في تحليل النظام السياسي في وان بيس

10/11/2025
WhatsApp Image 2025 11 10 at 15.50.59

مع الانتفاضات المتعددة في العالم التي نراها اليوم، والتي رُفع في جميعها علم طاقم قبعة القشّ، أصبحتُ أرى أنّ الوقت مناسب لدراسة سياسية لعمل ’وان بيس‘. فهو اليوم أصبح رمزية يرفعها الناس ليعبّروا عن رفضهم للظلم والاستبداد ولمواجهة سلطهم التي يعتبرونها جائرة.

’وان بيس‘ هو قصة مانغا، أي رواية مصوّرة يابانية للكاتب إييتشيرو أودا، وهي ثامن أكثر القصص مبيعا في التاريخ ولا تزال متواصلة اليوم بعد 1163 فصلا. أغلب الناس يتابعونها عن طريق سلسلة الأنيمي المقتبسة منها. 

إن من أبرز خصائص ’وان بيس‘، والتي يباغت بها المشاهد منذ اللحظة التي يكتشفه فيها، هو طوله، ولكن من المهم الإشارة إلى أنه ليس مجرد فضاء ملأه الكاتب لكي يراكم الأرباح كما نرى في حالات أخرى، بل هو ضروري لبناء العالم الشاسع والمعقّد الذي قدّمه المؤلف لنا. فما يبدو في البداية مجرّد مغامرة للبطل لوفي ورفاقه للبحث عن كنز الوان بيس، يتجلى لنا لاحقا أنه اكتشاف لعالم مليء بالتعقيدات السياسية.

حكومة العالم والبحرية

عالم وان بيس يتكون من عدد كبير من الجزر التي تعتبر ممالك مستقلة. ينتمي أغلبها لما يُعرف بحكومة العالم وتدفع لها الضريبة السماوية وتتلقى مقابل ذلك حماية من قبل أساطيل البحرية بالأساس. أما الممالك التي لا تنتمي للحكومة فهي مُهمّشة مجرّدة من كل الحقوق وتكون عرضة للخطر، إذ تتعرض لاعتداءات متعددة سواء من قبل القراصنة أو من قبل حكومة العالم نفسها وبحريّتها التي يمكنها أن تسلب منها ثرواتها وتقتل فيها من تريد وأن تستعبد سكانها. وحتى تلك التي تدفع الجزية لا تسلم من الاستبداد، فكثيرا ما تكون الجزية مشطة ولا قدرة للمملكة على دفعها، ما يدفع حاكمها إلى قمع السكان وتفقيرهم وإرهاقهم بالضرائب كي يحافظ على عضويته في حكومة العالم. يتحول إذا هؤلاء الملوك من حكام إلى مجرد عملاء محليين لحكومة العالم التي تقوم باستغلال سكان الجزر واستخراج الثروة والخيرات منهم لمصلحتها. هنا إذا تتشكل معالم الهيمنة التي تمارسها حكومة العالم، كل هذا لفائدة طبقة من النبلاء تسمّى “التنانين السماوية”. هؤلاء، وإن كان اسمهم مخيفا، إلّا أنهم ليسوا سوى أفشل طبقة بالمجتمع، لا يقومون بأيّ عمل، بل هم دائما مخدومون بالعبيد المجبَرين على تلبية كلّ رغباتهم؛ هم مُلّاك هذا العالم، يأخذون من خيراته ما يشاؤون ويقتلون أي شخص لو بدا لهم ذلك.

ويُمنع على الناس أن يقاوموهم أو أن يؤذوهم ولو تجرّأ متهور على ذلك فسترسل البحرية أقوى أسلحتها العسكرية، الأدميرالات، للقضاء على ذلك الغبي الذي تجرأ أن يرفض الظلم وأن يدافع عن نفسه وعن أصدقائه. البحرية هنا إذا ليست حامية للناس من القراصنة كما يتصور الكثير، بل هم القوة العسكرية التي تضمن تواصل هذه المنظومة. نعم يبدو لوهلة أولى أنّ هناك شخصيات طيّبة في البحرية، مثل غارب وكوبي، ولكن في النهاية يؤكد الكاتب أنهم ليسوا سوى استثناءات وأنّهم حتى وإن رفضوا الاعتراف بذلك فهم ينتمون إلى آلة قمعية تطحن كل معارضيها سواء في الداخل أو في الخارج. وهو ما دفع بعض أعضائها الذين صُدموا بهذه الحقيقة إلى مغادرتها وللبحث عن تحقيق العدالة بطرق أخرى.

القراصنة

يمكن للقارئ هنا أن يتعجّب من أنّني لم أبدأ التحليل بالقراصنة، فبطل القصة لوفي قرصان، هدفه أن يجد كنز الوان بيس وأن يُصبح ملك القراصنة. هم مركز القصة ومحور اهتمامها ولكن لا يمكن فهمهم من دون فهم السياق العام الذي تواجدوا فيه، فمثلا لوفي قرّر أن يصبح قرصانا، رغم أن جده غارب كان دائما يدفعه للانضمام إلى البحرية، بعد ما تعرف على القرصان شانكس في طفولته. إذ أُعجِب لوفي بأجواء طاقمه المرحة وبالحرية التي يتمتعون بها، ففضّلها على واجب الامتثال للأوامر والتراتبية التي تكرّسها البحرية.

لوفي هو الشخصية التي تمثل الحرية في القصة، حتى أنه عندما سُئل عمّا يريد أن يفعله لو أصبح ملك القراصنة وحكم البحار، أجاب:”عن ماذا تتحدث ؟ لا أريد أن أحكم أحدا، ملك القراصنة هو أكثر الناس حريّة في البحار”. حتى في طاقمه، لا نرى لوفى كذلك القائد المهاب الذي يمتثل لأوامره الجميع، بل هم انضموا إلى الطاقم بملء إرادتهم لأنهم رأوا فيه انتماءً لم يجدوه خارجه، ولأنّ لِكُلٍ حلمه الخاص والانتماء إلى هذا الطاقم هو أحسن وسيلة لتحقيقه. نرى هنا أنّ ما كرّسه لوفي في طاقمه معاكس تماما لما رآه في البحرية: أفقية عوض التراتبية، حرّية عوض الامتثال للأوامر، المجموعة تتحقق من خلال الاحتفاء بجميع الفرديات في الطاقم، لا من خلال التفسخ في آلة البحرية. هكذا يجب فهم القراصنة، الأخيار منهم والأشرار، هم ردة فعل متمرّدة ضد حكومة العالم ومنظومتها القمعية.



الأخيار مثل قراصنة اللحية البيضاء، أحد أباطرة البحر، رفضوا هذه المنظومة التي شردتهم وأنشأتهم في الحرمان. فجميعهم من الأيتام الذين حاولوا أن يكونوا عائلة جديدة في هذا الطاقم، وأن يحموا الجزر التي لا تنتمي إلى حكومة العالم. أما لو أخذنا قرصانا شريرا مثل كايدو، فهو كان من عِرق يتميّز بالقوة، باعته مملكته إلى البحرية كجندي كي تزداد حظوة الملك عند حكومة العالم. لم يرض كايدو بهذا، فكيف يقبل، وهو الذي لُقبّ لاحقا بأقوى كائن في العالم، بحكم من هم أضعف منه ؟ لقد اقتنع بعد هذا أنّ القوة هي التي يفترض أن تحدّد مكانة الشخص، فأنشأ طاقما قائما على التراتبية الصلبة القائمة على القوة، واحتلّ بلاد وانو وحَكمها بقبضة من حديد واستعبد سكانها وجوّعهم ولوّث بيئتهم وأجبرهم على العمل في مصانع السلاح، الذي يبيعه، يا للمفارقة !، لحكومة العالم.

هو إذا اضطُهد بسبب عرقه، فاضطَهد غيره لأنه لم يعرف في حياته غير افتكاك ما يريد بالقوة. واضطهاد الأقليات العرقية قضية مهمة في وان بيس، فمثلا يُنظَر إلى البرمائيّين من قِبل أغلب الناس على أنهم أقل منزلة ووَقع استعباد جزء كبير منهم وحرمانهم من العيش فوق البرّ، فاضطروا إلى العيش تحت البحر، فيما يتمنّون أن يعيشوا تحت الشمس كبقية البشر. ومن هنا ظهر قراصنة آرلونغ، برمائيون تحرّروا من العبودية فقلبوا العنصرية التي عاشوها رأسا على عقب، إذ أصبحوا هم العرق الأسمى وبقية البشر أقلّ منهم مرتبة واحتلوا جزيرة كوكوياشي وأصبحوا يسرقون ثرواتها ويضطهدون سكانها.

حكومة العالم لا تقف مكتوفة الأيدي أمام القراصنة، بل تتعامل معهم بمنطق البحث عن التوازن لا بدافع إزالتهم التامة. هي طبعا تسعى إلى حماية الجزر التابعة لها منهم، ولكن تفسح لهم المجال في الجزر غير الخاضعة لسلطتها. هكذا ظهر الأباطرة الأربعة، وهم أربع قراصنة أقوياء يملكون أساطيل كبيرة ويتحكمون في مجالات شاسعة، حكومة العالم غير قادرة على مواجهتهم فتُفسح لهم المجال لأنها تعتبر أنهم لا يشكلون خطرا عليها طالما ضلّوا على حِدة. لفرض هذا التوازن، تحالفت الحكومة مع سبعة قراصنة يُعرفون بأمراء الحرب، وهم قراصنة تسمح لهم حكومة العالم بمواصلة نشاطاتهم دون ملاحقة طالما يأتمرون بأوامرها عندما تحتاجهم. وفي عدة حالات نرى أن أمراء الحرب يستغلون هذه الامتيازات ليعيثوا في الدنيا فسادا. 

البروباغاندا وتزييف المعلومة


لو كان النظام قائما فقط على القمع بالقوة لانهار في فترة وجيزة، ولكن ما نراه في عالم وان بيس هو أنّ حكومة العالم دائما ما تستعمل البروباغندا لتزييف الوعي الجماعي؛ فكل جرائمها وجرائم أتباعها تُطمس في الإعلام و يقع فقط التركيز على جرائم القراصنة. ولو قام قرصان بعمل بطولي، فإما أن يتحول إلى إجرام في نظر الإعلام وإما أن يقع نسبه إلى البحرية. هذا ما حصل مثلا في مملكة أراباستا، عندما أنقذ لوفي المملكة من أمير حرب يعرف بكروكودايل، كان يبحث عن الاستيلاء على الحكم بإغراق المملكة في حرب أهلية وتدمير جيوشها ليأتي كمخلص في النهاية. بعدها أتى إعلام الحكومة لينسب هذا العمل البطولي لقائد البحرية سموكر. ولعل أهم مثال على طمس الحقيقة من قِبل حكومة العال هو القرن المنسي، وهي حقبة من الزمن وقع حذفها من صفحات التاريخ، كلّ ما نعرف عنها حاليا في القصة أنها الفترة التي تشكلت فيها حكومة العالم بشكلها الحالي، ولكن البحث فيها يُعَدّ من المحرّمات التي لا تغفرها حكومة العالم بتعلة أنه قد يؤدي إلى إعادة اكتشاف ما يسمّى بالأسلحة العتيقة القادرة على تدمير العالم. ولمّا قام مؤرخو جزيرة أوهارا بخرق هذه القاعدة ووصلوا إلى اكتشاف حقائق مهمة عن تلك الحقبة، تفضح أصول هذه السلطة، قامت البحرية بإبادة تلك الجزيرة بأكملها لا المؤرخين فقط. فمجرّد وجود شخص واحد يعرف الحقيقة يمثّل تهديدا وجوديا لهم، لذا لم يسمحوا حتى للمدنيين بالهروب. هكذا تُبقي حكومة العالم الناس في الجهل وتُغرقهم بالأكاذيب حتى لا ينتفضوا ضدها.

المقاومة في وان بيس

“متى برأيك يموت الإنسان؟ عندما تخترق رصاصة قلبه؟ لا! عندما يحتسي شرابًا سامًا؟ لا! عندما يصاب بمرض لا علاج له؟ لا! يموت الإنسان عندما ينساه الآخرون”. تجسّد هذه المقولة، لصاحبها هيرولوك، فكرة العزيمة المتوارَثة التي يطرحها وان بيس، فالمقاومة في هذا العمل ليست فقط عملا بطوليا يقوم به شخص لنبل أخلاقه فحسب، بل هي تراكم لأفعال نضالية تنتقل من جيل لجيل وتلهم الناس. ليس مُهمًا الفشل، المهمّ هو أن لا تسقط فكرة المقاومة، على كل جيل أن يأخذ المشعل من الذين أتوا من قبله وأن يستمرّ في المقاومة. أن يضحّي الشخص بنفسه من أجل التحرّر ليس مأساة، بل هو شعلة أمل يقذفها في قلوب الذين من بعده، ورأينا في كثير من المناسبات شخصيات ضحت بنفسها وورّثت عزيمتها لمن بعدها ليؤدي ذلك إلى التحرر فيما بعد. 

ولقتل هذه العزيمة تعمل حكومة العالم على غرس فكر “واقعي” في الناس، يدفعهم إلى الرضا بالواقع وعدم التمسك بالأمل، فالعالم معقد والصعوبات كثيرة ويجب أن لا نحلم كثيرا. وتأتي هنا إحدى أجمل المقولات في العمل كلّه للرد على هذه الفكرة : “هذا العصر الجديد الذي يتحدثون عنه مجرد هراء، العصر الذي تنتهي فيه أحلام القراصنة ؟! إييه؟! أحلام الناس… لاتنتهي!! أليس كذلك ؟ بإمكانهم السخرية منّا كما يشاؤون، فعندما تكون القمّة هدفك ستقابل خصومات لا تحتاج الخوض فيها، ألستُ محقا ؟” تدفعنا القصة إذا إلى عدم فقدان الأمل في أية لحظة و أن نواصل الكفاح من أجل أحلامنا حتى وإن كانت الصعوبات جمة. هي نفي تام للواقعية التي يدعوننا إليها، وكأن القصة تقول لنا أنّه بإمكاننا الحلم بعالم أفضل! هي طبعا لا تتجاهل فكرة موازين القوى، فلوفي كثيرا ما يفشل لتهوره ولعدم جهوزيته لمواجهة التحديات، ولكنه دائما ما يتأقلم ويعيد المواجهة بعد أخذ التدابير اللازمة للنجاح.

لوفي والتحّرر

لوفي ليس بطلا بالمعنى الكلاسيكي. فهدفه ليس إنقاذ الناس في المطلق، بل هو دائما مدفوع في أفعاله بأغراض شخصية، وهذه حجّة يعتمدها الكثير من محبي وان بيس لكي يقولوا أنه ليس عملا مسيّسًا، ولكن في الحقيقة، تصرفات لوفي تثبت عكس ذلك تماما. أولا، كلّ قارئي العمل يلاحظون أن لوفي يصادق المضطَهدين بسهولة، وعندها يتبنى قضاياهم ويقوم بالمستحيل لمساعدتهم لو أبدوا رغبة في المقاومة، بل هو يحفزهم عليها. فلما سُجن لوفي في وانو، بلاد الساموراي، وحاول أن يقاوم سجانيه، طال القمع كل المسجونين الذين أبدوا سخطهم من أفعاله، فخاطبهم: “الساموراي الذين أعرفهم كلهم أقوياء، أما أنتم، فقد تم تدمير عزائمكم، تفعلون ما يُطلب منكم وتتلقون وجباتكم الضئيلة، يعطونكم فقط ما يكفي كي لا تموتوا، وتسمون ذلك حياة ؟!” 

لوفي لا يساعد من لا يطلب مساعدته، فهو يعتبر أنه لا يمكن أن يحارب من أجل من لا إرادة له في التحرّر، إذا قبل أن يقوم بأي عمل عنيف يحاول أن يُلهم الناس بالقتال والنضال. نعم هو لا يساعد إلا أصدقاءه، ولكن أليس هذا هو النضال ؟ أن نكون معنيين بقضايانا وقضايا محيطنا ؟ هل يجب على لوفي أن يحرّر بلدانا لم يسمع عنها قط حتى يُسمّى فعله سياسيا؟ لوفي ليس منظّرا ولا مفكّرا. بل لديه فهم فطري للعدالة الاجتماعية التي يحارب من أجلها، فلما سُئلَ عن العالم الذي يريد أن يشيّده أجاب :”أريد عالما يأكل فيه أصدقائي قدر ما يريدون”. 

هي أفكار بسيطة لا نحتاج إلى دكتوراه كي نفهمها، هي العدالة كما تربّينا عليها، ولكن السلط اليوم تريد إقناعنا بقبول الإبادة والتجويع والتفقير التي تعيشها شعوبنا، وهي نفس حجج وأفكار حكومة العالم. نعم، وان بيس سياسي بامتياز، ومن البديهي إذا أن نرى قصة بمثل هذه الرمزية تعيش نجاحا غير مسبوق وأن نراها تعبّر عن سخط الجماهير في الاحتجاجات. أعتقد أنّ على محبّي وان بيس استخلاص كلّ هذه العبر وأن يرثوا عزيمة الكاتب الذي أراد تغيير الواقع بقصّته، فلعلّ تحرّرنا من الظلم الذي نعيشه في ظلّ هذه المنظومة الأمبريالية هو كنز الوان بيس الحقيقي.

مقالات ذات صلة