الديمقراطية والحياة السياسية في فنزويلا

27/01/2026
WhatsApp Image 2026 01 27 at 15.01.17

تصميم وجدي مسلمي

دخلت فنزويلا نهاية القرن العشرين وهي تملك انتخابات منتظمة، لكن بتمثيل اجتماعي محدود. إذ تركزت السلطة في أحزاب ونخب اقتصادية عاشت على ريْع النفط وعلاقات وثيقة مع واشنطن. وكانت الدولة قادرة على الإنفاق حين ترتفع الأسعار، لكنها عاجزة عن إدماج الأغلبية في القرار أو بناء اقتصاد منتج يحمي المجتمع عند الأزمات. لذلك تراكمت قطيعة بين السياسة والناس، وظهرت انفجارات اجتماعية سبقت صعود هوجو تشافيز. وعندما فاز الأخير في انتخابات عام 1998 وتولّى الحكم في عام 1999، قدّم نفسه كمشروع يعيد وصل الدولة بالمجتمع، ويحوّل النفط من مورد تديره النخبة إلى أداة سيادة تخدم الفقراء والطبقة العاملة وتعيد تعريف معنى المشاركة. وكان خطابه مبنيـًا على استقلال القرار الخارجي، ورفض أن تكون فنزويلا مجرد مزوّد طاقة في سوق تتحكم به القوى الكبرى.

أولى معارك العهد الجديد كانت دستورية ومؤسساتية. فدستور 1999 وسّع معنى الحقوق من الحريات الفردية إلى الحقوق الاجتماعية، وربط شرعية الدولة بواجبها تجاه الصحة والتعليم والسكن والعمل. كما فتح المجال أمام أدوات مشاركة أوسع مثل الاستفتاءات، وآليات رقابة تسمح للمجتمع بمساءلة السلطة بدل الاكتفاء بالتصويت لها. وبهذا المعنى انتقلت السياسة من تفويض إلى شراكة بدرجات متفاوتة، وتحولت فكرة المواطن من فرد ينتظر الخدمة إلى طرف يطالب ويقترح وينظم. وقد مثَّل هذا التحول تغييرًا في ميزان القوة لأن فئات مهمشة تاريخيـًا بدأت ترى نفسها في نصوص القانون وفي أولويات الموازنة وفي خطاب الدولة اليومي. وهكذا صار تعريف الديمقراطية أقرب إلى مسار اجتماعي يوسع الحقوق ويثبت السيادة، وليس مجرد منافسة بين نخب. لذلك نشأ صدام مبكر مع قوى اعتادت احتكار المؤسسات والإعلام والمال.

بلغ الصدام نقطة حادة في أبريل 2002 مع محاولة الانقلاب على تشافيز. فما جرى كشف حدود ما يسمى بالديمقراطية النخبوية حين تواجه خيارـًا شعبيـًا لا يخضع لشروطها: تعطيل مؤسسات، ومحاولة محو الدستور، وتقديم سلطة أمر واقع بزعم إعادة الاستقرار. ولعبت قوى اقتصادية وإعلامية دورـًا في تبرير الإطاحة، وجرى تقديم الصراع كأنه تصحيح مسار، بينما كان في جوهره إلغاء لصوت الأغلبية. غير أن فشل الانقلاب وعودة تشافيز السريعة أظهرا أن الشرعية لم تعد قابلة للإلغاء بقرار من فوق، وأن قاعدة اجتماعية واسعة باتت تملك أدوات دفاع سياسي داخل الشارع ومؤسسات الدولة. كما برز عامل حاسم هو التزام جزء مهم من القوات المسلحة بالدستور، وهو ما قطع الطريق على نموذج الانقلابات المدعومة خارجيـًا الذي عانى منه الإقليم لعقود.

وبعد الانقلاب جاءت معركة النفط والاقتصاد. استخدم خصوم الحكومة تعطيل قطاع الطاقة كسلاح لإسقاطها عبر خنق الموارد وشل الحياة اليومية، في محاولة لتحويل الضيق المعيشي إلى تفويض لإزالة السلطة المنتخبة. وتمثَّل رد الدولة في استعادة السيطرة الإدارية والمالية على الصناعة النفطية وتوجيه جزء أكبر من العائدات إلى برامج اجتماعية واسعة. وهنا اتضح جوهر المشروع البوليفاري: الديمقراطية ليست صندوقـًا فقط، وإنما قدرة المجتمع على التحكم في موارده الأساسية وعلى تحويل الثروة العامة إلى خدمات ملموسة في الإسكان والمدارس والمستشفيات. وهذا الخيار عزز استقلال السياسة الخارجية، لأنه قلّل اعتماد الدولة على الوسيط الأمريكي، وفتح المجال لشراكات تقوم على المصلحة المتبادلة لا على التبعية. ومن هنا صار الصراع حول النفط صراعـًا حول من يقرر مصير الدولة.

وبين عامي 2003 و2012 تكررت الاستحقاقات الانتخابية والاستفتاءات، وبقيت الشرعية تُبنى عبر التصويت، لكن لم تختزل السياسة فيه. وتوسعت شبكات التنظيم الشعبي في الأحياء والقرى، وارتبطت الدولة ببرامج إدماج وخدمات أعادت توزيع جزء من القوة الاجتماعية، بحيث لم يعد الفقير مجرد متلقٍ للمساعدة بل طرفـًا يرى نفسه صاحب حق. وظهرت أشكال عمل محلي تعتمد على لجان ومجالس مجتمعية، تراقب التنفيذ وتقترح أولويات، حتى لو اختلفت درجات فاعليتها من منطقة إلى أخرى. وبالمقابل، ظلت المعارضة التقليدية تتأرجح بين المشاركة والمقاطعة، وتنامى داخلها تيار يعتبر إسقاط الحكومة هدفـًا يبرر تعطيل الاقتصاد أو تأزيم الشارع أو الاستقواء بالخارج. وهذا المسار عمّق الاستقطاب، لكنه كشف أيضـًا أن النزاع الحقيقي يدور حول من يحدد أولويات الدولة: السوق والنخبة أم الأغلبية والتنمية الاجتماعية.

وخارجيـًا، تعاملت واشنطن مع التجربة البوليفارية باعتبارها خطرـًا لأنها كسرت قاعدة أساسية في محيطها: بقاء السياسة ضمن حدود لا تمس الهيمنة الاقتصادية والجيوسياسية الأمريكية. لذلك تداخلت أدوات الضغط الناعم والخشن: دعم شبكات إعلامية ومنظمات سياسية، وتضخيم أي أزمة داخلية وتحويلها إلى ملف دولي، واستخدام خطاب “الديمقراطية المهدَّدة” لتبرير تدخل دائم. وهذا ينسجم مع تقليد أمريكي قديم في النظر إلى أمريكا اللاتينية كمجال نفوذ و”حديقة خلفية”، وليس كفضاء دول ذات سيادة. ولم يكن جوهر الاستراتيجية توسيع المشاركة الشعبية، وإنما ضبطها داخل نموذج يسمح بتداول أسماء داخل إطار نفس السياسات التابعة. وحين ترفض دولة هذا السقف تُعامَل كتهديد للنظام الذي تريد واشنطن تعميمه، ويُطلب منها إما الاستسلام أو دفع ثمن اقتصادي وسياسي طويل بلا نهاية واضحة في الإعلام والمال والسياسة الدولية.

وبعد وفاة تشافيز في عام 2013 دخلت البلاد مرحلة أشد تعقيدـًا. حافظ انتخاب نيكولاس مادورو على الاستمرارية عبر صندوق الاقتراع، لكنه ورث اقتصادًا هشـًا أمام صدمات أسعار النفط وحربـًا متعددة الأدوات تستهدف الثقة والتمويل والتجارة. وفي هذه المرحلة تصاعد الصراع على العملة وسلاسل الإمداد، وتحوّل الاقتصاد إلى ساحة سياسية مباشرة. ورغم ذلك لم تنهَر الدولة ولم تتفكك المؤسسات، وإنما استمرت الخدمات الأساسية بحدود ما تسمح به الموارد المتاحة، وبقي الجيش جزءـًا من معادلة الاستقرار الدستوري. وفتحت الحكومة مسارات حوار متكررة، بينما انتقلت قطاعات من المعارضة إلى استراتيجية صدامية تقوم على الشارع والضغط الدولي بدل المنافسة البرامجية. ومع كل أزمة كانت الحكومة تواجه امتحانـًا مزدوجـًا: إدارة المعيشة وحماية السيادة في آن واحد.

وابتداءً من عام 2017 توسعت العقوبات الأمريكية لتطال قطاعات حيوية، مع تشديد القيود المالية ثم الضغط على صادرات النفط، ما ضيّق قدرة الدولة على الاستيراد والتمويل ودفع المجتمع إلى كلفة معيشية قاسية. وقد مثَّلَت العقوبات قرار بمعاقبة الناس لدفعهم إلى تغيير خيارهم السياسي، ثم جرى استخدام آثار العقاب كدليل على فشل الحكومة. وفي هذا السياق يصبح الحديث الغربي عن حقوق الإنسان انتقائيـًا، لأنه يتجاهل أن تجفيف الموارد ومنع التعاملات المصرفية ينعكس مباشرة على الدواء والغذاء والكهرباء والنقل. كما فتحت العقوبات بابـًا واسعـًا للمضاربات والتهريب وارتفاع تكلفة أي استيراد، فاضطرت الدولة إلى إجراءات طوارئ لحماية الأجور والدعم ولو بحدود. والأهم أن العقوبات تعيد تعريف الديمقراطية بمعيار خارجي: من يطيع يُكافأ، ومن يرفض لا سبيل له إلا أن يُحاصر.

وكانت انتخابات عام 2015 التي منحت المعارضة أغلبية برلمانية دليلـًا على أن النظام الانتخابي قادر على إنتاج نتائج ضد الحكومة. لكن بدل تحويل البرلمان إلى أداة تشريع لحلول اقتصادية، قاد جزء من المعارضة مسارًا يقوم على اختصار الزمن السياسي عبر إسقاط سريع، وفتح الباب أمام صدامات مؤسساتية وطلب تدخل خارجي. وهذا السلوك رسّخ حقيقة بسيطة: المشكلة ليست غياب صندوق أو تعددية، وإنما قبول قواعد اللعبة عندما لا تضمن عودة الامتيازات القديمة. ولا يعني التداول، في التجربة البوليفارية في فنزويلا، تسليم الدولة لقوى مرتبطة بالخارج لتعيد الخصخصة وتفكك البرامج الاجتماعية. لذلك أصبح الصراع حول البرلمان صراعـًا على وظيفة الدولة نفسها: خدمة الأغلبية أم خدمة رأس المال. ومن هنا ظهرت أزمة ثقة عميقة بين القاعدة الشعبية وتلك القيادات.

وفي عام 2019 ظهر نموذج السلطة الموازية عبر إعلان خوان غوايدو نفسه رئيسـًا مؤقتـًا بدعم أمريكي وأوروبي. وهذه ليست أبدـًا تجربة “ديمقراطية” بل وصاية صريحة: شرعية تُمنح بقرار خارجي، ومحاولة التحكم بأموال الدولة المجمَّدة، وتقديم حديث عن انتقال بلا تفويض شعبي ولا برنامج اجتماعي واضح. وكان جوهر المشروع إعادة هندسة الدولة لتناسب شروط واشنطن وأسواقها، لا لتناسب حاجات المجتمع. وخلال تلك الفترة تركزت السياسة في الاعترافات الدولية بدل البرامج، وكثرت الوعود التي لم تتحول إلى مؤسسات داخلية. وتراجع هذا المسار لاحقـًا أكَّد أن فرض قيادة من الخارج لا يصنع قبولـًا اجتماعيـًا، وأنّ المجتمع الفنزويلي حساس لمسألة السيادة حتى في لحظات الضيق. كما كشف أن الخطاب الغربي عن المؤسسات لا يمنعه من تجاهلها عندما تعيق أهدافه.

وبين عامي 2020 و2022 حاولت الحكومة تثبيت حد أدنى من الاستقرار عبر إعادة ترتيب التجارة، وتشجيع الإنتاج المحلي، وبناء قنوات دفع وتوريد بديلة تقلل أثر الحصار. ويمكن مناقشة تفاصيل هذه السياسات، لكن لا يجوز تجاهل أن الدولة كانت تعمل تحت تجريم دولي يمنع المصارف والشركات من التعامل الطبيعي معها، ويعاقب حتى المبادرات الإنسانية عندما تمرّ عبر النظام المالي الغربي. وفي مثل هذه الظروف يصبح الإصلاح مسألة سيادية أيضـًا: أي خطوة مالية قد تُقابل بعقوبات جديدة أو بحملات تشويه تُصوّر التكيّف كجريمة. لذلك اتجهت فنزويلا إلى تنويع الشركاء، وإعادة تشغيل قطاعات داخلية، ومحاولة حماية الحد الأدنى من الخدمات، مع الإقرار بأن النتائج كانت متفاوتة. والأهم أنها منعت الانهيار الكامل رغم الرهان الخارجي على الفوضى.

وقد برز مسار التفاوض مع المعارضة في عام 2023 على وجه الخصوص، ومنها تفاهمات “باربادوس”، وأظهر ذلك أن واشنطن تتعامل مع العقوبات كرافعة ابتزاز. فحين ظهرت ترتيبات سياسية، صدرت تراخيص مؤقتة تسمح بجزء من النشاط النفطي، ثم عاد التهديد بإلغائها عندما تغيرت الحسابات الأمريكية. وهذا السلوك يثبت أن معيارهم ليس نزاهة انتخابية بحد ذاتها، وإنما نتائج مقبولة لهم اقتصاديـًا وسياسيـًا. فالعقوبات تُخفف عندما يحتاجون نفطـًا أو هدوءـًا، وتُشدد عندما يريدون رفع سقف الضغط قبل استحقاق داخلي. لذلك يصبح خطاب الدعم للديمقراطية مجرد غطاء لإدارة موارد بلد آخر والتحكم في ترتيبه السياسي الداخلي. وبالمقابل، أثبت إصرار الحكومة على الحوار من موقع سيادي أنها تبحث عن تسويات داخلية بلا تنازل عن الاستقلال وعن حقها في توجيه النفط للتنمية.

وفي عام 2024 عادت الانتخابات الرئاسية لتكون ساحة مكثفة للصراع بين منطق السيادة ومنطق الوصاية. فقد صدرت مواقف غربية تشكك مسبقـًا وتطالب بإجراءات مقبولة دوليـًا وفق تعريفها، بينما ظل موقف كاراكاس أن الشرعية مصدرها المؤسسات الوطنية وصندوق الاقتراع ضمن إطار الدستور. ولا يمكن فصل الجدل حول النتائج عن سياق العقوبات وتمويل خصوم الحكومة ومحاولات خنق الاقتصاد قبيل الاستحقاق، ولا عن ربط واشنطن التراخيص النفطية بمسار السياسة الداخلية. ففي بلد يتعرض لعقاب اقتصادي من قوة عظمى، تصبح الانتخابات جزءـًا من معركة الاستقلال، لأن الطرف الخارجي يريد تحويلها إلى أداة لإعادة تشكيل الدولة من الداخل. ومن وجهة نظر بوليفارية، أي تقييم سياسي يبدأ برفع العقوبات ووقف التمويل الخارجي، ثم ترك المجتمع يتنافس على برامج داخلية دون تهديد اقتصادي.

ومنذ عام 2025 وحتى مطلع العام الجاري استمرت الحياة السياسية تحت الاستقطاب، لكن الدولة لم تتحول إلى فراغ كما توقّعت الدعاية الغربية. وتواصلت الاستحقاقات المحلية والتنظيمية، واستمرت مبادرات الحكم الشعبي والبرامج المجتمعية كجزء من هندسة السلطة. إن ما يميز التجربة البوليفارية هو أنها ترى السياسة صراعـًا اجتماعيـًا طويلـًا بين مشروع يربط الدولة بحماية الفئات الأضعف وبالاستقلال، ومشروع يريد إعادة دمج فنزويلا في نظام تابع ولو على حساب المجتمع. وخلاصة المسار منذ تشافيز أن فنزويلا وسّعت الديمقراطية حين جعلت الفقراء طرفـًا في القرار، ثم دافعت عنها عندما حاولت الإمبريالية الأمريكية فرض حصار وقيادة بديلة. ورغم ما قد نراه من نواقص في التجربة البوليفارية – وهي بطبيعة الحال لا تخلو منها – إلا أن دعمنا للحكومة البوليفارية في الظرف الحالي – أي التصعيد الأمريكي في الكاريبي والعدوان العسكري على البلاد واختطاف الرئيس وزوجته والضغط الاقتصادي في ملف النفط ومحاولة إدارته بالقوة – يمثِّل دفاعـًا عن حق شعب في السيادة والتنمية، وعن مبدأ بسيط: لا ديمقراطية بلا استقلال، ولا استقلال مع عقوبات وتدخل خارجي.

مقالات ذات صلة

  • ثورة من القاعدة: كوميونات فنزويلا والمقاومة الشعبية

    تجربة الكوميونات في فنزويلا هي أحد مفاتيح فهم قدرة المجتمع على الصمود حين تُستهدف الدولة بحصار اقتصادي وعدوان سياسي وإعلامي.…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 02 02 at 11.40.40
  • دولة الرفاه التشافيزية تحت الحصار: الاقتصاد في فنزويلا

    لم يكن الاقتصاد الفنزويلي منذ عام 1999 ملفًّا منفصلاً عن السياسة، وإنما صراعًا على من يقرّر مصير الريع النفطي: المجتمع…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 01 30 at 14.33.16
  • الجبهة الإعلامية في الحرب الأمريكية على فنزويلا

    منذ انطلاق الثورة البوليفارية لم تكن المواجهة مع واشنطن على النفط وحده كما يتجلّى اليوم، وإنما على حق دولة في…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 01 12 at 19.55.13
  •                  النظام العالمي الجديد و عقيدة دونرو             

    افتتح رئيس الامبريالية الأمريكية السنة الجديدة بعمليّة عَنجُهية خاطفة ضدّ دولة فنزويلا من خلال اختطاف هوليوديّ للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو…

    افتتاحيّة

    WhatsApp Image 2026 01 07 at 17.49.20