في تاريخ ثروة بريطانيا 3: من صعود الرأسمالية الاحتكارية إلى نهاية التجارة الحرة

13/10/2025
Whatsapp image 2025 10 13 at 18.16.42

صورة بالذكاء الاصطناعي

مهما كانت أهمية الثورة الصناعية في علاقة بنسيج القطن، لم تكن آثارها بحجم ما ترتب عن تطور سكك الحديد والقطارات. انطلق بناء شبكة السكك الحديدية البريطانية على نطاق واسع في ثلاثينات القرن 19. كانت شركات سكك الحديد ببساطة أكبر المشاريع الاقتصادية التي رأتها بريطانيا في تاريخها السابق لهذه الفترة. يمكن إسناد ربع ارتفاع الدخل الوطني البريطاني بين 1840-65 إلى تطور سكك الحديد. كما نشّط القطاع وساهم في تطور صناعة الحديد والآلات وطبعا القطارات وأيضا التيليغراف. في مؤخر الأربعينات كان يحصّل أكثر من ربع تشكيل رأس المال المحلي الخام. بحلول سنة 1863 صارت أسهم شركات سكك الحديد أكبر أشكال الأدوات المتبادلة في بورصة لندن ممثلة 26٪ من القيمة الشكلية أو الافتراضية (Nominal) للسندات المتبادلة. أصبح هذا العدد 49٪ سنة 1893. هذا أن القطاع خلق الكثير من المضاربة والفقاعات المالية. بهذه الطريقة وصل المداول المالي جورج هودسون، شهر ملك سكك الحديد، إلى التحكم في نصف الشبكة تقريبا وسط أربعينات القرن. ذلك قبل فضيحة مالية أدّت إلى سقوطه سنة 1849. واصل بعد ذلك ورغمه التواجد كنائب عن حزب التوريين في البرلمان طيلة عشر سنوات [فيل] [إيفانس].

يعود حجم هذه الشركات إلى التكلفة الكبرى لدخول هذا السوق، فكان منذ البداية العديد من كبار المستثمرين في القطاع رجال أعمال ستستفيد مشاريعهم الصناعية مباشر من سكة الحديد التي سيستثمرون في بنائها. منذ السنوات 1840 بدأت الاندماجات في تشكيل شركات أكبر فأكبر بمنافسين أقل فأقل. زاد ذلك في ارتفاع الحواجز لدخول السوق. كما ذهب البعض حتى لاقتناء شركات القنوات المنافسة (على نفس الطريق). سنة 1840 منعت الحكومة، لأسباب تقنية متعلقة بالسلامة، شركات القطارات من الاشتغال على سكك لا تملكها، مما شجع على مزيد الاندماج العمودي. في نفس الفترة تشكّلت “مصلحة سكك حديد” في البرلمان للدفاع على تمرير قوانين لصالح القطاع أمام معارضة الملاك العقاريين القلقين من انخفاض سعر الأراضي وشركات طرقات عربات الأحصنة التي صار زمنها على وشك الانتهاء. في الخمسينات كان لما لا يقل عن 100 نائب في البرلمان مصالح مالية مهمة في سكك الحديد. متخوفة من الخسائر الفادحة التي قد تنجر عن تنافس شركات عملاقة، ضغطت اللوبيات المالية التي استثمرت في أسهم القطاع على حكومة ڨلادستون للتدخل وتنظيم القطاع بما في ذلك الأسعار. حمل القانون إمكانية تأميم القطاع بعد 21 سنة. يبدو حسب بعض الاقتصاديين أن ذلك شجع شركات القطاع على الاكتفاء بنسب ربح أقل من 10٪ مثلا عبر الاستثمار في خطوط ثانوية محدودة الربحية. كان لهذا التدخل الحكومي “تأثير مؤسس في تحوّل السياسة الصناعية البريطانية بعيدا عن السوق الحر الذي تعتبره [إيديولوجية] دعه-يعمل مثاليا نحو شكل من التدخليّة المصممة للحد من التركز المفرط للسلطة الاقتصادية”. من المهم ملاحظة أن هذا التدخل لم يكن في اتجاه التنافس بل في اتجاه التنظيم الحكومي وإمكانية التأميم.

بغض النظر على الحجم الهائل من الاستثمارات التي استدعاها وتلقاها هذا القطاع، إن أهميته مرتبطة أساسا بتأثيره التاريخي على بقية القطاعات: يمكن القول أنه غيّر تماما الوجه الاقتصادي لبريطانيا وربما كان منعرجا في تاريخ الرأسمالية في كل العالم: “يدعّم نقل أسرع وأرخص وأكثر شمولا اندماج السوق. يساعد على توسيع الأسواق وكسر الاحتكارات المحلية وتضييقات أخرى على التنافس وانحدار الكفاف وفتح مناطق جديدة للإنتاج وتحسين تدفقات المعلومات التي يعتمد عليها المنتجون والأسواق. يمكنه أيضا أن يركّز الأسواق بضمان تزويد الغذاء اللازم والتوسع السكني المرتبط بالتمدين […] يمكن رؤية اندماج الأسواق الوطنية عبر سكك الحديد في انحدار فوارق الأسعار بين المناطق المنتجة والمستهلكة ما مكّن من أكثر تخصص في الإنتاج. من بينها تركز لشركات الجعة في بورتون وألووا وڨلاسڨو والصناعات الغذائية في ريدينڨ والحلويات في برمنغهام […] كان بإمكان مثل هذه الشركات أن تتموقع في مواقعها المفضلة وتستعمل نظام السكك للتوزيع على سوق وطني […] تطورت شبكات النقل في بريطانيا خلال فترة طويلة، بتكاليفها الطرفية [تكاليف الشحن والانطلاق بالأساس] الأعلى لكن بتكاليف أدنى على الميل [وحدة قيس المسافة البريطانية] ساعدت سكك الحديد في خلق أسواق وطنية وشركات وطنية” [فيل].

كانت إذن في الحقيقة عديد الأسواق قبل، تطور وسائل النقل والاتصال الذي فتحه كل من القطار والتيليغراف، محلية وجهوية. بذلك فإن العدد الأكبر للوحدات الاقتصادية على مستوى وطني يعطي فكرة مغلوطة على مستويات التنافس فهذه الشركات ليست في أغلب الحالات متنافسة فانتماؤها لنفس البلاد لا يعني وجودها في نفس السوق. بتطور القطارات وبذلك الانخفاض السريع لتكلفة نقل البضائع، صارت شركات كبيرة أكثر إنتاجية قادرة على منافسة محلات صغيرة أقل إنتاجية في عقر دارها أي في محليتها أو جهتها. بالتالي فإن عصر التنافس على أوسع مستوى انطلق فعلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على عكس ما تفترضه بعض الأفكار المسبقة (بما في ذلك الماركسية).

إن هذا التنافس على مستوى وطني (ثم عالمي)، بالإضافة إلى تطور القدرات الإنتاجية بفضل الطاقة البخارية والحرارية ثم الكهربائية وبفضل الآلات الصناعية خصوصا على أساس المحرك الكهربائي، هو الذي أدى إلى تطور شركات كبيرة وإفلاس الصغيرة. بعد مدة من هذه السيرورة التنافسية لا تتبقى في كل سوق وطني إلا بعض الشركات الكبيرة الأكثر إنتاجية. تتشكل بذلك اللبنات الأولى للبنية الاحتكارية للأسواق مثلما نعرفها اليوم. يظهر التركز غالبا في أيامنا هذه [مطلع القرن 20] منذ بداية قطاع جديد عندما تكون القوة الإنتاجية لوحدة مربحة اقتصاديا كبيرة بالشكل الذي يجعل وحدات قليلة كافية وحدها للاستجابة لكل الطلب. لكنها أكثر عادة نتيجة سيرورة طويلة يتغلب فيها الأكثر نجاعة تقنيا، بعد تنافس شديد، على الأقل إنتاجية ويتحصل على أسواقهم [ليفي].

“شهدت السنوات 1840 الانتقال من المرحلة ‘البطولية’ الأولى من المبادرة الصناعية إلى المرحلة الاندماجية، الثانية. في المرحلة الأولى هيمن إنتاج النسيج على كلا التجديد التكنولوجي والأسواق الخارجية. في المرحلة الثانية يمكن ملاحظة نمو صناعي متوازن أكثر. اتسعت القاعدة الصناعية بتحدي المعادن والفحم لأفضلية النسيج؛ تقدمت الشركات محدودة المسؤولية والشركات بالأسهم خطوات مهمة؛ ظهرت الأطياف المبشرة بالتركز الصناعي البلوتوقراطي [البلوتوقراطية هي حرفيا حكم المال]؛ جعلت الاستثمارات الأثقل التي تتطلبها، مراكمة ثروات صناعية كبيرة من بدايات متواضعة أصعب” [إيفانس].

يمكن مشاهدة ذلك بشكل ملموس في معطيات مختلفة. خلال أوائل السنوات 1840 وحسب أحد رجال الأعمال المشتغلين في الميدان، أفلست تقريبا نصف المشاريع المشتغلة في طباعة القطن في مدينة بورنلي. في رايدين الغربية لم يبق إلا 127 من أصل 318 مشروع أي 40٪ على ملكية نفس الشخص أو الشركة خلال فترة 1836-46 حسب شهادة مراقب مصانع في المنطقة [إيفانس].

“تبين إحصائيات الرخص الممنوحة1 أنه في 1801 كان هناك 413 معمل ورق”. سنة 1831 صار العدد 527 ثم بدأ في التراجع. في 1841-45 أصبح 497 (معدل) ثم 362 في 1876-80 وبعد ذلك 290 سنة 1901. “إرتفع إنتاج الورق من 43350 طن في 1841 إلى 773550 طن في 1903 لكن عدد المصانع سقط من 500 تقريبا إلى 282. تحسين متواصل للآلات وعدم قدرة بعض المعامل القديمة على الولوج للأسواق ومنافسة متزايدة القوة من المصانع الأكثر نجاعة […] هي أسباب هذا التركز”.

نفس المسار التاريخي يمكن مشاهدته أيضا في قطاعات أخرى بأكثر بطء أحيانا وبأكثر سرعة في أحيان أخرى. “ظهرت النزعة إلى التركز في إنتاج الحديد الخام متأخرة بكثير. من 1796 إلى 1880 ارتفع عدد الأفران الموجودة، بثبات من 124 إلى 926 […] لكن بعد 1880 ورغم أن الإنتاج ارتفع، سقط عدد الأفران [… إلى] 514 في 1907. ربما حتى أكثر أهمية، هو انخفاض عدد الأفران المشتغلة”. مر الأخير من 629 في 1865 إلى 369 في 1907 بينما ارتفع الإنتاج في نفس الفترة من ست ملايين طن تقريبا إلى عشر ملايين. يعود هذا التطور إلى تغييرات تكنولوجية في بناء الأفران. من المهم طبعا الانتباه لكون ارتفاع أو انخفاض عدد الأفران لا يعطي مباشرة منحى تطور ملكيتها. رغم غياب إحصائيات دقيقة على مستوى وطني تشير كل الإحصائيات الجهوية إلى نفس الاتجاه. صاحب انخفاض عدد الأفران انخفاض في عدد الشركات التي تملكها وارتفاع حصة كل منها من عدد الأفران. في مقاطعة يوركشاير الأكثر إنتاجية للحديد الخام، أنتجت 18 شركة، مجمل ملكيتها 92 فرنا، تملك منها أكبر شركة 21، 1747000 طنا في 1885. سنة 1907 لم يعد هناك إلا 13 شركة صارت تنتج 2537000 طن أما عدد الأفران فتقلص إلى 77 تملك منها أكبر شركة 25. نفس التطور حصل في عدة مقاطعات أخرى.

كُلّلت هذه السيرورة إذن كما نعرف بتشكل البنية الاحتكارية للرأسمالية. يتمظهر ذلك في عديد الأنشطة والقطاعات التي بلغت صيغتها الاحتكارية الناضجة بين سبعينات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.

تشكل سنة 1900 كرتال صناعيي إسمنت بورتلاند المجتمعون. سنة 1899 كانت 31 شركة تتحكم في 89٪ من الإنتاج (من بينها واحدة تتحكم وحدها في 10٪). ضم التجمع 27 من الواحد والثلاثين شركة وقام بمفاهمات كرتال مع الأربع شركات الباقية. “يعود التركز بلا شك إلى الظروف السيئة للسوق في التسعينات. تحسينات في الآلات منذ 1872 […] جعلت رأس مال معتبر ضروريا لتأسيس مشاريع وبذلك أعاق صعودها”.

منذ نهاية القرن 19 كانت سوق الفولاذ البريطانية مقسمة بين احتكارات جهوية: شمال انجلترا واسكتلندا وشمال إيرلندا. على سبيل المثال تشكلت جمعية صناع الحديد الإسكتلنديين منذ 1886 باتحاد أكبر أربع شركات في البلاد، قامت الجمعية عمليا بإلغاء أي تنافس محلي لاحتكار السوق الجهوية. سنة 1900 أصبح الحال نفسه في بقية المقاطعات المنتجة للفولاذ مما عبّد الطريق أمام التقسيم الاحتكاري للسوق البريطاني بين مختلف الاحتكارات الجهوية بحلول سنة 1903. خرج بذلك كل تكتل جهوي من السوق المخصصة لغيره وامتنع عن طرح أسعار أبخس متى التجأ إليه مستهلكون من جهات أجنبية بسبب الأسعار الاحتكارية التي يفرضها منتجو الفولاذ بجهتهم. مع انخفاض الأسعار بداية من شتاء 1907 اتفق كرتال الفولاذ البريطاني على تقليص الإنتاج للحد من سقوطها، فقام بغلق عديد المعامل مع تعويض أصحابها من الشركات المشتغلة.

من الفولاذ عودة إلى قطاع المشروبات الروحية العتيد! تشكلت سنة 1877 شركة المقطرين المتخصصة أساسا في تقطير الويسكي بانصهار سبع شركات أسكتلندية في إيدنبورغ. لم يبق بعد ذلك إلا التفاهم مع ثمان مقطرين كبار للتحكم في كل السوق البريطاني لصناعة المشروبات الروحية. سنة 1907 انصهرت سبع من الثمان شركات المتبقية في شركة كبيرة. قامت إثر ذلك مباشرة بالتفاهم مع الشركة الثامنة. تشكل بذلك كرتال على امتداد مملكة بريطانيا نظم الأسعار والإنتاج، بإسناد حصص إنتاج متناسبة مع أسهم كل شركة في المجمّع. ردا على هذا الكرتال تكتل التجار المتزودون من هذه المصانع هم الآخرون في كرتال محددين سعر بيع أدنى على أساس سعر الشراء.

رغم تركزه التدريجي لم ينضج قطاع الورق عموما كاحتكار مطلع القرن العشرين. لكن أحد تفرعاته، صناعة ورق الجدران، بلغ أعلى مراحل الاحتكار سنة 1900 بانصهار 31 معملا. أبرمت هذه الشركة الكبيرة اتفاقات مع ثلاث شركات أخرى للتحكم في 98٪ من السوق.

رغم تخلفها على الو.م.أ وألمانيا في قطاع الكهرباء بصفة عامة، كانت بريطانيا تحظى بأفضلية في صناعة الأسلاك. تأسست سنة 1898 جمعية صانعي الأسلاك، للحد من التنافس الذي تسبب في تراجع الجودة. تم ذلك بتحديد سعر أدنى. تكونت الجمعية من ستة عشر شركة (كانت البعض منها متشابكة، فيمكن اعتبار أن العدد الحقيقي للشركات المستقلة عن بعضها البعض أقل من ذلك) وتحكمت تقريبا في 90% من السوق. شكّل مستهلكو الأسلاك الكهربائية منظمة التعاقد الكهربائي التي تمتع منتسبوها بأسعار تفاضلية من الكرتال بفضل اتفاقية بين المنظمتين.

كان الملح البريطاني متركزا في محلية تشيشاير ما جعل احتكاره سهلا. نشأ سنة 1888 اتحاد الملح وهو مجمع 36 شركة يشمل تقريبا 90% من الإنتاج. لم تكن كل الشركات المعنية بنفس الحجم وكانت بعضها قد امتدت عموديا إلى نقل إنتاجها فكانت من بين ممتلكات المجمع بواخر وسكك حديد وقطارات. مستفيدين من ارتفاع الأسعار دخل للسوق عدد من المنتجين الجدد وتراجعت بذلك حصة المجمع منه. فبدأ يقيم معهم مفاهمات لتقسيمه منذ التسعينات. بانخفاض الأسعار سنة 1905 قال مدير المجمع: “سيرى الصانعون الخارجيون [عن الكرتال] أنه سيكون مربحا أكثر اشتغال نصف أو ثلثي احواضهم بمربوح من اشتغال الكل بالخسارة“. تأكد توقعه سنة 1906 بتشكيل شركة الشمال الشرقي للملح التي ضمت الكرتال القديم وأهم منافسيه. قام الكرتال الجديد بإسناد حصص إنتاج نسبية لكل شركة وتحديد إجمالي الإنتاج. حيثما ظهرت منافسة أو رأى فرصة لافتكاك أسواق قام هذا الاحتكار بتخفيض حاد في أسعاره وتعالت الأصوات المنددة بممارساته داخل بريطانيا وخاصة في الو.م.أ.

في قطاع النسيج وباندماج 31 شركة، تأسس سنة 1898 احتكار تحكم تقريبا في كلية قطاع غزل القطن. مستفيدين من تشريعات مناهضة التلوث التي منحتهم شبه احتكار للتزود بالمياه، شكّل صناعيو الصباغة والتبييض كرتالين مطلع القرن العشرين. بحلول سنة 1903 صار احتكار الصباغة تاما تقريبا بتحكم الكرتال في أكثر من 90% من السوق. أما بالنسبة لطباعة القطن فتشكل سنة 1899 مجمع ضم 46 شركة تنتج 85% القطن المطبوع منها سبعة تحصّل وحدها 36% من السوق.

إلى جانب شركات سكك الحديد التي تملك معاملها الخاصة لصناعة قطاراتها، كانت 11 شركة تتحكم في صناعة القاطرات. سنة 1903 اندمجت ثلاثة منها في شركة شمال بريطانيا للقاطرات. من أصل 20840 عامل في القطاع شغّل هذا الاندماج 7192 وخمسة شركات أخرى تقريبا 11 ألف بشكل يجعل هذه الشركات الست تحتكر السوق. منذ 1883 شكّل مصنعو سكك الحديد كرتالا دوليا مع نظرائهم الألمانيين والبلجيكيين. انقسم الكرتال عدة مرات لكنه صار أكثر فأكثر تماسكا بدخول القرن العشرين. انضمّ إليه سنة 1905 الأمريكيون والفرنسيون وصار بذلك مؤسسة قارة لتعديل الأسعار العالمية لسكك الحديد. انضمت إليه روسيا سنة 1907 وتم تمديد المفاهمة إلى 5 سنوات أخرى. لم يبق إلا معمل واحد في بريطانيا خارج المفاهمة. يتمتع المشاركون في الكرتال بحماية تامة لأسواقهم الوطنية من المنافسة الخارجية ويتم تقسيم أسواق التصدير بين الدول المشاركة بما يجعل الأعضاء لا يتنافسون فيها.

ردا على محاولات احتكار التبغ الأمريكي افتكاك السوق البريطاني بتخفيضات حادة في الأسعار، اتحدت أكبر 13 شركة تبغ بريطانية في شركة التبغ الإمبراطورية للدفاع عن سوقها. اقتنى هذا الاحتكار عدة شركات محلية، في المقابل اقتنت شركة التبغ الأمريكية شركتين بريطانيتين منافستين. بعد صراع اقتصادي مرير، اقتنع الاحتكاران بمصلحتهما في التفاهم سنة 1902. بذلك تشابك الاحتكار البريطاني مع شركة أوڨدن التي يملكها الأمريكيون واتفق الاحتكاران على أمان السوق المحلية لكل منهما من منافسة نظيره. أسس الاحتكاران شركة لتمثيلهما في الأسواق الخارجية وتفادي التنافس فيها كما نصص الاتفاق على امتناع هذه الشركة بيع التبغ لأي كان قد يصدره لأسواق تتواجدان فيها وتنويان احتكارها [ليفي].

ظهر الهاتف في بريطانيا في أواخر السبعينات وبدأ الخواص في ربط خطوط هاتف. رغم حكم قضائي بكون الهاتف يخضع لقانون التيلغراف وأنه بذلك من مشمولات “السيد العام للبريد”، اكتفت الحكومة بمنحه احتكار الاستغلال وبفرض رخصة ومعلوم على الشركات. أمام احتجاج الشركات زادت الحكومة الأمور سوء بمنحها إمكانية استغلال الخطوط التي تبنيها. بحلول 1890 صارت الشركة الوطنية للهاتف(شركة خاصة) احتكارا شبه تام بعد قتلها وابتلاعها لمنافساتها. أمام هذه الحالة، قامت حكومة الحزب الليبرالي سنة 1912 بتأميم الهاتف.

لا يمكن الحديث عن الرأسمالية الاحتكارية البريطانية دون الإشارة إلى “الخمس الكبار”: باركلايز وميدلاند ولويدس ووستمنستر والوطني القروي (The National Provincial). “انطلقت موجة […] من التغيير التنظيمي منذ وسط السنوات 1880 لكنها لن تعطي أثرا هاما حتى 1909 […] وجدت إدارة ميدلاند أن اقتناء بنوك موجودة طريقة أرخص، لكسب موقع أكبر في السوق، من فتح فروع جديدة. أنتج اتباع ميدلاند استراتيجية اندماج متعمدة ردودا ومواجهة من داخل القطاع، كون مكوناته صارت تتنافس بشكل متزايد فقط على أساس الحجم وبذلك التواجد”. فقامت لويدس ووستمنستر بسلسلة من الاندماجات والاقتناءات. “شكّلت بنوك بريطانيا الإدواردية التجارية الكبيرة جدا احتكارا استفاد منه مساهموها، متلقين مرابيحا بحاولي 14 إلى 16 بالمائة […] أكثر من ذلك، لم تكن البنوك الموجودة مهددة بخلق مؤسسات جديدة بعد 1880 لأن القطاع البنكي لم يعد سوقا قابلا للمنازعة بسبب صعوبات لكسب دخول لـبيت تطهير لندن بالغ الأهمية […] لم تنبسط هيمنة احتكار ‘الخمس الكبار’ تماما إلا في 1918 لكنها قد بدأت تتماسك منذ 1909″ [كوترل].

اكتفى هذا التعداد بتطرق سريع لأهم الاحتكارات المكتملة الأركان بمرور العشرية الأولى من القرن العشرين. لكن الممارسات الاحتكارية أو الريعية الأكثر ليونة وأقل اكتمالا، من اندماجات عمودية ومفاهمات مرتخية واحتكارات جماعية مبطّنة واشتباكات في المساهمات وهيمنة على الأسواق إلخ. لا تكاد تحصى ولا تعد منذ سبيعينات القرن 19 ولا يمكن أن يتسع لها هذا النص [ماكروستي].

دخلت بريطانيا التجارة الحرة – لا السوق الحر كما نرى – منذ السنوات 1870 في مناخ اقتصادي صعب. تراجعت نسب النمو إلى حوالي 1% أحيانا وارتفعت البطالة وتدنّت الأسعار [روبنس]. يجب أولا الإشارة إلى كون هذا التراجع الاقتصادي هو أحد محركات التركّز وليس العكس. تموت الشركات الصغيرة الأقل قدرة على المقاومة المالية خلال الأزمات أو تقوم الكبيرة بشرائها.

من جهة أخرى يرتكز “انتقاد شائع للصناعة البريطانية على الرابط المحسوس بين تنظيم المشاريع والأداء الاقتصادي […] مع نهاية القرن التاسع عشر ارتكزت التنافسية بشكل حاسم على تطور الشركات المتعددة الوحدات والمندمجة عموديا والمدارة باحتراف، نوع من التنظيم فريد في براعته في استغلال اقتصادات الحجم والمجال. يُجَادَلُ أن مثل هذه الشركات كانت نادرة في بريطانيا في الفترة الإدواردية وأواخر الفيكتورية على الأقل بالنسبة لأمريكا وألمانيا […] في السنوات 1880 كان أقل من 10 بالمائة من قطاع الصناعات من نصيب أكبر 100 مشروع، عدد ارتفع فقط إلى 16 في 1909. كانت هذه الدرجة أقل بقليل من عدد 22 بالمائة الأمريكي لكن فوق عدد 12 بالمائة الفرنسي […] سرّع نشاط انصهار [الشركات في] هذه الفترة نمو حجم الشركات خلال النصف الأخير من القرن التاسع عشر. بقيادة تكنولوجيات شدة-حجمية [أي تكون أكثر نجاعة مع ارتفاع حجم الإنتاج] وسوق رأس مال نظرت بشكل إيجابي للمشاريع الكبيرة، بلغت حركة الانصهار قمّتها بين 1894 و1903، عندما اختفت أكثر من ألف شركة بقيمة 73.9 مليون £. لكن ذلك باهت مقارنة بالنشاط الحامي الحاصل في الو.م.أ حيث في 1899 وحدها انصهرت 979 شركة بقيمة 400 مليون £“.

هكذا إذن، مع كل ما عدده هذا النص من احتكارات وما أهمله كان التركز الاقتصادي في بريطانيا أدنى من ألمانيا والو.م.أ. ولم يكن ذلك دون علاقة بتخلفها التكنولوجي خصوصا في القطاعات الصاعدة مثل الكهرباء والكيمياء والسيارات. “تكشف معطيات التصدير البريطانية نقص أفضلية مقارنة في مغلب قطاعات الفترة، عالية التكنولوجيا والثرية برأس المال البشري. كانت التجهيزات والآلات الصناعية الاستثناء الوحيد، لكن حتى هذه الأفضلية اختفت بحلول 1929. على العكس كانت هذه القطاعات التقدمية تكنولوجيا لافتة بين الصادرات الصناعية الأمريكية والألمانية، اكتشاف يوحي بأن موارد بريطانيا من رأس المال البشري يمكن أنها لم تكن وفيرة بالقدر الكافي لتكون تنافسية في هذه القطاعات”.

على عكس القطاعات التي قادت الثورة الصناعية (الأولى) صارت التكنولوجيات الجديدة تتطلب مستوى عالٍ من المعرفة العلمية الشكلية. بسبب سياسة التقشف وتوازن المالية كان استثمار بريطانيا في التكوين الجامعي والبحث العلميين ضعيفا. انحصرت بذلك المهارات والمعارف التكنولوجية في مستويات متدنية وفي القطاعات التقليدية، ما زاد في انحصار البنية الاقتصادية داخل نفس الخطوط. لم يكن هذا الجانب الوحيد للتخلف التكنولوجي الذي راكمته بريطانيا على غريميها الأمريكي والألماني. فمن جهة أخرى صار التنافس التكنولوجي الجديد يستدعي استثمارات كبيرة في البحث والتطوير على المستوى المتوسط والبعيد. لا يمكن أن تقوم بها المشاريع الصغيرة التي تحقق أرباحا ضئيلة وتصارع كل سنة من أجل البقاء، بل فقط الشركات الكبيرة التي تحقق أرباحا ضخمة أو الدولة. “الأغلبية الواسعة من جهد البحث والتطوير البريطاني هذا، كانت متركزة في بضع شركات تصنع الكيماويات والسفن البحرية […] كانت مثل هذه المستويات من الإنفاق بشكل شبه قطعي أدنى من المبالغ المستثمرة في كلا ألمانيا والو.م.أ. حتما، لم يكن في بريطانيا شيء يُقارَن بمخابر البحث العظيمة التي كانت تشتغل بهذه الفترة من أمثال جنرال الكتريك وإيستمان كوداك وهواتف بال في أمريكا أو باير في ألمانيا […] في علاقة بمنافسيها، هناك حتما بعض الأدلة لتوحي بأن بريطانيا الإدواردية وأواخر الفيكتورية استثمرت تحت المطلوب في البحث والتطوير والمستوى الأعلى من التكوين العلمي والتقني […]”.

إلى جانب هذه المشاكل الداخلية، “كانت الحدود التي فرضتها السياسات التجارية لمختلف الأمم على التجارة الحرة عاملا إضافيا أثّر على قدرة بريطانيا على التصدير. تبدو عديد القطاعات قد تأثرت بشكل مؤذٍ من المعاليم. يقال مثلا أن إرساء معلوم مككينلي [الرئيس الأمريكي] من الكونغرس الأمريكي في 1890 كان له وقع كبير على قطاعات صفائح القصدير والحديد والفولاذ في بريطانيا […] في 1890 استقرت نسبة المعاليم الديوانية من الواردات، مقياس لدرجة الحماية القائمة، في 29.6 في الو.م.أ و8.8 في ألمانيا و4.8 في المملكة المتحدة” [ماجي].

أما القطاع البنكي ورغم تركزه فمن الرائج أن “يُجادَل أن البنوك التجارية البريطانية كانت عازفة على تطوير علاقات وثيقة مع الصناعة بين 1870 و1914، على عكس ألمانيا حيث خفّفت الارتباطات الرسمية بين البنوك والشركات من تكاليف الوكالة وحسنت ممارسة حوكمة الشركات […] تسند أيضا دراسات من الولايات المتحدة النظرة القائلة بأن تأثير البنكيين على مجالس رقابة الشركات كان مفيدا […] زيادة على تسهيل الولوج لتمويل الاستثمار وزيادة السيولة ومتابعة المديونية وتوفير الإشارات للمستثمرين، مكّنت الارتباطات الرسمية للبنوك مع الشركات من التعويض السريع للمديرين السيئين. في بريطانيا حيث كانت مثل هذه العلاقات أقل رواجا بكثير كانت امكانية بقاء المديرين السيئين أكبر”.

ليس هذا دون علاقات بـ “المؤسسات الصغيرة والمتوسطة” أو العائلية التي كانت لا تزال الأكثر عددا رغم تراجع أهميتها الاقتصادية: “غالبا ما تفترض التفسيرات الثقافية للانحدار الاقتصادي النسبي البريطاني اتصالا بين الرأسمالية العائلية2 والفشل في ريادة المشاريع. يُزْعم أن رجال الأعمال كانوا محافظين جوهريا وعازفين على تجربة مقاربات جديدة غير مختبرة. كانت الشركة النمطية في مؤخر القرن 19 وبداية القرن العشرين تملكها وتديرها عائلة وكانت خصوصيتها الزبونية والمحسوبية في منوال الانتداب […] كانت بريطانيا موبوءة بتركيبة من السبات في ريادة المشاريع والتراخي والمحافظة الثقافية […] كان باعثو المشاريع البريطانيين مثل نظرائهم الفرنسيين في كونهم مفتقدين للاندفاع والمبادرة والخيال […] كانت مشاكل الصناعة تنعكس في كره للتنافس وتفضيل للمساعي الترفيهية. واصل مؤسسو الشركات وعائلاتهم في تشكيل قرارات توظيف الموارد بطريقة أعاقت الاقتصاد بشكل مهم“. كما “خلق التراخي مع الإفصاح عن المعلومة في بريطانيا فرصا للفساد والممارسات السيئة. أكثر من 30٪ من الشركات المتشكلة بين 1856 و1883 انتهت في الإفلاس […] ليس ربما من الصدفة أن مسيرات باعثي الشركات عديمي الضمير تظهر بتواتر في التاريخ البريطاني لبعث المشاريع في القرنين التاسع عشر والعشرين” [نيكولاس].

طبعا ليست هذه الظواهر “الثقافية” أسبابا في حد ذاتها لكنها انعكاسات للبنية والسياسات الاقتصادية: المنافسة الخارجية في السوق المحلية بسبب التجارة الحرة وتقلص الأسواق الخارجية بسبب حمائية الدول المنافسة وتطور إنتاجها إضافة إلى غياب تنظيم للقطاع المالي وسياسة صناعية وفلاحية تشجع وتوجه الاستثمار والبحث والتطوير. فلا يوجد مثلا برجوازي يحب التنافس الذي يقلص من أرباحه وليس ذلك خصوصية بريطانية ولا شيء جديدا. إذ لا ينفق البرجوازيون أموالهم ولعًا بالتطور التكنولوجي والاقتصادي بل بالأرباح. وفي غياب طلب كافٍ يضمن لهم أرباحا كبيرة تمكِّن بدورها من القيام باستثمارات مهمة (لمراكمة أرباح أكبر…) أو سياسة حكومية تساعد في هذه الاستثمارات وتحميها وتساندها وتدعمها لتحقق أرباحا لأصحابها، ليس غريبا أن تذهب أموال البرجوازية إلى “الربح السهل” في قطاع المالية (كقروض لدول أجنبية مثلا) وفي شراء المحترمية الأرستقراطية باقتناء أرض وبناء قصر في الريف.

ورغم ذلك فيبدو من المهم الإشارة إلى هذه التفسيرات الثقافوية نظرا لرواجها في تونس والبلدان العربية والتابعة عموما حيث تأخذ شكلا جوهرانيا: من المقولات العامة حول ضرورة تغيير العقلية وتكريس قيم العمل والإنتاجوية إلى المقولات الأكثر خصوصية حول كره البرجوازية التونسية للتنافس وعزوفها عن المجازفة وتعويلها على الدولة إلى غير ذلك. كأنها خصوصيات تونسية! يبيّن رواج خطابات مشابهة من اقتصاديين بريطانيين حول برجوازيتهم أن هذه المقولات والتفسيرات خاطئة (في بريطانيا وفي تونس) لأنها لا تنطلق من البنية التحتية الاقتصادية.

لم تكن الصناعة والصادرات العنصرين الوحيدين اللذين عانيا من التجارة الحرة، بل لعل الفلاحة كانت أكبر ضحاياها. “تحققت فعلا أسوأ مخاوف من عارضوا سياسة الباب المفتوح والتبادل الحر. كان التدفق الداخل للقمح الأجنبي نوعا من المخاطرة المضاعفة: تمت إزاحة القمح المنتَج محليا كأكبر زراعة نقدية [أي موجهة للبيع لا للاستهلاك الشخصي]؛ وأيقظ مخاوفا نفسية من الهشاشة مع خسارة الاكتفاء الذاتي […] من 1900 إلى 1914 كان ربما ربع القمح المتوفر للمستهلكين المحليين فقط منتجا محليا”.

خلال 1840-90 تراجعت المساحة المزروعة قمحا من 4 مليون أكر إلى 2.4 مليون ثم إلى 1.7 في 1900 حتى تبلغ أدناها 1.3 مليون في 1904. يُفترض نظريا أن الأراضي الأقل خصوبة هي التي سيتم إهمالها أو تغيير استعمالها ما سيحسن الإنتاجية الكلية للأراضي لكنه من الصعب ملاحظة هذا التحسن وقد بقي ضئيلا إن وجد. يعني ذلك أن جزء من أحسن الأراضي تم توجيهها لمنتوجات أخرى أكثر ربحية مثل الحليب (غذاء البقر ورعيه) أو البستنة.

انخفض إنتاج الجبن بنسبة ثلثين بين 1860 و1910 مع اختفاء عديد التنويعات الجهوية وتراجعت نسبة استهلاكه للحليب من 40% إلى حوالي 5% خلال نفس الفترة.

لم يتجاوز سنة 1867 اللحم والقمح الموردين 20% من الغذاء المتوفر. مر هذا العدد إلى 25% سنة 1878 وصارت في نفس السنة 40% من الحبوب الأساسية موردة. سنة 1907 لم تعد بريطانيا تنتج إلا خمس حبوبها وصارت تستورد ثلثها من مستعمراتها ونصفها من خارج الإمبراطورية. سنة 1914 أصبح تقريبا 40% من اللحم مستوردا من الخارج [ترنر].

بانهيار الفلاحة وتخلف الصناعة بلغ العجز التجاري فيهما سنة 1913، 82 مليون £. رغم ذلك كانت بريطانيا تحقق فائضا مريحا في ميزان الدفعات الخارجية بفضل فائض 121 م. £ في الخدمات (النقل البحري والتأمين والوساطة المالية أساسا) و200 م. £ من مداخيل الملكية (فوائد القروض للخارج ومرابيح الاستثمارات الخارجية) [هارلي، 2] [روبنس]. هكذا صارت بريطانيا، بفضل (!) تجارتها الحرة وعزوف دولتها عن التدخل الاقتصادي، دولة ريعية بالمعنى الكلاسيكي للكلمة: تعيش من مداخيل الملكية لا من الإنتاج.

في هذا السياق تعاظمت سلطة البرجوازية المالية وتعالت الأصوات المنددة بها. “تُشكل إدانة المحافظة المتزايدة داخل القطاع البنكي، أثارتها أزمة أو التغيير التنظيمي، جزء لا يتجزأ من انتقاد قاسٍ منبثق مما بدا كتباين مع مساندة بنوك الائتمان الألمانية وارتباطاتها المباشرة مع الصناعة. قيل مرارا أن التحول الصناعي الألماني السريع منذ السنوات 1880 كان جزئيا بفضل المساعدة والتوجيه الذي أعطاهما بنكيوها لصناعييها بما في ذلك تحويل مشاريعهم إلى شركات عمومية [بمعنى فتح تداول أسهمها للعموم في البورصة] واتخاذ مقاعد في مجالسها”. يؤكد “فحص أسباب رفض البنوك لقروض النظرة السائدة للسلوك البنكي [في بريطانيا] – كون البنكيين رأوا دورهم الأول كتوفير تسهيلات [قروض صغيرة] لحرفاء ثابتين وجديرين بالائتمان”[كوترل]. رغم مسافتها من حرفائها واستقلاليتها عن المصالح الصناعية مقارنة بنظيرتها الألمانية لم تخل البنوك البريطانية من المحاباة: “في بحث لـ 453 حالة منفصلة لبنوك ترفض إقراض حرفاء صناعيين، […] كان قرار عدم الاستثمار محفَّزا بالرغبة بدل ذلك في تمويل حرفاء قديمي العهد تتوفر حولهم أكثر معلومات والذين كانوا في تنافس مع استثمارات جديدة مجازفة ذات عواقب غير مضمونة بالمرة” [نيكولاس].

من جهة أخرى اعتبر العديدون أن تعاظم التمويل للخارج والاستثمار فيه يحرم الإنتاج الوطني من التمويلات ويعيق تطوره ويقلص الاستثمار الداخلي: “أولا حاجج البعض أن العائدات المحققة بالخارج، بالفعل، أقل من الداخل بسبب تخلفات منتشرة عن الدفع من حكومات أجنبية ومديري سكك حديد مسرفين. ثانيا يحاجَج أحيانا أن توزيع المداخيل البريطانية صار معوَّجا بأكثر شدة بتوجيه المدخرات البريطانية إلى الخارج. لو بقيت هذه الأموال في الداخل لكانت ساعدت في زيادة مخزون الإسكان المحلي ومشاريع إنفاق اجتماعي أخرى كانت لتنفع العامة البريطانية بشكل أوسع من الاستعمالات التي تم تشغيل الأرباح الخارجية فيها. أخيرا، أوجدت الدراسات الحديثة للتطور التكنولوجي أن منبعا مهما لتطور الإنتاجية ينبثق من الخبرة المراكمة من الإنتاج ما يسمى غالبا التعلم بالممارسة‘. إذا كانت، كما يبدو صحيحا، صادرات رأس المال البريطاني قد نزعت إلى زيادة الطلب على منتوجات الصناعات التصديرية البريطانية الأقدم، يمكن الحجاج أن الأقسام الأحدث من صناعات بضائع رأس المال [أي البضائع الموجهة للإنتاج مثل الآلات الصناعية والفلاحية على عكس البضائع الاستهلاكية] قد تم تجويعها عن غير قصد من الطلب في طفولتها وسنين تعلمها اللاحقة، بآثار لاحقة على نسبة نمو الدخل الفردي البريطاني” [إدالشتيْن].

“خسرت بريطانيا هيمنتها كـ ‘معمل العالم’ ونمى اقتصادها صراحة بأكثر بطء من خصومها الخارجيين. بحلول السنوات 1890 تحدثت صفحات افتتاحية وتقارير برلمانية عن ‘هزيمة’ أمام ‘اجتياح’ تجاري ألماني أو عن ‘غزو’ من الأمريكيين ‘لمحطة خارجية’ أخرى للصادرات البريطانية” [هارلي،2]. فبدأ الصناعيون يطالبون بإجراءات حمائية. نفس البرجوازية الصناعية التي رفعت راية التجارة الحرة في وسط القرن صارت تخوض الحملات وتشكّل اللوبيات للدفاع عن نفس مصالحها، التي صارت هذه المرة تنضوي تحت شعار التجارة العادلةأي الحمائية. من الجمعية الوطنية للدفاع عن الصناعة البريطانية إلى الجمعية الوطنية للدفاع الصناعي تعددت المنظمات لكن أشهرها كانت الرابطة الوطنية للتجارة العادلة. أسس الأخيرة سنة 1881 مجموعة من صناعيي الهندسة ببرمنغهام وكان رئيسها الأول س. س. لويد عضوا نشيطا في الغرفة التجارية لبرمنغهام ومؤسسا لجمعية الغرف التجارية البريطانية. “[…] كانت الرابطة ممثلة جيدا في اللجنة الملكية حول كساد التجارة والصناعة التي دافع تقرير أقليتها عن قضية ‘التبادل العادل'” [ڨروف].

“دخلت القومية أيضا الجدال. في مطلع القرن العشرين أكدت حملة جوزيف شمبرلين من أجل ‘التجارة العادلة’ والاكتفاء الذاتي للإمبراطورية البريطانية أن الخصوم الاقتصاديين وربما العسكريين لبريطانيا دعموا صناعاتهم بمعاليم على المنتوجات الصناعية البريطانية؛ وألحّت أن الإمبراطورية يجب أن تقوم بنفس الشيء” [هارلي، 2]. كان شمبرلين منذ الثمانينات بصفته رئيس مجلس التجارة (هيئة حكومية) قد أعطى تعليماته لفتح قنوات تواصل مباشرة وشخصية مع المنظمات القطاعية والغرف التجارية حول كل المسائل السياسية المهمة والمسائل الإدارية اليومية وكان قد أسس منظمة تدعى رابطة إصلاح المعلوم (نسبة طبعا للمعاليم الديوانية) [ڨروف].

رغم انهزام حملته الحمائية في انتخابات 1906 يمكن القول أنه بحلول القرن العشرين خسرت التجارة الحرّة هيمنتها الإيديولوجية وربما قبل ذلك: “[…] خلال العشرية الأخيرة من القرن [التاسع عشر]، في داخل البرلمان وخارجه، أصبح معتقد التجارة الحرة محل سؤال” [روبينس].

أما على الصعيد الداخلي وباكتساب العمال حق الانتخاب وصعود حزب العمل المستقل (ثم حزب العمل) قدّم الحزب الليبرالي الحاكم تنازلات لصالحهم ذهبت سنة 1909 إلى حد التشويش التام لسوق الشغل. فرض البرلمان أن المقاولين المتعاقدين مع الحكومة عليهم أن يدفعوا أجورا لا تقل عما يدفعه المشغّلون “الجيدون” في المنطقة المعنية وصوّت البرلمان على قانون أساسي يخول للحكومة تحديد أجر أدني في أسوء القطاعات والقطاعات التي لا توجد فيها نقابات، ما يمثّل “لفظا أخيرا للمبدأ الريكاردي [نسبة لدافيد ريكاردو] القائل بأن الأجور يجب أن تُترَك لمنافسة السوق الحرة والعادلة وأنه لا يجب أبدا التحكم فيها بتدخل المشرّع”. إلى جانب تأميم الهاتف المذكور سابقا قام الليبراليون بإنشاء مؤسسات بحث وتطوير فلاحية وصناعية وتمويلها، إلى جانب التعاضديات الفلاحية، بمنح وهبات. وأمام العسكرة المتصاعدة للدولة الألمانية وفّرت نفس الحكومة قرضا بنسبة فائدة ضعيفة لصناعة سفينتين ضخمتين.

تشير كل هذه المعطيات إلى أنّ “الجماعية [collectivism] كانت متقدمة جيدا بحلول مؤخر القرن 19. فردانية حقبة سابقة بدأت تترك الطريق لرأسمالية المجمعات ورغم أن المشاريع العائلية في الصناعة لم تصبح تماما شيء من الماضي كانت بصدد الاستسلام لصالح الشركة المحدودة [أي محدودة المسؤولية] التي يديرها مديرون مأجورون ويملكها عدد كبير من أصحاب الحصص الغائبين. انحدار التنافس رغم أنه لم يكن واقعا قائما، كان صعود احتكارات ومجمعات في قطاعات مهمة عديدة طيفا مبشرا به”.

لكن التحولات العميقة في السياسة الاقتصادية على أرض الواقع لن تبدأ إلا بحلول الحرب العالمية الأولى. انطلقت الحكومة الليبرالية بتسخير سكك الحديد منذ أوت 1914 ثم في شراء مجمل القمح والسكر والحد من بعض الواردات. كما دفعت لتأسيس شركة لصناعة مواد الصباغة، التي كانت تُوَرَّد من ألمانيا، مساهمة بنصف رأسمالها. لكنها رفضت مثلا مقترح تسخير قطاع صناعة الأسلحة.

بحلول 1915 وبعد فضيحة نقص الذخيرة التي تكبّدت بسببها بريطانيا خسائرا عسكرية كبيرة، سقطت حكومة أشكيث الليبرالية وبصعود المحافظ لويد جورج للوزارة الأولى أخذت إدارة اقتصاد الحرب منعرجا تاريخيا. اقتنت الحكومة الائتلافية مناجم الفحم في بلاد الغال ثم قطاع الفحم بأكمله ومصانع الدقيق ومناجم الحديد وافتكّت إدارة القنوات. تم تسخير عديد المصانع لصناعة الذخيرة. لم يتم تغيير إدارتها لكنها صارت خاضعة لتعليمات الحكومة. شُدِّدت المراقبة على النشاط الاقتصادي بفرض رخص بناء وتقسيم القدرة الإنتاجية وحصص الإنتاج والمواد الأولية بين المصانع إلى جانب تحديد ساعات العمل ووضع شروط جودة صارمة [ڨروف].

“طُبِّقت لأول مرة تقنيات إدارة علمية – دراسة الوقت والحركة على سبيل المثال – في المجهود لزيادة النجاعة إلى أقصاها. وُرِّدت آلات صناعية من الولايات المتحدة ونُصِّبت في مصانع حيث كانت في السابق مجهولة. انتشر اللحام الآلي عبر أحواض بناء السفن. بتجنيد العمل المتكون تم تعويضه بعمل غير متكون في عملية تعرف بـ ‘التمويه’ [تمويه كفاءة العمل أي تخفيضها]. سمح تنصيب الآلات بقيام عمال بحد أدنى من التدريب بعدد متزايد من العمليات. اتخذت بريطانيا بهذه الطريقة خطوة تجريبية أولى على الطريق القائد إلى الإنتاج بالجملة مثل الذي يوجد في الولايات المتحدة” [إيشنڨرين].

وسّعت الحكومة سيطرتها على المواد الأولية والغذاء بتحديد أسعارها وبنهاية الحرب صارت تشتري 85٪ من واردات الأخير. شمل التحكم في التجارة الخارجية جل المجالات بفرض رخص توريد وتصدير وحتى على جزء من التجارة الداخلية.

للتحكم في الإنتاج الفلاحي، تم تشكيل لجان حرب محلية تنفيذية ذات نفوذ واسع يصل إلى حد افتكاك الأراضي من المستثمرين غير الناجعين. سنة 1917 مرّت قوانين لضمان أسعار شراء الإنتاج الفلاحي وتحديد أجر أدنى فلاحي [ڨروف]. ارتفعت مساحة الأراضي المزروعة من 14.3 إلى 15.9 مليون أكر ومرت المساحة المزروعة قمحا من 1.9 إلى 2.6. بعد ثلاث سنوات من انتهاء الحرب في 1920 صدر قانون الفلاحة ليدعم أسعار القمح والشوفان لمدة أربع سنوات. بعودة التجارة الخارجية انخفضت الأسعار العالمية إلى النصف فتم إلغاء القانون السنة الموالية [ترنر]. لكن المستثمرين الفلاحيين تحصلوا على دعم غير مباشر في شكل تخفيضات في نسب الضرائب وحتى تنازلات عنها. بدأت في الحقيقة هذه السياسة بحجم أصغر في العقدين الأخيرين من القرن 19 [ڨروف].

المراجع

[إدالشتيْن]: Michael Edelstein – Foreign investment, accumulation and Empire, 1860–1914, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume II: Economic Maturity, 1860–1939

[آرونوفيتش]: Sam Aaronovitch – The Ruling Class: A Study of British Finance Capital

[ج. ألان]: G. C. Allen – Monopoly and Competition in The United Kingdom, in Monopoly and Competition and Their Regulation Edited by Edward H. Chamberlain

[س. ألان]: Robert C. Allen – Agriculture during the industrial revolution, 1700-1850, in The Cambridge Economic History of Modern Britain, Volume I: Industrialisation, 1700–1860

[إناس]: Dave Innes – Full employment: are we nearly there yet?

[إيشنڨرين]: Barry Eichengreen – The British economy between the wars, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume II: Economic Maturity, 1860–1939

[إيفانس]: Eric J. Evans – The Forging of the Modern State: Early Industrial Britain, 1783-c.1870

[بال وتوملنسون]: Torsten Bell and Dan Tomlinson – Is everybody concentrating? Recent trends in product and labour market concentration in the UK

[بروار]: John Brewer – The Sinews of Power: War, Money and the English State, 1688–1783

[برولاند]: Kristine Bruland – Industrialisation and technological change, in The Cambridge Economic History of Modern Britain, Volume I: Industrialisation, 1700–1860

[بريسكو]: Norris A. Brisco – The Economic Policy of Robert Walpole

[بُوْدن وهيڨّنس]: Sue Bowden and David M. Higgins – British industry in the interwar years, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume II: Economic Maturity, 1860–1939

[بوڨارت]: Dan Bogart – The East Indian Monopoly and The Transition from Limited Access in England, 1600-1813

[بول]: Ellen Frankel Paul – Laissez Faire in Nineteenth-Century Britain: Fact or Myth?

[ترنر]: Michael Turner – Agriculture, 1860–1914, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume II: Economic Maturity, 1860–1939

[ثوماس]: Mark Thomas – The service sector, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume II: Economic Maturity, 1860–1939

[جونس، 1]: Owen Jones – The Establishment: And how they get away with it

[جونس، 2]: Owen Jones – Chavs: The Demonization of the Working Class

[روبنس]: Keith Robbins – The Eclipse of a Great Power: Modern Britain 1870-1992

[روس]:Dave Roos – How the East India Company Became the World’s Most Powerful Monopoly

[ستاندينڨ]: Guy Standing – The Corruption of Capitalism: Why Rentiers Thrive and Work Does Not Pay

[سكوت]: Peter Scott – Regional development and policy, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume III: Structural Change and Growth, 1939–2000

[شانغ]: Ha-Joon Chang – Kicking Away the Ladder: Development Strategy in Historical Perspective

[فيل]: Simon Ville – Transport, in The Cambridge Economic History of Modern Britain, Volume I: Industrialisation, 1700–1860

[ڨروف]: J.W. Grove – Government and Industry in Britain

[كريستوفرز]: Brett Christophers – The Rentier Economy: Who Owns The Economy and Who Pays for It

[كوترل]:P. L. Cottrell – Domestic finance, 1860–1914, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume II: Economic Maturity, 1860–1939

[كيتسون]: Michael Kitson – Failure followed by success or success followed by failure? A re-examination of British economic growth since 1949, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume III: Structural Change and Growth, 1939–2000

[ليفي]: Hermann Levy – Monopolies, Cartels and Trusts in British Industry

[ماجي]: Gary B. Magee – Manufacturing and technological change, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume II: Economic Maturity, 1860–1939

[ماكروستي]: Henry William Macrosty – The Trust Movement in British Industry: A Study of Business Organisation

[موكير]: Joel Mokyr – Accounting for the Industrial Revolution, in The Cambridge Economic History of Modern Britain, Volume I: Industrialisation, 1700–1860

[ميدلتون]: Roger Middleton – Government and the economy, 1860–1939, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume II: Economic Maturity, 1860–1939

[ميدلماس، 1]: K. Middlemas – Power, Competition and the State: Volume 2

[ميدلماس، 2]: Keith Middlemas – Power, Competition and the State: Volume 3

[ناي]: John V.C. Nye – War, Wine, and Taxes: The Political Economy of Anglo-French Trade, 1689–1900

[نيكولاس]: Tom Nicholas – Enterprise and management, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume II: Economic Maturity, 1860–1939

[واتسون]: Katherine Watson – The financial services sector since 1945, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume III: Structural Change and Growth, 1939–2000

[ويهتون]: Timothy Whitton – The Growth of Precarious Employment in Great Britain

[هارلي، 1]: C. Knick Harley – Trade: discovery, mercantilism and technology, in The Cambridge Economic History of Modern Britain, Volume I: Industrialisation, 1700–1860

[هارلي، 2]: C. Knick Harley – Trade, 1870–1939: from globalisation to fragmentation, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume II: Economic Maturity, 1860–1939

[هاريس]: Ron Harris – Government and the economy, 1688– 1850, in The Cambridge Economic History of Modern Britain, Volume I: Industrialisation, 1700–1860

[هوبسباوم]: Eric J. Hobsbawm – Industry and Empire

[هولات]: Peter Howlett – The War-Time Economy, 1939–1945, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume III: Structural Change and Growth, 1939–2000

[هودسون]: Pat Hudson – Industrial organisation and structure, in The Cambridge Economic History of Modern Britain, Volume I: Industrialisation, 1700–1860

[هولمس وسزاتشي]: Geoffrey Holmes, D. Szechi – The Age of Oligarchy: Pre-Industrial Britain 1722-1783

[والرشتاين]: Immanuel Wallerstein – The Modern World-System IV: Centrist Liberalism Triumphant, 1789–1914

1 لاحظ أن صناعة الورق تحتاج رخصة إلى حدود هذه الفترة على الأقل

2 الحديث هنا عن المشاريع العائلية الصغيرة والمتوسطة لا عن “العائلات” بالمعنى الرائج اليوم في تونس (بمعنى العائلات البرجوازية الكبرى) حيث أن الشركات التي تهيمن عليها الأخيرة ليست عائلية بل تحديدا شركات شركة مساهمة عامة يتعدد مساهموها ويتم تداول حصصها في البورصة.

مقالات ذات صلة

  • نقدُ نقدِ الرَيْع جزء 2: اقتصادٌ ريْعي أم اقتصاد تابع غير مُنتِج

    مشروع مناهضة الريع هو مشروع إعادة إنتاج الوضع القائم (أي البنية الاقتصادية لتونس وموقعها في التقسيم العالمي للعمل).

    اقتصاد سياسي

    Money lying plate fork knife dollars photo greedy corruption concept bribe idea person eating banknotes dimes 174290803