ربما تكون هذه الشهادة هي التعبير الأقرب عن تأثير مسلسل التغريبة الفلسطينية والرجّة التي أحدثها في الوجدان العربي سنة 2004. لقد مثل المسلسل إنعاشا لذاكرة الأجيال القديمة التي عايشت النكبة والنكسة وكافة انكسارات القضية الفلسطينية، كما مثلت للناشئة بناء لذاكرة جماعية تجابه القبر ولوعي يواجه الكيّ. هي شهادة تاريخية تسرد معاناة الفلسطيني.
عدت في هذا السياق، سياق الإبادة المستمرة وحديث مجرمي الحرب وزبانيتهم عن تهجير الغزاويين والإفصاح الفج عن نوايا إنهاء القضية، إلى مشاهدة التغريبة الفلسطينية كأقرب الأعمال الدرامية إلى حقيقة فلسطين، أو كعمل دراميّ وحيد تعلّق بقضية فلسطين.
التغريبة الفلسطينية الذي حاول أن يحاكي المعاناة الفلسطينية منذ الثلاثينات، أي تحت وطأة الانتداب البريطاني، مرورا بتوافد العصابات الصهيونية واشتداد المجازر والتهجير القسري، وصولا إلى عذابات المخيّم، لم يكتف بالتناقضات الكبرى. تلك التناقضات التي يدركها الجميع أو التي يتحدّث عنها الجميع، والتي حوّلها الكثيرون إلى مجرّد شعارات استهلاكية تسويقية. بل أنّه كشف اليوميّ المُنهك، ورسم حدود التناقضات الثانوية والصغيرة التي لا نوليها أهميتها الكُبرى في تشكيل الوعي الوطني الفلسطيني، وفي سيرورة الرحلة الطويلة والمريرة نحو نيل فلسطين لحريتها.
ما قبل التوافد الصهيوني: رسم دقيق للإقطاع
لم يختر المخرج الراحل حاتم علي محور شخصياته بشكل اعتباطي محايد، بل أنه انحاز منذ البداية عبر اختياره عائلة أبو أحمد، كعائلة من الفلاحين الفقراء تقطن شمال فلسطين.
هذه العائلة التي تواجه جبروت الإقطاعي في الحلقات الأولى “أبو عائد المختار” تشقها تناقضاتها الخاصة وصراعاتها النفسية وارتباك طموحات أفرادها. تجد نفسك إذا تنحاز منذ البداية، لا لشخصية فقط، بل لخط فكري وسياسي ولنظرة للعالم. ففي حين يحمل أبو أحمد على عاتقه مصلحة العائلة والجماعة، تجد الخط الواقعي والانبطاحيّ متجلّ منذ البداية في شخصية مسعود. ذلك الرجل الذي أبدع، بسيناريو العبقري وليد سيف، في واقعيته، فأتى بأمتن الحجج وأشدّها صلابة حتى تكاد تقع في شراكه، قبل أن تُترجم فردانيّته بعد ذلك بشكل منفّر.
لم تَخلُ الحلقات الأولى أيضا من ثنائية المدنيّ والريفيّ، قبل أن يُصبح هذا الريفيّ لاجئا فيحتدّ المشهد ويصير أكثر قتامة.
مثّلت ثورة 1936، أي الثورة الفلسطينية الكبرى، أول تحوّل سريع في النسق الدرامي، وتحوّل “الكائد”، أي القائد بالنطق الفلسطيني، أبو صالح إلى شخصية محورية تستمد مشروعيتها المجتمعية من بندقيتها ومن كاريزمتها الجبارة التي طفت على السطح. لم يكن من الممكن إيجاد ممثل أفضل من جمال سليمان بالتأكيد لأداء هذا الدور. أبو صالح الذي سيتحوّل لاحقا إلى فلسطين الرمزية. يعكس التحولات الاجتماعية والنقلات السياسية والانتصارات والانتكاسات العسكرية، والنهاية التراجيدية لجيل النكبة.
تحوّل أبو صالح إذا إلى قيادي الثورة التي يُعاقب باسمها ويُعدم باسمها العملاء والخونة وصار يحظى بتقدير وطاعة الجميع. وقلبت الثورة المنزلة الاجتماعية، ولعبت بالتناقض الطبقي، فصار الإقطاعي خاضعا لسلطة الثائر، إلى حين…
النكبة والنكسة: الوهم والوعي بالكارثة
استوى حال جميع الشخصيات، فصاروا على قدر من المساواة، والأصح أنهم صاروا على قدر من البؤس والمعاناة، بفعل التهجير القسري. هنا تحضر رويدا رويدا مظاهر اللحمة في مواجهة الكارثة والمستجدات وتبرز ملامح التضامن الفلسطيني. طبعا لم ينس حاتم علي أن يُصوّر بشكل خاص المعاناة المضاعفة التي عاشها كبار الملاكين عبر شخصية أبو عائد الذي فقد وجاهته وسط زحام الخيام.
في هذا السياق، سياق المخيم، تطغى عبقرية الحوار، حوار وليد سيف، الذي لم يكن مجرّد كلام يُقال لملأ الفراغ أو من أجل الفهم، هنا تتدخل الفلسفة والسياسة بشكل مُبهر. حوارات عن واقع الجيوش العربية بعد كل تدخل وهزيمة، بعد كل زغرودة ونواح، عمّا يعنيه الثبات على الأرض. حوارات عن الأصالة والتحديث والآخر، وعن معاني الوطن…
ويلعب علي، أي تيم الحسن، دوره لا كممثل فحسب، بل كراو يسرد الأحداث، ويجتر الخيبات، ويتلعثم ويضيع وسط ركام الأسئلة.
لم يكن تيم الحسن في هذه المشاهد سواء تعبيرة وانعكاس لمونولوغ حاتم علي، وجرأة على التصريح بالشك في الزيف، زيف الشعارات والمسلمات، وقدرة هائلة على النقد اللاذع والساخر لكل ردات الفعل طوال فصول المأساة الفلسطينية.
لم يكن المسلسل ليكون على ذات الشاكلة، لولا الأداء الخرافيّ لمن أدى الدور، في خلطة سحرية بين نجوم الدراما السورية وعمالقة الأردن.
صرح حاتم علي ذات حوار، معلقا على كواليس التصوير، “كان مدهشا جدا أن تسمع شهقات بكاء حقيقي”
حسن، وهو باسل خيّاط في بداية أعماله، هو الأخ الأصغر، عنوان التضحية، حين قدّم أخاه ليتعلّم على حسابه، أن المخيم لم يكن ليقدم فرصة لأكثر من طفل واحد، وعنوان التمرد، حين واجه الأخ الأكبر لأجل من يُحب في وسط فلاحي محافظ.
أبو أحمد، وهو العظيم خالد تاجا، ذلك الشيخ الذي كسرته النكبة، فلم يستوعب استمرار الحال وتبدّله وظلّ يحلم بالأرض المسلوبة، ولم يستوعب استشهاد حسن من بعدها. بكاء خالد تاجا في أحد اللقطات هي حرقة فلسطين خالصة.
أم أحمد، وهي الممثلة الأردنية جولييت عواد، التي كثفت الأم الفلسطينية وجسدت دور القلق الدائم والحيرة اللانهائية، والثبات أيضا.
ورغم أدائها المميز في مسلسل التغريبة الفلسطينية، وهي من أولى الممثلات العربيات التي درسن المسرح والإخراج زمن الاتحاد السوفياتي، صرحت جولييت في أحد اللقاءات باكية “ لم نرتق إلى مستوى المرأة الفلسطيني”.
ينتهي المسلسل، بمشهد رشدي وهو يختار بندقيته على حساب قبوله للدراسة في الجامعة الأمريكية ببيرت.
ويبدو أن حاتم علي قد حسم المسألة آنذاك. وربما من حسن حظه أنه غادرنا منذ ما يقارب الخمس سنوات كي لا يعيش زمن الإبادة والغدر، زمن الانبطاح والعجز، وكي لا يرى شهيده حسن، يقوم بإعلان لشركة “ديور” الداعمة لكيان الاحتلال في ذروة الإبادة والدعوات لتفعيل المقاطعة الشعبية والشاملة.
لم يحض المسلسل بهذا القدر من القبول لأن حاتم كان مخرجا بارعا، أو ناقلا أمينا للحدث، بل لأن ابن النكبة صوّر النكبة، بعينين ملؤهما الدموع، وبقلب مفتوح منذ ال48، وبعزيمة الفدائي.
صحيح أن المخرج الراحل لم يعاصر النكبة وصحيح أنه لم يكن فلسطيني الجغرافيا، ولكنه ابن الجولان المحتل فعايش نكبته الخاصة وكتب عن نكبتنا جميعا.
لقد عرف معنى الفقد والمنفى منذ نعومة أظافره، حين يرى الطفل أرضه تُصادر وذاكرته تتشظى فيصبح مهووسا بالسرد وبالتوثيق وبتحصين الذاكرة من رصاص العدو ومن غدره وتزييفه. لذلك لم تكن التغريبة موضوعة خارجية أو مسألة غير مباشرة، بل كانت جزءا من لحمه الحي، ومن دمه. وحين كانت كاميرا النكبة تبحث عن الحقيقة الموجعة، كان حاتم علي يبحث عن الجولان، عن الأرض والأم .
لم يكن هذا العمل الدرامي عبقرية فردية، أو بطولة أحادية، بل هي ثمرة الشراكة الاستثنائية التي جمعت نص وليد سيف، المفعم بالعمق الإنساني، وكاميرا حاتم علي التي جعلت من الاثر المكتوب نبضا حيا.
هذا الأثر الخالد في الوجدان العربي، جعل من المسلسل، مرآة للتاريخ، وصفحة من ذاكرة الشعوب العربية، وملحمة تحررية مستمرة لشعب الحبّارين.
ريشة ناجي العلي، وكتابات غسان كنفاني، وسرحان توفيق زياد، وتغريبة حاتم علي، وبندقية المقاومة، وصبر الغزاويين في وجه الإبادة: تلك هي فلسطين
