الثورة تأكل أبناءها وآباءها : جريح الثورة طارق الدزيري خارج الحسابات وقريبا… خارج بيته !

صورة لطارق الدزيري، جريح الثورة، أثناء تحرّك لحملة مانيش مسامح السنة الفارطة.

 تعليق – خليل قطاطة – انحياز

خليل قطاطة – كاتب صحفي

“الشهداء المؤجّلون” أو أولئك الذين توقفوا عند عتبة الاستشهاد دون بلوغه ودون القدرة على استعادة حياتهم الطبيعية من النواحي الجسدية أو حتى النفسية. ودون قدرة الكثير منهم على الاندماج مجدّدا في دائرة العمل وفي أحيان كثيرة حتى في دائرة العلاقات الاجتماعية الطبيعية في حدّها الأدنى.

 طارق الدزيري واحد من الجرحى الذي يحتفظون بـ”ذاكرة الرصاص ” في وعيهم وداخل أجسادهم، بتعايش “سلمي” إجباري مع رصاصتين مستقرتين في جسده إحداهما تُجاور القلب والأخرى خرّبت عموده الفقري وأقعدته عن القيام بشؤون أسرته الصغيرة. تعايشٌ فرضته “دقة” الإصابات وخطورتها لكنه يبدو أقل وطأة على  طارق الدزيري و غيره من ” الجرحى ” بالمقارنة مع التعايش السلمي الآخر، ” الإجباري ” دائما، والذي تمّ فرضه ” قضائيا ” و”سياسيا” مع مُطلقي الرصاص.

          طارق الدزيري، جريح الثورة، أثناء تحرّك لحملة مانيش مسامح السنة الفارطة.
                                                        (صورة للمصوّر أحمد الورتاني)

فمن خلال حكم ” قضائي ” يجد  طارق الدزيري اليوم نفسه مطالبا بمغادرة محلّ سكناه الذي يشغله مع عائلته الصغيرة. وهو كان في الأصل أحد مقرّات حزب التجمّع المُنحَلّ وذلك رغم أنّ رئيس الحكومة الأسبق  المهدي جمعة كان قد مكّنه من شهادة تمليك. غير أن التلكؤ في إتمام الإجراءات الإدارية حال دون إتمام ذلك لتجد العائلة اليوم نفسها في نفس المهبّ. فبعد أن أخرجتهم الدولة من حساباتها هاهي تعود اليوم لتخرجُهم من المنزل الذي يضمّهم أو يكاد.

 لئن كانت الإجراءات القانونية المُتبّعة في ملف جريح الثورة  طارق الدزيري قائمة قانونا فإنها تبقى ومن الناحية الأخلاقية ساقطة تماما.  وذلك لاعتبارات رمزية دَحرجت ومن خلال إرادة سياسية / قضائية ملفّ شهداء الثورة وجرحاها من مرتبة الرمزية المرتبطة بالثورة والاحتجاج على نظام بن علي الجائر إلى مجموعة من الملفات والحالات الإنسانية والاجتماعية  المتفرّقة.

تواصل التراخي في التعاطي مع ملف القائمة النهائية لشهداء وجرحى الثورة التونسية لا يبدو منفصلا عن سياق كامل تعرفه الثورة التونسية. سياق يتسم بفقدان بريق الشعارات الجوهرية التي جمعت التونسيين والتي تزامنت مع مسار 17 ديسمبر 2010/ 14 جانفي 2011 وأعقبته، وفي مقدّمتها الوفاء لدماء الشهداء ولكل الدماء التي أُريقت على امتداد هذا المسار.  ولعلّ واحدا من أشكال التخاذل والتحوّل في التعاطي مع هذا الملف هو الاعتداء على عائلات الشهداء وعلى عدد من الجرحى عشيّة الأحد 14 جانفي الجاري بشارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة من قِبل أنصار حزب ” النهضة ” خلال تجمّع احتجاجي على تراخي ” الدولة ” في التعاطي مع هذا الملفّ.

 

اكثر قراءة

  • رأي | كيف نفهم الدولة ؟

    ثمة أسئلة " حائرة "، معلقة في فضاء البهتة التاريخية حيال كل ما نتعرض له في حياتنا ومعاشنا اليومي من…

    رأي, هام

  • رأي | خطاب نصر الله وما وراء التهديد والتحذير

    بقلم سمير الجراي انتظر العالم منذ أيام خطاب الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله الذي ألقاه اليوم منذ…

    بلا حياد, رأي, هام

  • رأي | من قلب الوجع: يسقط خطاب الهزيمة!

    7/10/2023 سنتذكّر هذا اليوم جيّدا. سيذكره عدوّنا جيّدا. من غزّة المحاصرة منذ عقدين والمقطوعة عن العالم، من الأرض الّتي ارتكب…

    أراء القرّاء, رأي, هام

  • اسرائيل: سيكولوجيا الاستيطان وعقدة الذنب الغربية

    لا تثق بالحصان، ولا بالحداثة لا، لا ضحية تسأل جلاّدها هل أَنا أَنت؟ لو كان سيفيَ أكبرَ من وردتي, هل…

    بلا حياد, رأي, هام