة، ويتجاهل عمدًا هذه البنية التي تعيد توزيع القدرة السياسية نحو القاعدة.
ومع ذلك، لا يجوز تحويل الكوميونات إلى حل آلي، ولا إلى بديل عن سياسات اقتصادية وطنية شاملة. فالأزمة في فنزويلا لها جذور في التبعية وفي بنية الاستيراد وفي تشوهات سوق العملة، ثم جاء الحصار ليُعمّق كل ذلك ويُضيّق خيارات الدولة. لكن الكوميونات تقدم مسارًا لتقليل الهشاشة: ربط الاستهلاك بخطط إنتاج، وتعزيز سلاسل توريد محلية، وتوجيه الموارد نحو الاحتياجات الأكثر إلحاحاً بقرارات شفافة. ولكي تنجح، يجب أن تُنسَّق المبادرات المحلّية مع التخطيط الوطني ومع المؤسسات العامة حتى لا تتكرر الجهود أو تتعارض. فعندما تُدعم هذه الجهود ببيانات دقيقة وبشراكات مع القطاع العام والجامعات، تتحول من إجراءات إسعافية إلى سياسة تنموية قابلة للقياس. والمطلوب هو توسيع المجال أمام المبادرة الشعبية، مع حماية قانونية وتمويل مسؤول، ومنع تحويل التجربة إلى قناة محاباة أو توزيع ريعي جديد.
والخلاصة أن الدفاع عن فنزويلا اليوم لا ينفصل عن الدفاع عن حق الشعوب في تنظيم نفسها خارج شروط الإمبريالية. والولايات المتحدة تراهن على الإنهاك وعلى تفكيك المجتمع من الداخل لأنها تعلم أن السيطرة المباشرة صارت مكلفة سياسيًا، فتستبدلها بحرب اقتصادية وحرب معلومات وابتزاز قضائي ودبلوماسي. وبالمقابل، تراهن الدولة البوليفارية على بناء قاعدة اجتماعية منظمة وعلى جعل المجتمع طرفًا فاعلاً في إدارة الأزمات، لا مجرّد جمهور ينتظر الحلول. وهذا لا يُلغي الحاجة إلى إصلاحات عميقة ومراجعات صارمة، لكنه يُحدّد الاتجاه الصحيح: توسيع الديمقراطية الشعبية باعتبارها سلاحًا ضد الحصار. ولتضامننا مع الشعب الفنزويلي هنا معنى واضح: رفض العقوبات والعدوان واختطاف الرئيس وزوجته، وفضح خطاب “الإنقاذ” الذي يغطّي التدخل، والدفاع عن حق فنزويلا في اختيار مسارها.
