في خضم المشهد السياسي اللبناني الراهن، يواجه لبنان اختباراً وجودياً خطيراً يتمثل في المطالب المتصاعدة داخل أروقة السلطة السياسية لتسليم سلاح حزب الله، السلاح الذي مثل على مدى عقود عاملاً أساسياً في الحفاظ على السيادة الوطنية ومواجهة الاحتلال الصهيوني. هذه المطالب التي تُرفع باسم “السيادة” و”دولة القانون” لا تعدو أن تكون استجابة للإملاءات الأجنبية، وتحيداً عن مقتضيات الشرعية الدولية والقانون الدولي العام، فضلاً عن كونها خيانة واضحة للأمانة الوطنية والمسؤولية القانونية للدولة تجاه شعبها.
شرعية المقاومة اللبنانية والفلسطينية: السلاح والحق في مواجهة الاحتلال – بين القانون الدولي والواقع المرعب
الحق في المقاومة المسلحة في إطار القانون الدولي العام
تنص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة على الحق الطبيعي لكل دولة وشعب في الدفاع عن النفس، سواء بشكل فردي أو جماعي، عند تعرضهم لاعتداء مسلح. وهو حق معترف به كقاعدة عرفية دولية لا يجوز انتقاصه أو إلغاؤه. كما أكدت الجمعية العامة في قرارها رقم 37/43 الصادر في جانفي 1983 على شرعية مقاومة الشعوب تحت الاحتلال، مشددة على “استخدام كافة الوسائل المتاحة، بما فيها الكفاح المسلح، لاستعادة الحقوق الوطنية”.
وفي ظل استمرار الاحتلال الصهيوني لجزء من الأراضي اللبنانية، وامتداد اعتداءاته الجوية والبحرية، كما حصل خلال أوت 2024 وأكتوبر 2023، فإن وجود سلاح المقاومة اللبنانية، وبخاصة حزب الله، هو ضرورة وطنية وقانونية تحكمها قاعدة الدفاع المشروع المنصوص عليها في المادة 51، وتؤكدها قرارات الجمعية العامة ذات الصلة، مثل القرار 2625 (1970) الخاص بمبادئ القانون الدولي، والقرار 3314 (1974) المتعلق بتعريف العدوان.
إزاء ذلك، فإن المطالبة اليوم بتسليم سلاح حزب الله إلى النظام السياسي اللبناني العميل، والذي أثبت استعداده لتنفيذ أجندات خارجية على حساب أمن لبنان وسيادته، يشكل خرقاً جسيماً لمقتضيات القانون الدولي وواجبات الدولة الوطنية.
تسليم سلاح المقاومة للنظام العميل: خيانة قانونية وسياسية تهدد الأمن الوطني
إن النظام السياسي الحالي في لبنان، الذي يقوده فريق يُظهر ولاءات متشابكة مع القوى الخارجية المناهضة للمقاومة، يروج اليوم لفكرة تجريد حزب الله من سلاحه، بحجة “احتكار الدولة للعنف”، في تجاهل تام لحالة الاحتلال والتدخلات الأجنبية المستمرة، والتي تحد من قدرة الدولة على فرض سيادتها بشكل فعلي.
القانون الدولي، عبر مبادئ مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة (مشروع لجنة القانون الدولي لسنة 2001)، يحمّل الدولة المسؤولية إذا ما أخلّت بواجب حماية شعبها وأرضها، أو ساعدت المعتدي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. لذا، فإن تسليم سلاح المقاومة إلى سلطة تابعة لنفوذ الاحتلال أو تعوزه الإرادة الحقيقية للردع، لا يعد مجرد خطأ سياسي، بل يمثل فعل خيانة وطنية يعرض لبنان لمخاطر وجودية ويضعه في خانة الدول المعرضة للعقاب القانوني الدولي.
التجربة العملية أثبتت ذلك، فحرب تموز 2006 كشفت محدودية قدرات الجيش النظامي مقارنة بحزب الله، الذي فرض على الاحتلال الانسحاب ومزق حساباته الاستراتيجية، وهو ما يؤكد أن سلاح المقاومة يشكل عماد ردع فعلي لا يمكن التفريط به.
أدوار المقاومة الشرعية في النظام الدولي: صمود مقابل احتلال وتواطؤ
المقاومة اللبنانية والفلسطينية كفاعل قانوني ووطني لا غنى عنه
على الرغم من عدم اعتراف بعض الأطراف السياسية الرسمية بشرعية المقاومة المسلحة، فإنها تمثل، من ناحية القانون الدولي الإنساني وقانون النزاعات المسلحة، فاعلاً شرعياً يتمتع بحق الدفاع المشروع، ويطبق مبادئ التمييز والتناسب بين الأهداف العسكرية والمدنية، كما تؤكد دراسات أكاديمية متخصصة.
وفي هذا السياق، تبرز دراسة جامعة هارفارد الصادرة في أكتوبر 2019، والتي تؤكد أن حزب الله يتسم بالالتزام العميق بقواعد القانون الدولي الإنساني، وبحرصه الدائم على احترام كرامة الإنسان، حيث يميز بدقة بين المدنيين والأهداف العسكرية، ويعمل على تجنب وقوع أضرار جانبية قدر الإمكان، مما يجعله نموذجًا فريدًا في المنطقة من حيث الالتزام القانوني والإنساني رغم طبيعة النزاع المسلح.
في الوقت ذاته، لا يتوقف الاحتلال الصهيوني، بدعم أمريكي غير محدود، عن ارتكاب الانتهاكات والجرائم التي تجعل من المقاومة الفلسطينية واللبنانية حماية قانونية وواقعية للشعوب المغتصبة.
المقاومة كضامن للأمن القومي العربي في مواجهة احتلال يستمر رغم ضعف القانون الدولي
تشكل المقاومة ركيزة أساسية في معادلة ردع الاحتلال، والتي لا يستطيع الجيش النظامي اللبناني وحده فرضها أو الحفاظ عليها، خاصة في ظل الانقسامات السياسية وانحياز بعض الفئات الداخلية للمشاريع الخارجية. من هذا المنطلق، فإن سلاح المقاومة ليس فقط حقاً مشروعاً، بل ضرورة وطنية وأمنية تحمي لبنان والمنطقة، وتمنع تفكيك الهوية الوطنية والسيادة الحقيقية.
تسليم السلاح في هذه الظروف، خاصة مع تصعيد الاعتداءات في جانفي وأوت من هذا العام، يعني التواطؤ مع الاحتلال، والتخلي عن واجب حماية الأرض والكرامة، وهو ما يشكل خطراً داهماً على الأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها.
إن سلاح المقاومة في لبنان، وخاصة حزب الله، يمثل في الوقت نفسه حقاً دولياً مشروعا في الدفاع عن النفس، وركيزة أساسية للأمن القومي. والمطالبة اليوم بتسليمه للنظام العميل، هو عمل غير قانوني وطنيّاً ودولياً، يكرّس الاحتلال ويهدم كل مقومات السيادة والاستقلال.
وفي ظل هشاشة القانون الدولي، وضعف آليات المراقبة والمحاسبة، يصبح من الضروري الإقرار بأن المقاومة هي وحدها القادرة على فرض احترام القوانين الدولية، ومنع الاحتلال من فعل ما يشاء في الأمة العربية، وهو أمر يعكس عظمة وتحدي إرادة الشعوب في مواجهة الظلم والاحتلال.
المراجع القانونية:
ميثاق الأمم المتحدة، المادة 51
قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 37/43 (جانفي 1983)
قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2625 (1970)
قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 (1974)
اتفاقيات جنيف الأربع (1949)، المادة 1 المشتركة
مشروع مقالات لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة (2001)
Catherine Phillips, Non-State Actors and the Right to Resist Occupation, Harvard Law Review, أكتوبر 2019
تقارير قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) 2023-2025
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إنحياز وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصرًا.
