تتميّز سياسات الدولة التونسية منذ عقود باغتيال الرمزيات ومحوِها، وطبعت بذلك سلوكاً لدى شريحة واسعة من الأفراد، لتُختَزَل في الممارسة اليومية من تنبير على كل فكرة او مبادرة بالقول : “تي موش كان… راو خيرلك؟”. “اي، ومن بعد؟ وين عندك توصل؟” في محاولة لتكبيل القُدرات وبشكل آخر يُقال: “تحبّ تعمل حاجة في حياتك او في ها البلاد؟ يعني احنا الكل ڤاعدين وانتي خير منا؟ اركح وخلينا الكل في نفس المستوى المقوّد. “
تهوُسني في هذه الأيام صدمة تلقيّتها عند عودتي إلى تونس لأول مرة بعد غياب دام ثمانية سنوات وثورة، كما أقول دائما، وذلك في صيف 2017.
عدت بعد نجاح الثورة المضادة بينما اني لم اعش مسار تكريس الإحباط بنفس العمق الذي طال بقية التونسيين في الداخل.
“يا شعب تونس العظيم، يا توانسة يلّي ظلموكم، يا توانسة يا إلي هجّروهم” :
انت مُلهمٌ: انتفض العالم العربي بشرارة البوعزيزي.
انت مُلهمٌ: التففت حول القافلة والأسطول ورحلت معك كل القلوب إلى غزة وآمنت بامكانية كسر الحصار وساهمت في هذا المجهود بسخاء.
لا يمكن نكران الكسر الممنهج لرمزية كل فعل بطولي او ملهم، والمعاقبة والحكم الأخلاقي، بتحريف التاريخ وتغيير السردية ومنها الوعي والعقلية، لتبقى حصرا لدى المسيّسين والشاهدين او المساهمين في الملاحم. لا نكاد نمجّد شهداءنا ولا نذكر أبطالنا ولا نكاد نتغنّى بهم، ولا نسمّي اولادنا بأساميهم، ولا نكاد نرى قميصا عليه اعتصام القصبة او “الرديّف 2008” او صورة محمد البوعزيزي. الأوّلان شبه مغيّبين من المخيلة الشعبية والرمز الأخير مُشوّه، هو وعائلته. كما لا نهتمّ بسِيَر الملهِمين من أبناء شعبنا والفنانين المبدعين.
التشويه له كإحدى النتائج الأولية تحييد المخيّلة، ثم الثني عن اي مبادرة وتنتج عنه خصوصيات ثقافية كانتشار ذلك الأسلوب الشائع والحقير (واعني هنا “التنبير”) الذي يُسلَّطُ على كل من يُقدّم فكرة جريئة او جديدة.
كنت متابعة وعلى علمٍ بان تم تجريم الفعل الثوري في 2011، وسجن المنتفضين واعتبارهم مخرّبين، ومحو روايات شجاعتهم ونضالهم وذلك بصياغة وتعميم سردية تمحو البطولات. اعلم ذلك بحكم مشاركتي في عديد الحملات الرقمية المطالبة بحريّتهم.
تحوّل جرحى الثورة الأبطال بفعل تزييف السردية إلى حالات اجتماعية وحتى شهداء جرّاء الإهمال المتَعمّد بعد تعمّد نزع الصبغة البطولية عنهم.
تم اليوم إيقاف مناضل فرنسي هو زوج المناضلة المسنّة أوليفيا المحاكمة لمساندة فلسطين التي كرّست حياتها من اجلها، في سياسة ممنهجة للدولة الفرنسية لتكميم الأفواه وتجريم التضامن مع القضية، والأسبوع الماضي تم اتهام المناضل آليكس بالارهاب تكريساً لنفس المنهج. نفس الشىء يحدث في الأردن ومصر وغيرها من البلدان المتواطئة مع الاحتلال.
نحن هنا أمام مشهد يعبّر فيه اصحاب القرار عن سياساتهم، واصطفافهم مع العدو.
عودةً إلى تونس، لِنُذكّر ان المشاركة التونسية في الأسطول العالمي لكسر الحصار على غزّة هي مبادرة استثنائية في ظرف استثنائي تَمت مساندتها من السلطة بالتغاضي عن الشكليات والقوانين، وهي اليوم تُحاكم بحذافير القانون، و متى؟ بعد اشهر عديدة من التمهيد بالتشويه العنيف الممنهج والمسيّر .. التهمة إذا ليست تشكيل وفاق، بل نُصرة فلسطين.
لنفترض انه كان هناك سوء تصرف في الأموال فالمفروض ان كانت النية حسنة وعملا بنفس المنهج المُتّبع سابقا من التغاضي، ان يتم التحذير وتسهيل العمل في الأسطول القادم، بتقويم الأخطاء والمساعدة على التنظيم بشكل مطابق للقانون والتراتيب وتوفير مرافقة ادارية من اجل تحقيق ذلك. لكن القرار كان العمل على اجهاض المشاركة التونسية في الأسطول.
لا يمكننا ان نواصل سياسة محو الذاكرة والتزييف وتقزيم الذات وتغيير السرديات لافراغنا من تاريخنا ومن القدوة البطولية لمناضلينا وشعبنا في كل مرّة يُقدم فيها على فعل نضالي او ثوري.
الحرية لمن بادر ومن ضحى ومن تعب من أجل كسر الحصار.
الحرية لمن تَجاوز من اجل كسر الحصار
الحرية لمن دفع وسيدفع أغلى ما لديه لأسمى القضايا.
الذاكرة تُكتب في كل لحظة، والذاكرة جزء من تشكيل الوعي والذات والمستقبل، لنحافظ على ذاكرتنا ورموزنا، ولندافع على عناصرها.
