هل تغيّر موقف السلطة من قضية إسناد فلسطين؟

09/03/2026
WhatsApp Image 2026 03 09 at 16.48.42

الجزيرة نت

ربما كانت نيّة بن علي سنة 1987 إنقاذ البلاد من فوضى قادمة… وربما كان بورقيبة، من قبله، معنيًّا بفلسطين إلى درجة أنه اعتقد وآمن، في خطاب أريحا، بحلّ الدولتين كتكتيك لمواصلة النضال من أجل استرداد كامل الأرض. وبنفس المنطق، قد “تحبّ” السلطة الحالية، المتمثّلة في أعلى هرمها، فلسطين كما لا يحبّها أحد. أقول ربما لأننا نعجز عن قراءة النوايا، ولأن السياسة لا تُبنى، على كل حال، على محاولة قراءة النوايا، بل على تحليل النتائج لا غير.

إن الحديث عن تغيّر موقف السلطة السياسية الحالية من قضية فلسطين ومستجداتها لا يمكن تداوله دون الرجوع إلى كل ما هو ماديّ وملموس من إجراءات وأفعال وبلاغات رسمية خلال السنتين الماضيتين، وإلى المتغيرات الإقليمية والعالمية التي تحيط به.

في سنة 2019، في زمن السلم المغشوش، لم تكن مقولة “التطبيع خيانة عظمى” لترتقي فوق جدار البحث عن رصيد انتخابي يؤازر بقية مفاصل الدعاية المعتمدة، من قبيل نظافة اليد والنية في محاربة الفاسدين، وحشر السياسة والسياسيين في زاوية انتهاء الصلوحية. إن مبدأ التكرار هذا — تكرار المقولة المذكورة — جعل من المعالجة الذهنية الجماعية أسهل، بل وشعر الكثير منا بأنها مألوفة و”صحيحة”. صحيحة بمعنى الترجمة العملية التي ستأتي لاحقًا. وسُجّلت بذلك النقطة الأولى في الدعاية السياسية للسلطة الصاعدة إلى قصر قرطاج.

بعد ذلك ظلّ الاختبار العملي لمدى جدية الخطاب ضعيفًا، فالسياق المحلي اتّسم بنقاشات وسجالات أخرى لا تقل أهمية، خاصة مع احتكار كل السلطات في 25 جويلية 2021. وواصلت السلطة تسجيل نقاط أخرى تُرضي مرحليًا قاعدتها الشعبية، عبر ضرب السياسيين الذين عاثوا فسادًا في البلاد والعباد، ومهاجمة المحتكرين المتآمرين على “سيادتنا”.

ومع فجر السابع من أكتوبر 2023، كان الاختبار أكثر دقة وحساسية.

والحق يُقال إن فهم اللحظة من قبل السلطة السياسية — بما يخدم مصالحها — لم يكن سيئًا بتاتًا، وكذلك إدراكها لما سيتبع تلك اللحظة من امتداد زمني للحرب الإبادية، وما ستكون عليه الحال في بلد انخرط شعبيًا منذ سنة 1948 في تبني قضية التحرر الوطني في فلسطين. فسارعت السلطة إلى إصدار بيان ممتاز من حيث الصياغة والمضامين. بل إن البيان، الذي ربما اعتقدت السلطة أنه سيجنبها “وجيعة الرأس”، رفع سقف الطموحات وجلبها إليها بوتيرة أسرع.

وكان السقوط السياسي الأول يوم 2 نوفمبر 2023 تحت قبة البرلمان، حين تم إسقاط قانون تجريم التطبيع بشكل قاطع وصريح. وكان الأسوأ من إسقاطه خطاب رئيس الجمهورية يوم 3 نوفمبر (أي بعد يوم من إسقاط مشروع القانون، وحديث بودربالة عن اتصال الرئيس به).

بعد ذلك تواصل غياب الفعل العملي الملموس، وتعالت أكثر وسائل الهيمنة الثقافية من خطاب رسمي ووسائل إعلام، والتحقت مجاميع من الليبراليين بهذا الحلف تحت بند عريض: “مصلحة تونس قبل كل شيء”. والهدف هو خلق حسّ جماعي مشترك عبر إنتاج الخطاب ذاته وتكراره وإعادة إنتاجه في كل مرة. بل إن “الحقيقة الجديدة” التي خُلقت هي أنه لا سقف أعلى من سقف الرئيس، ولا مزايدة على السلطة في تبني قضية فلسطين. فماذا أنتم فاعلون والرئيس قد كرر للمرة المليون أن التطبيع خيانة عظمى؟

وبذلك سُجّلت نقطة ثانية للسلطة: خطاب صار مرجعيًا في علاقة بقضية فلسطين، وإجراءات عملية غائبة لا تُفسد ودّ الأمريكيين وحلفهم الرجعي في منطقة الخليج أساسًا.

وما زاد أريحية للسلطة ولمعارضتها “المتفهمة” هو بشاعة الموقف العربي المحيط بنا. وظل القاسم المشترك بين الأنظمة جميعًا النزعة الانعزالية القُطرية، رغم اختلاف القشرة الخارجية. فجميعها جعل من “الأمن القومي” (الأمن القُطري) مطية لتغييب الفعل.

في المقابل، وُجدت حقيقة لا يمكن إنكارها، وهي أن الحركة من أجل فلسطين خلال السنتين الماضيتين خلقت تعقيدًا متواصلًا للدولة بمختلف مكوناتها من خلال الحفاظ على نسق احتجاجي مساند لفلسطين. وتنوعت هذه الحركة من الوقفات الهادئة غير المقلقة في شارع الحبيب بورقيبة إلى التواجد المستمر أمام السفارة الأمريكية.

وإن كانت السلطة قد أُصيبت بالإحراج السياسي، فإن جزءًا من الأجهزة الصلبة (ما يسمى بالدولة العميقة) تملّكه سخط عارم لانفلات الأمر عن طوعه في لحظات، فسعى إلى شدّ حبل التناقض الداخلي لصالحه في كل مرة.

ومع زخم الأسطول والقافلة بعد ذلك، وهول ما يحدث في غزة وبقية المنطقة، والحماس الشعبي لمساندة هذه المبادرات، أُجبر الجميع على التبني أو على السكوت في الحد الأدنى. فمن زاوية المسؤولية ألقت السلطة، في القافلة، بثقل الأمر على جارتها ليبيا المقسمة والمفتتة قبل أن يصل الأمر إلى النظام المصري.

فرغم الاستقبال المهيب من قبل شعبنا الليبي لقافلة الصمود — ونحن لا نتوقع دون ذلك من كرم ونخوة — فإن التوقعات بانتهاء التجربة من قبل حكومة الشرق كانت شبه مؤكدة نتيجة الضغط المصري وعلاقة حكومة الشرق بالمحور الإماراتي. فكانت السلطة في تونس “داخلة في الربح وخارجة من الخسارة”، إن صح التعبير. وربما عوّلت على أن مكسب الدعاية الجديدة القائم على أن “تونس مع فلسطين شعبًا وجيشًا وداخلية وسلطة وديوانة وحرسًا ونظامًا…” سيغطي كلفة قد تأتي من الإدارة الأمريكية المختلة، والتي لن تتجاوز “قرصة أذن”.

نفس المنطق تقريبًا قاد التعامل مع أسطول الصمود، لكن النظام غامر بدرجة أكبر مع استقبال الوفود العربية والأوروبية في تونس، وهو ما يفسر ضرب العدو الصهيوني لسيدي بوسعيد بغية التخويف وتعطيل الخروج. ولكن، مع ارتفاع درجة المغامرة والخطورة، تزداد أيضًا الأرباح الدعائية والرمزية.

ورغم ذلك، فإن النظام ذاته والسلطة ذاتها والأجهزة ذاتها ربما تعدل عن مغامرتها تلك لو عاد بها الزمن خطوة إلى الوراء. بل إنها عدلت عنها فعليًا من خلال منعها لأسطول ثانٍ في الأيام القادمة. أما الأجهزة الغاضبة أساسًا فقد سمحت، منذ اللحظة الأولى بعد عودة الأسطول، بانطلاق دعاية “الوطنيون الجدد” لتشويه الأسطول. وها هي اليوم تشن حملتها المعتادة ضد “اللصوصية” و”الفساد”: شمّاعة كل فعل يدخل حقل السياسة.

لنأتِ الآن إلى البيان الأخير لوزارة الخارجية، الذي يتعرض لما يحدث في المنطقة. فالعدوان على إيران يدخل في صلب قراءة القضية العربية ومتغيراتها ونتائج العدوان السابق على غزة ولبنان واليمن والعراق، ويستشرف علاقة تونس بمختلف المتدخلين في هذه الحرب.

ولو حاول من صاغ البيان أن يدلي بأسوأ المواقف سياسيًا وأخلاقيًا لما كتب أسوأ مما كتب. فالبيان قفز — قصدًا لا سهوًا بطبيعة الحال — عن العدوان الصهيو-أمريكي المتوحش على الأراضي الإيرانية وسيادتها، وندد بردة الفعل التي استهدفت دول الخليج. وللدقة، فقد استهدفت القواعد الأمريكية في دول الخليج حتى الآن. وهو ما ينذر بدخول بيت الطاعة الأمريكي قريبًا رفقة “الشقيقة الكبرى” التي واصل نظامها الانحدار والهبوط من سلّم مواقفها التاريخية.

والآن: ما هي معالم المحصلة؟

  • امتناع عن تجريم التطبيع (حتى على طريقة تعديل المجلة الجزائية) مع مواصلة نهج الشعارات الرنّانة.
  • استيعاب/استثمار جيد للحراك المساند لفلسطين، وتصليب للدعاية السياسية التي لا يُشقّ لها غبار.
  • التفاف على المبادرات التي سمح بها النظام في أوقات سابقة وتقديم مسؤوليها قرابين.
  • ملامح لحسم التناقضات الداخلية لصالح الأجهزة الصلبة الساعية إلى الانقضاض على مواقعها التي فقدتها قبل انتفاضة 2011.
  • رضوخ للإرادة الأمريكية الساعية إلى كسر شوكة كل دول الوطن العربي والمنطقة عامة، وإغلاق ملفات التحرر والسيادة الحقيقية للشعوب على مقدراتها.

هل كان موقف السلطة السياسية “مشرّفًا” كما قيل؟ ربما، إذا ما قارنا السيئ بالأسوأ ووضعناه بجانب قمامة الموقف العربي الرسمي من حرب الإبادة. هل ارتقى إلى مستوى المجزرة الحاصلة وإلى تطلعات شعبنا ومصلحته الحقيقية المرتبطة بمصلحة الشعب العربي والجنوبي؟ كلا. بل استوعب الأحداث وجاراها بمرونة لن تجنبه الخطر القادم.

هل تغيّر موقف السلطة منذ بداية الأحداث؟ نعم، إلى الأسوأ. كما هو الوضع عامة. وهو ما يفرض إزالة أي وهم يعوّل على هذه السلطة لتحصيل ما نبتغيه.

مقالات ذات صلة

  •           لحظة حياة من قلب الدمار: حوار مع المخرجة ميّ سعد

    على هامش أيام قرطاج السينمائية، في دورتها الـ36، التقى موقع انحياز بالمخرجة المصرية ميّ سعد في حوار حول الفيلم الوثائقي…

    أدب وفنون

    WhatsApp Image 2026 01 05 at 16.32.08
  • مخططات ترامب.. وسياسة فرض السلام من خلال القوة وخططه المفخخة

    منذ اللحظة التي اندلعت فيها الحرب على قطاع غزّة، بدا واضحًا أنّ دونالد ترامب، الرئيس الأميركي العائد بقوة إلى المشهد…

    رأي

    WhatsApp Image 2025 12 05 at 18.36.49(1)
  • من أجل غزة والسودان وكلّ الأوطان: “كتلة تاريخية” ضدّ الطغيان!

    تتسارع الأحداث في المنطقة العربية بالفترة الأخيرة، وتصبّ جميعها في اتجاه أساسي: محاولة العدو الأمريكي الصهيوني الاستفادة استراتيجيا لأقصى حدّ…

    بلا حياد

    Whatsapp image 2025 11 05 at 19.56.34
  • صوت الحصار: حين يصبح الصّمود وحده الحرب الممكنة

    1 هل هذه القضيّة جديرة منّي بتضحية مثل هذه؟ سؤال بحجم جريمة، يفرش ممرّا فسيحا للخيانة، طرحه على نفسه "رازوموف"…

    رأي

    Whatsapp image 2025 11 04 at 14.15.41