قطاع الفسفاط في تونس-3: الصراع الطبقي صلب الدولة التونسية

10/12/2025
WhatsApp Image 2025 12 10 at 20.25.01

كانت الظروف السياسية والاجتماعية لنشأة الدولة التونسية المستقلة متمثلة في التالي:

  • قوى إنتاج ضئيلة القدرات تقنيا وضعيفة الحال اقتصاديا وقليلة الحيلة سياسيا،
  • قوى استثمار متخلفة وتابعة، لا تقوى على إعادة إنتاج نفسها اجتماعيا حتى تتقلد السلطة السياسية أصلا،
  • طبقات وسطى ذات شرعية سياسية، بحكم قيادتها لمعركة الاستقلال، وسطوة إيديولوجية، بمقتضى تحصيلها العلمي. إلا أنها كانت منفصلة ماديا عن عملية الإنتاج الاجتماعي، فكانت الدولةُ، بمؤسساتها وإداراتها، مجالَ نفوذها وهيمنتها السياسية والإيديولوجية. وهكذا تكونت بالتالي تلك الطبقة الهجينة المسماة برجوازية الدولة، التي تراكم رأس المال عبر ملكية وسائل الإنتاج العمومية (الأراضي الدولية، الشركات العمومية…).

كانت الطبقات الوسطى التي حكمت البلاد بعد الاستقلال قد مهّدت الطريق وعبّدته للبرجوازية التي استقوى عودها داخل الدولة فحازت على وسائل الإنتاج التي كان أغلبها تحت الملكية العمومية للدولة، فلم تكن، لأسفها، تحت تصرفها الحر وغير المشروط. فكان السبيل في الانقضاض على ملكيات الدولة بعد اعتماد سياسات الانفتاح على التقسيم العالمي للعمل ثم تبني السياسات النيوليبرالية.

وإثر حلّ تجربة التعاضد، تمّ التفويت مباشرة في الأراضي والضيعات الفلاحية التي كانت تحت ملكية وتصرّف الدولة لحساب الاستثمار الخاص. كما تم اتخاذ سبيل الخوصصة التدريجية لاحتكارات الدولة، فيما يتعلق بالتجارة الخارجية من تصدير وتوريد، فتكوّنت شيئا فشيئا فئات كمبرادورية، تحمل المعنى الحرفي لصفتها، قبل معناها السياسي1.

كانت فترة الانفتاح محكومة أيضا بانسحاب مؤسسات الدولة التدريجي من مهام الإنتاج تخطيطا وتنفيذا، تمهيدا للانسحاب اللاحق من مهام إعادة الإنتاج والتي تمظهرت بوادرها في محاولة رفع الدعم عن أهم عنصر من عناصر إعادة الإنتاج الاجتماعي: الغذاء. فكان الرد انفجارا اجتماعيا في انتفاضة الخبز سنة 1984.

هكذا تحالفت البرجوازيات العالمية العابرة للدول مع البرجوازيات المحلية الكمبرادورية، في ظل التهرئة المتواصلة للقوى المنتجة، كي يتم الضغط على أسعار المواد الأولية وعلى أجور اليد العاملة. ولم تكن بيروقراطية الدولة الخاضعة إلى سطوة الكمبرادور من العاكسين، إذ كانت الدولة التونسية تلميذا نجيبا لتوصيات المؤسسات المالية العالمية منذ ثمانينات القرن العشرين، وخلال التغييرين السياسيين الذين تلاها في 2011 وفي 2021، وصولا إلى يوم الناس هذا.

وتجدر الإشارة إلى أن سيادة الشرائح الكمبروادوية على جهاز الدولة التونسية قد مرّت بمراحل تختلف فيها شدة امتصاص القيمة والأساليب السياسية والأيديولوجية التي حكمت المسار.

ففي المرحلة الأولى من حكم بن علي، كان الهدف ترسيخ شرعية سياسية تمر عبر تحقيق استقرار اجتماعي يسكت الأصوات المعارضة للحكم. فكان الحرص شديدا على تحقيق توازن نسبي بين نهب الكمبرادور وتوجيه الدولة لبعض عائدات الإنتاج نحو إعادة الإنتاج الاجتماعي (بنية تحتية عمومية، منشآت صحية وتعليمية وترفيهية، دعم الخدمات الاجتماعية…).

ثم خلال سنوات الألفين، انفلت عقال النهب الكمبرادوري الذي تزامن مع استفحال أزمة رأس المال الاحتكاري في العالم، التي أفضت بدورها إلى الانهيار المالي العالمي والركود الكبير سنة 2007. واكتشفت العديد من الشرائح الاجتماعية الفتيّة أن تحقيق “الحلم التونسي” عبر الترقّي الطبقي من خلال الدراسة والتشغيل2، قد أصبح غير ممكن في ظل توسّع فتق الكمبرادور للنسيج الاقتصادي، فانفجرت هذه الشرائح في 2008 ثم في 2010.

ثم احتدم الصراع بين بيروقراطية الدولة والشرائح الكمبرادورية إثر التغير السياسي الذي جدّ في 2011. فبينما صارت الأولى مهدّدة في وجودها بفعل الغليان الاجتماعي والتدخل السياسي في مكوّناتها، استغلت الثانية فرصة تخلخل النظام من أجل أن تتغلغل أكثر في مفاصله. ولعلّ من أكثر مظاهر تجلّي انقضاض الكمبرادور على الاقتصاد التونسي، ونحن بصدد الحديث عن قطاع الفسفاط هنا، انتقال عملية نقل هذا المورد المنجمي من عربات القطار العمومي إلى شاحنات شركات خاصة، رغم غلاء كلفة هذه الأخيرة وتأثيراتها السلبية على البنية التحتية للطرقات وتلويثها للبيئة. كما يمكن أيضا، وبصفة عامة، ملاحظة الانخراط الكبير لرجال الأعمال في مجلس نواب 2014، والذين مثّلوا نسبة 11% من مجموع النواب3. نفس المجلس الذي دافع عن قانون المصالحة وأعاد جدولة ديون المستثمرين في الأراضي الدولية الفلاحية، إذا ما أردنا الاكتفاء ببعض الأمثلة.

ولم يكن التحول السياسي الذي حدث في 2021 سوى ردة فعل من بيروقراطية الدولة على جشع الكمبرادور الذي أصبح نهبه للاقتصاد المحلي مهددا للاستقرار الاجتماعي ولشروط استمرار النظام الاقتصادي-السياسي القائم. فكان خطاب رئيس الجمهورية تعبيرا إيديولوجيا صرفا عن تطلّعات جماهيرية هربت إلى نوستالجيا “الحلم التونسي” في مواجهة واقع عجزت فيه الفئات الاجتماعية الغاضبة من الوضع القائم، على بناء مشروع مستقبلي يتجاوز ما ثارت ضده في 2010 وما تضررت منه بعدها.

يمكننا في نهاية التحليل أن نثبّت الخصائص التالية للتشكيلتين الحاكمتين في الدولة التونسية:

تضمن بيروقراطية الدولة وجودها من خلال تحقيق التوازن بين أطراف عملية الإنتاج. فهي لا تتدخل مباشرة في عملية خلق القيمة داخل الاقتصاد، سواء كان ذلك من خلال ملكية وسائل الإنتاج أو بيع قوة العمل. بل هي متخصصة في جزء كبير من عملية إعادة الإنتاج الاقتصادي والاجتماعي للنظام القائم. أي أنها الضامنة لتواصل عملية امتصاص فائض القيمة من الطبقات المنتجة وذلك من خلال الحرص على تطبيق قوانين هذه اللعبة. فمن جهة، تقف أمام وصول الاستغلال إلى حدود الاستنزاف الذي يعيق الإنتاج من خلال التضييق على شروط إعادة الإنتاج، ومن الجهة المقابلة، تسعى إلى ضمان بعض المكتسبات للفئات المنتجة في حدود الخدمات الاجتماعية وعائدات إعادة الإنتاج، مقابل رضوخها إلى قيود العمل المأجور وعدم تملّكها لوسائل الإنتاج.

أما البرجوازية الكمبرادورية فهي طفيلية في جوهرها، أي أن وجودها في مكان ما محدد بقدر القيمة التي يمكنها امتصاصها وتحويلها إلى السوق العالمية. فلا يضيرها أن تحمل رؤوس أموالها وتنتقل إلى مكان آخر، إذا ما كانت الظروف الاجتماعية والخيارات السياسية مهددة لعملية التراكم، أو بلغة برتقالية باهتة: “مناخ الاستثمار غير ملائم”. لا يهتم الكمبرادور إذن بتحقيق متطلبات إعادة الإنتاج الاجتماعي لليد العاملة، بصفة عامة. ويعود ذلك إلى تخلف قطاع رأس المال الذي يستثمر فيه وهو رأس المال التجاري الذي يخلق فائض قيمة ضعيفا بالمقارنة برأس المال الصناعي ورأس المال النقدي، والذي يشتغل صبّاب ماء على أيديهما. فائض القيمة الضعيف هذا يجعل الكمبرادور عاجزا على مراكمة رأس المال من دون اللجوء إلى الاستغلال الشديد لقوة العمل والضغط العنيف على موارد إعادة إنتاج نفسها. فيوكل مهمة توفير هذه الموارد إلى الدولة، “أم العيال”، وعندما تعجز هذه الأخيرة، فإن على الطبقات المنتجة أن تبحث عن عشائها وحدها. وهكذا يشهد النسيج الاقتصادي برمّته، عند تحكم الكمبرادور في تشكيلة اجتماعية ما، تأخرا كبيرا من حيث ضعف قوى الإنتاج التقنية والفكرية، حيث تتحول أغلب القوى النشيطة في المجتمع إلى مجرد باعة، لا تحتاج إلى توظيف قدراتها الإبداعية الإنتاجية وتطويرها، ولا تحقق حاجيات المجتمع الاستهلاكية خارج ما يفرضه السوق من بضائع. هذا علاوة على طرد أعداد كبيرة من قوة العمل خارج الدورة الاقتصادية إما بالبطالة أو الهجرة.

ختاما،

وفي نهاية التحليل، وبالعودة إلى موضوع هذا الملف، يمكن أن نستخلص أن قطاع إنتاج الفسفاط وتحويله يمثل حالة نوعية للدرس في كونه مؤشرا على تعطّل الاقتصاد التونسي من حيث عجز القواعد الرأسمالية ذاتها التي بُنِيَ عليها، على إعادة إنتاجه، وما انجر عن ذلك من اعتداء على شروط إعادة إنتاج المجتمع التونسي.

كما رأينا أن الصيغة الإيديولوجية المتعلقة بتحديث البنى الاقتصادية والاجتماعية التي اتخذتها الدولة الوطنية منذ تأسيسها لم تكن نتاج إبداع أكبر عدد ممكن من شرائح المجتمع، مما جعلها قاصرة عن الإلمام بكل حاجياته وقدراته، وبالتالي عاجزة عن تلبية الأولى وتطوير الثانية.

وبما أن التوجهات الاقتصادية والمقولات الإيديولوجية ليست تلك المثل المتعالية عن الواقع، بل هي زبدة الصراع الاجتماعي المحدد تاريخيا ومرآة لموازين القوى داخله، فإن توازن الضعف، بين الطبقات التي سادت على جهاز الدولة، ما انفك يستدعي تعويضه بقوى اجتماعية-سياسية أكثر قربا من عملية الإنتاج الاجتماعي وأكثر قدرة على تطويره وحمايته.


1 أصل كلمة كمبرادور برتغالي (comprador) ويعني لغةً “الشاري” بينما اصطلاحا فهو يخص “الشخص الذي يعمل كوكيل للمنظمات الأجنبية العاملة في مجال الاستثمار أو التجارة أو الاستغلال الاقتصادي أو السياسي”. أصبح هذا النعت موجها إلى شق البرجوازية التي تراكم رأس المال من عمليات الوساطة بين الرأسمال الأجنبي أو العالمي والتشكيلة الاجتماعية المحلية.

https://www.britannica.com/money/comprador

2 انظر/ي:

https://izmile.blogspot.com/2025/04/blog-post_27.html?fbclid=IwY2xjawKib6VleHRuA2FlbQIxMQBicmlkETFESEQwTm40dGNwOXEyNk1sAR5zZNTF5huBViVLimrPXNDHp1qivTT-mqp4sDXglNvXfwPnZSzdnf1b4iH-QA_aem_pXIJ7utj6mHpbizeUVfeMQ

3 سميح الباجي عكاز، رجال الأعمال في مجلس النواب القادم: قوة جديدة داعمة لمصالح الأعراف، نواة،19 نوفمبر 2014:

مقالات ذات صلة

  • قطاع الفسفاط في تونس -4: ملاحق مفاهيمية ومنهجية

    نقد العقلانية الرأسمالية ونقد بعض نقدها تحاجج الفئات الاجتماعية المتحكمة في القرار السياسي والمنتفعة من مخرجاته بأن الوضع القائم محكوم…

    اقتصاد سياسي

    WhatsApp Image 2025 12 10 at 16.33.04
  • بارازيت… فيلم عن صراع طبقي

    ولكن ماذا لو كانت هذه الطفيليات تتخذ أشكالا بشرية وأجسامنا الفيزيولوجية هي طبقات اجتماعية أكثر غنا… ذلك بالضبط ما أراده…

    أدب وفنون

    Parasite3
  • رأيْ | أن ننحاز طبقيا ونكتب جنسانيتنا بلغة الشعب

    بقلم ياسمين هن أجد نفسي كلّما أردت أن أستقي معلومة في ما يخصّ موضوع الجنسانيّة والجندر أهرع إلى محرّك البحث…

    بلا حياد, رأي, هام

    محمد الأسود
  • الحراك الاجتماعي بالمظيلة “المنجميّة”: لو يذكُر الفسفاط أبناءه لصار السمَاد دمعًا.

    تقرير :الهادي الزعراوي - ولاية ڨفصة تعيش مدينة المظيلة منذ فترة على واقع الإحتقان الذي رافق التحرّكات الاجتماعية من أجل…

    الأخبار, معطّلين, نضالات اجتماعيّة, هام

    PRINCIPALE