من تونس إلى غزّة : معركة واحدة وإن اختلفت العناوين

01/12/2025
WhatsApp Image 2025 11 30 at 20.00.42



لم يؤدّ الإفراج عن المحامية والمعلّقة سنية الدهماني، وبعض المتهمين في قضايا مساعدة المهاجرين من أفارقة جنوب الصحراء، الى انفراجة سياسية كما توقع البعض. بل يبدو أنّه كان بمثابة قنبلة دخانية للتغطية على الأحكام الثقيلة التي قرّرتها السلطة فيما يُعرف بـ”قضية التآمر”. وهو ما يشي بأنّ الوضع السياسي في تونس مرشّح لمزيد من التأزّم في وقتٍ يُفترض أن يفكّر فيه الممسكون بالسلطة، وكذلك من في المعارضة، بطرق مختلفة تأخذ بعين الاعتبار ما يجري في الإقليم ويتجاوز حدود تونس.

فمخطئ من يعتقد أنّ ما يجري في تونس منفصل عمّا يجري في بقية أرجاء الوطن العربي، من غزة للبنان لليمن والسودان وصولا الى المغرب والصحراء الغربية والخ.

قد يتفاجأ البعض لوهلة بهذا الكلام.. ويجادل بأنّه لا من سجنهم قيس سعيّد معروفون بعدائهم الشديد للامبريالية والصهيونية (رغم أنّ فيهم من هو كذلك مثل المناضل عصام الشابي على سبيل الذكر لا الحصر) ولا أنّ قيس سعيّد عميلٌ للصهيونية والاستعمار.

العبرة ليست بالأسماء والمواقف المباشرة، بل بالسياق العام والأهداف النهائية لما يجري وتداعياته.

بتقديرنا، الهدف الاستراتيجي لحملات الاعتقال والسجن هو تصحير المشهد السياسي المعارض وفرض حالة من الشلل والخوف لدى جزء من الشعب (خاصة ممن يملكون درجة معقولة من الوعي السياسي)، فيما تُقدَّم لجزء آخر منه وجبات دسمة متتالية من التضليل ومن بثّ مشاعر الانتقام والشماتة في “الطبقة السياسية المتسبّبة في عشرية الخراب”، كما روّجت لها أبواق السلطة (وأبواق الاعلام الخليجي المتصهين) طيلة السنوات الماضية.

تصحير المعارضة وتجريف الحياة السياسية والقضاء على كلّ مكتسبات “الانتقال الديمقراطي” من حرّيات عامة (رغم كل ما يمكن أن يقال عنه من زيف ليبرالي واختراق امبريالي) لن يؤدي كما يتوهم بعض الشامتين اليوم الى “استعادة روح ثورة 17 ديسمبر” ولا الى “تطهير البلاد”، وقطعا لن يفضي الى حلّ المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسيادية المتراكمة…

بل سيؤدي فقط الى مفاقمة الأوضاع حتى تتعفن وتنفجر في شكل هبّة اجتماعية لن تجد قوى سياسية قادرة على تأطيرها وتحويلها الى بديل يمكن أن يمسك بالسلطة، أو على الأقل يخلق نوعا من التوازن الذي يسمح بتوافقات وهامش “ديمقراطي” ليبرالي كما حصل بعد 14 جانفي 2011.

سينتهي هذا السيناريو الأرجح الى اطاحة النظام (أو الدولة العميقة) عبر انقلاب بالسلطة الحالية (وتحديدا برأسها وبعض رموزها)… مع وعود كاذبة من جديد بـ” اصلاح الأوضاع” و” محاربة الفساد” و”محاسبة المسؤولين” واسترجاع ” هيبة الدولة” و” ثقة الاستثمار الأجنبي” و ” اشعاع تونس الدولي” والخ من نفس الخطاب النيوليبرالي المرسكَل المرضي عنه من المنظومة الراسمالية المعولمة ومؤسساتها ودولها الامبريالية…

لكن ما يميّز هذه اللحظة، أنها تأتي في سياق أسوأ بكثير من لحظة 14 جانفي… سياق يغيب فيه رهان “الشقّ الناعم” من الامبريالية (بقيادة الحزب الديمقراطي الأمريكي) على احتواء الانتفاضات الشعبية بديمقراطيات ليبرالية خاضعة لشروط الاستعمار الرأسمالي العالمي.

بل نحن اليوم في مرحلة اندفاع “الشق الغاشم” من الامبريالية (بقيادة ترامب والحزب الجمهوري) الذي لا يبالي أصلا بالشكليّات الديمقراطية.. إذ يحبّذ بوضوح التعامل مع مستَبدّين صريحين – ولو كانوا دموييّن – طالما يخضعون لاملاءاته… ولا يتردّد في شنّ حروب ضد القوى التي قد تتمرّد أو حتى تمانع.. مثلما حصل في غزة ولبنان وايران واليمن وسوريا.. وبصدد الحصول في فنزويلا… طالما أنّ هذه القوى غير قادرة على مجاراة التفوق العسكري الأمريكي والغربي (أو على الأقل الصمود في وجهه كما فعلت روسيا)… وما يبرّر ذلك هو ما يرونه من تهديد استراتيجي صيني للهيمنة الامبريالية الغربية التي ترسّخت منذ ثلاث عقود ونيف… وهو ما يستوجب اخضاع كل الساحات المتمرّدة أو المتردّدة (ومن أهمّها الساحة العربية).. قطعا لكلّ امكانات تعزيز الصين لتحالفاتها وشراكاتها…

وما يزيد في الطين بلّة، تغيّر المشهد الجيوسياسي في منطقتنا بعد التداعيات القاسية لحرب السنتيْن من الابادة الجماعية في غزّة، وما انتهت اليه من اضعاف بالغ لمحور المقاومة، ومن تقدُّم وتوسّعٍ لنفوذ العدو الصهيوني وحلفائه الاقليميين (تحديدا أنظمة الامارات والسعودية والمغرب)…

باختصار، هذه القوى الاقليمية المرتبطة بالعدو الأمريكي الصهيوني تسعى بكل قوة، عبر أبواقها وشبكاتها الاقتصادية والأمنية والسياسية المحلية، الى مزيد تعفين الأوضاع في تونس.. بهدف الشطب النهائي لـ”حالة الاستثناء الديمقراطي”، التي زعزعت طمأنينة هذه الأنظمة وخلقت موجة من الأمل على امتداد الوطن العربي في بدايتها، وبغاية اعادتنا الى حظيرة الأنظمة العميلة الصاغرة المستعدة للانضمام الى مسار التطبيع الابراهيمي…

طبعا لا يعني هذا الكلام (وهو تحليلٌ مبنيّ على مؤشرات واستنتاجات لا على أدلة قطعية) تبرئة قيس سعيد وسلطته ممّا يجري وتعليقه على شمّاعة “التآمر الخارجي”.. فسعيّد هو المسؤول الأوّل سياسيا عن كلّ ما يجري، وخاصّة عن تضييع فرصة تاريخية لبلادنا لبناء دولة اجتماعية وذات سيادة بحقّ. بل هي فقط محاولة لتوسعة زاوية النظر ودعوةٌ الى أخذ معطيات المشهد الاقليمي والدولي بعين الاعتبار عند صياغة المواقف والتكتيكات النضالية القُطريّة.

مقالات ذات صلة

  • هنشير جمنة: في انتظار قرار المحكمة، الطاهري يحذّر من أنّ القضاء على التجربة “قد يهدّد السلم الاجتماعي”

    يصدر الحُكمُ في القضيّةِ الاستعجاليّةِ المرفوعةِ من قِبَلِ وزارةِ أملاكِ الدولةِ بحقِّ جمعيّةِ حمايةِ واحاتِ جمنة، يومَ 28 جانفي الجاري.…

    الأخبار

    الطاهر الطاهري
  • من تونس، مع أحرار العالم: أسطول الصمود يستعدّ للابحار.. الى غزّة

    يستعدّ أسطول الصمود المغاربي للانطلاق من تونس يوم الأحد 7سبتمبر، ضمن فعاليات أسطول الصمود العالمي من أجل كسر الحصار على…

    الأخبار

    من موقع الجزيرة نت
  • عن الكتابة والأسر وفلسطين

    "يولد الفرح من عمق الألم، وتصدح الكلمات من عمق الصمت"سحر فرنسيس مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسانللكتابة من داخل السجون…

    بلا حياد

    الحركة الاسيرة
  • كان عليّ أن أموت صغيرًا

    بهاء هو شابّ غزّاوي، يُصارع الاحتلال والاكتئاب الحاد. يُمكن له أن يكتب قصّته بشكل أفضل بكثير ممّا أفعل. له من…

    بلا حياد

    مقال اياد