سبعة أيام من الاعتصام: أكثر من كلب حراسة

04/05/2026
WhatsApp Image 2026 05 04 at 20.13.26

صورة بالذكاء الاصطناعي

جيلاني ساقط في حفرته.. في بيته، بجسده الفارع ووجهه المحفّر بالغضون يعبّ السيجارة تلو السيجارة، وفي ذهنه يقيم المراجعات على نحو سريع، ومعها الاستخلاصات..، ويوازن بين الربح والخسارة في اندثار مشروع الملعب المعشب.

العمل في ذلك المشروع غدا أضغاث أحلام؛ فالمقاول بعد ما فعله الشبان في الساحة وغرقها في الماء الآسن صار من المحال أن يأتي.

إلاّ أن لا شيء من انهيار آمال العمل كان له وقع كارثي في نفسه، على العكس، أحسّ للمرة الأولى بارتياح أدهشه هو بالذات؛ ما كان للإدراك الفعلي بانتهاء حياة السخرة – أو القيام بخطوة محسوسة وحاسمة لحملها على الانتهاء، كالتي أقدم عليها الشبان –؛ عسّاسا لعتاد المقاولين.. كلبا مشدودا إلى حضيرة.. أن يولّد في داخله إحساسا شبيها بزوال صخرة ضخمة من على كتفيه.. فهو الآن يتنفس عميقا.. ويمدّ ذراعه على آخرها بعد أن غدت حرّة طليقة، ثم يطويها ويسند إليها رأسه، أجل.. صار من حقه التفكير مستندا برأسه على راحة يده.. لأن يده عادت تنتمي إلى جسده، وتأتمر بأوامر رأسه. ويذهب ببصره بعيدا.. أبعد من العتاد الحقير للمقاولين الأنذال.

ضغوطات المعيشة تزداد ضراوة عليه.. نعم.. لكن الشبان الذين ذهبوا، ووقفوا مرابطين هناك.. في مواجهة البرد والريح وتهديدات العجول، يحرسون حقا في الحياة أضاعوه طويلا، وآن له أن يعود، ويكون له مذاق ومحتوى غير الذي اعتادوه والذي يأتي في قالب صدقة مذلة.. ولا يسمحوا لهذا الحق بأن يضيع ويتبدد مرة أخرى، مثلما كان يحدث كل مرة من قبل .

الاعتصام يضع الجيلاني على حافة مؤرقة بين ما كان ولم يكن يحتمله.. وبين ما سيصار إلى أن يكون.. وليس قطعا متأكّدا منه.

فيما هو يتابع أخبار الاعتصام، حلم لوهلة بأشياء عظيمة لم يحلم بها أو يجرؤ على أن يحلم بها من قبل أبدا.. سينتهي هذا البؤس.. هذا التشرّد.. هذا التدلّي الدائم على الحافات الخطرة.. هذا الاحتضار البطيء.. سيزول الفقر.. سيختفي الذل والضعة والمهانة.. سيصير للحياة معنى آخر.. ولون أخر.. ومذاق آخر.. سيولد من رحم الاعتصام العظيم عالم جديد كليا.. هكذا وعدوه.. صادقين كل الصدق.. وجادين كلّ الجد.. وهم يأخذون الطريق في اتجاه العاصمة، وهكذا صمّموا وصمّمم الجيلاني في داخله معهم، وهو يقذف بفردة “النايك” بعيدا، ويرتدي جزمته البلاستيكية المعتادة .. ففردة “النايك” تلك لو ارتداها لما عدّها غير قناع مزور أريد له أن يوضع على وجه عالمه القديم ويجمل قبحه. كان الجيلاني متشبعا بقبح عالمه ذاك..، وتمتلئ عيناه ونفسه بقذى ذلك القبح.

كل صباح مع التاسعة يرى نورا عائدة من المصنع البعيد نحو بيتها، كان يعرف أنه لا عمل هناك، فصاحبه تعرّض لطرد شنيع، فيسألها بين دفقتين من “البلغم” وهو يغالب غثيان الصباح

– ما الجديد نورا؟

– نواصل الكنس.. فوق الحصير وتحته.. حركة “ديقاج” على أشدّها .

رغم أن فاضل كتب لها في يومه الرابع من الاعتصام:

– أذهلني ما رأيت.. لقد رأيت عباس ك. والدك في قلب الاعتصام ويصرخ بأعلى صوته “اعتصام اعتصام.. حتى يسقط النظام”.

وكان يرتدي في قدميه “نايك” جميلا باذخا غير معفر بالطين.. عكس من ارتداه منّا نحن.. وكان يلائمه أشد الملائمة.

ردّت نورا:

– لم نفتقده في البيت.. لا أنا ولا أمي، فهو قد عوّدنا بغيابه الدائم..

أياما قليلة بعد السقوط .. وبعد أن انتهى من مراسم دفن زوجته. اتخذ عباس ك. صفة الحاجب لدى عمدة البلدة.. يقوم بإدخال الناس عليه وتقديم مطالبهم. وقبل ذلك يقوم بمجهود هائل لإقناع الجميع بعبثية حملات الطرد.. وبأنها ليست غير مضيعة للوقت.. فللجميع الآن أن يأخذوا فرصتهم.. وبالاحتشاد بدلا من ذلك أمام مكتب العمدة – الذي تم تغييره ثلاث مرات خلال أسبوعين – وتقديم المطالب وتعهد هو شخصيا بحمل العمدة على الإيفاء بها..

– أليس شيئا في صميم التحول الثورى للأمور ولإدارة شؤونكم أن ترونني أنا المواطن البسيط.. الذي لم يكن يعبأ به أحد من قبل، وقد صرت أحوز لكم على سلطات كثيرة لم تكونوا تحلمون بها من قبل.

فعلا.. عباس لم يكن غير “مواطن بسيط” لا أحد يعرف ماذا يشتغل تحديدا، ولم يكن منخرطا في التجمّع (حزب التجمّع).. أي لم يكن من صنف المواشي التي تترك الطين خلفها.. إلا أن أمره مع ذلك مثير للدهشة.

أكثر من مرّة شتمه فاضل وعيّره:

– فعلا قد لا تكون منخرطا في التجمّع.. تنظيميا على الأقل، لكنك تمثل روحه وعصارته التي تمشي على قدمين، ففيك روح التكالب على كل شيء.. والاستحواذ على كل شيء

أنت في حياتك لا شيء أكثر من كلب.. وما ينبغي أن تكون غير ذلك.

سألت نورا الجيلاني وهي تميل إلى بيته:

– هل مازلت تحلم بالعمل في ذلك المشروع؟..

– كلب حراسة؟ أبدا.. صار بوسعي التطلع إلى ما هو أكبر..

– وما هو ؟

– أكثر من كلب حراسة.. ردّت زوجته راضية التي التقت نورا في الباب وأصغت إلى الحديث.. والصغار يلحسون صحنا فارغا على الدوام.

– يكفي.. رأسي.. عقب الجيلاني ضجرا على كلمة زوجته.. تلعب فيه الريح.

همست راضية لنورا:

– إنه الشاي ولعنته يا نورا، رأسه يفرغ سريعا فلا يعمره مجددا غير أربع غليات متتابعة من الشاي..

– ذلك الكريه عباس ك.، قال جيلاني بصوت تفادى أن يصل لسمع نورا، ذهب هو الآخر إلى الاعتصام.. ثم رفع صوته وأضاف:

– ولم يبق إلا أن أقول أن العمدة قد يندسّ فيه هو الآخر..

– كلا.. ردت نورا بسرعة.. الشبان متيقظون له، ولن تنطلي عليهم.

وغصت بكلماتها.. لم ترد أن تقصّ على جيلاني حكاية نجوى

إلا أنها حمدت الله أن يوسف بقي معها..

اصطدمت وهي داخلة بإثنين من جراء القطط أحمري اللون، ما أن شاهداها حتى انسلّا بين رجليها وشرعا يتمسّحان بها ويموءان مواءً مسترسلًا

– لم تعطهما شيئا، هذين الجروين.؟ وجّهت نورا كلامها لراضية وهي تشير إلى إناء منقلب على رأسه موضوع قرب الباب.

– ماذا تظنين أن بوسعي أن أطعمهما؟ هذين اللعينين.. فهما لا يأكلان مما نأكل ولا يشربان مما نشرب. أصب لهما في الإناء الحليب، فيموءان في وجهي بشدة، وألقي لهما بالخبز ، فيقلبان فيّ النظر شزرا. بورجوازيان لعينان متعطّلان، لا يحلو لهما غير اللحم والسمك

وأين هو اللحم والسمك؟

عقبت نورا، وعيناها منغرستان في راضية:

– لا لحم ولا سمك..

– قلت لك لا لحم ولا سمك.. وهذان المخلوقان لا هما يأكلان مما نأكل ولا هما يذهبان ليأكلا من خشاش الأرض .

– عالة على راضية

– عالة على البشرية وعلى الكون كلّه.. أنظري للشراسة في نظرة الجرو والحدّة في صوته.. ينتزعان ما يريدان ترغيبا وترهيبا.. والحوش يمتلأ بأمثالهما.. تبّا لهما

تمنّت راضية لو أن يوسف يتأخر في الالتحاق بنورا فتكون لها وحدها لأطول وقت ممكن .. لكن لا شكّ أن يوسف رآها عائدة، كان يعرف أن لا عمل في المصنع، ولن يعتم أن يطرق الباب متذرعا بالسؤال عن الأخبار ثم ينتهي الأمر بخروجها معه.

قالت راضية معرضة بيوسف دون أن تذكر اسمه:

– هذا النحيل، أليس له ما يفعله غير الركض خلفك؟

فتضاحكت نورا..

– لعلك تريدينه أن يركض خلفك أنت..

وصلت كلمتها لسمع الجيلاني فعقب:

– «  دجاجة شارف » .

انبعثت من فم راضية ضحكة صاخبة، وما عتمت أن اتخذت أسارير وجهها هيئة جادة.. فقالت وهي تمسح يدها الملطخة بإدام الماعون الذي لما يُغسل بعد على جانب بنوارها الأشعث:

– إلى أين ستصلان ؟

– لا أدري.. ردّت نورا، وبصرها مثبت أمامها، ثم أضافت

– كان يخيل إليّ قبل زمن غير بعيد أن لا شيء هناك لنصل إليه.. كنا مثل من وصل إلى نهاية الزمان، ولم يبق أمامه سوى أن يتردى في الهاوية التي تنتهي إليها حدود زمنه، أما الآن..

ردت راضية مثل الصدى:

– أمّا الآن..؟

– أما الآن فأقول: لا أدري ..

هل تقول: وصل الحلم إلى نقطة يتعيّن عليه أن يتحقق عندها. فلا ينبغي له أن يظل إلى الأبد حلما.. وإلا استحال وهمًا.. وهمًّا لا يحتمله أحد. ولا أحد يعطي قيمة لحياة تنهض أساساتها على الوهم.

خصوصا بعدما رأياه من إمكانيات أكيدة لتحقق ذلك الحلم..

أم تقول: الحقيقة لا يطيقها أحد.

– أظنّك بحاجة لتحملي يوسف هذا على ظهرك، فهو ضعيف لا يصلح لشيء، حتى الاعتصام لم يذهب إليه.. فالشبّان تركوه.

كان لكلمة راضية هذه وقع شديد السوء على نورا..، فأطرقت مستاءة أشد الاستياء، وتعابير وجهها تتقلّص ألمًا وغيظًا

احتقن وجه جيلاني، ونظر لزوجته مؤنّبا، وتذكّر حاله.. حال إنسان حولته “صلاحياته” إلى بغل

– أعتقد أن يوسف يصلح ليكون إنسانا.. لا بغلا.

أشرقت أسارير نورا ولمعت عيناها..

– لهذا أحبّه..

أدركت راضية في الحال خطئها، وأدركت كذلك ما جنته على زوجها “صلاحيته” لما كانت تدري ولما كانت لا تدري ..

– إنني لا أصلح لشيء عدا أن أكون إنسانا.. وليس بغلا مشدودا إلى محراث، يحرث حقلا لا نصيب له في غلّته. كان يجب أن أعلن عن ذلك من زمن بعيد.

تجاوبت معه نورا:

– ومع ذلك فالأوان مازال لم يفت لتعلنها..

فضّل يوسف أن ينتظر نورا في الساحة.. فهو يعرف أن راضية ستشبعه غمزا ولمزا لو فكّر في طرق الباب والدخول.

وعندما أحسّ أن نورا أطالت المكث في الداخل، خطر بباله أن ينبهها لوجوده.. فرفع صوته مناديا أحدهم.. متلفظا باسم كيفما اتفق، دون أن يقصد شخصا بعينه، ثم انتظر لحظات.. بالكاد تحمّل الصمت الذي ساد خلالها، كان صمتا يفتح شرفة يمكن من خلالها الإطلال على أي شيء، وفيما هو يتوقع أن يرى رأس نورا يُطلّ من باب الجيلاني قادمة نحوه، إذا بصوت يداهمه من الخلف.. صوت الشخص الذي ناداه.

التفت يوسف إلى جهة الصوت والبهتة تعلو وجهه …

– أنت..؟

– نعم أنا .. ردّ الآخر بصوت هادئ وهو يتقدم نحوه ببطء

تأخر يوسف قليلا.

– لقد ناديتني يا صديقي، كنت أعرف أنك ستناديني.. بواطنك تكلّمت في النهاية

***

يتبع…

( ينتهي هنا الجزء الأول من الرواية ويليه الجزء الثاني)

مقالات ذات صلة

  • فيديو | اعتصام “المعارضة النقابية”: فرصة “لإنقاذ الاتحاد” أم “تدميرٌ” له؟

    تقرير لإياد بن مبروك بمساهمة غسان بن خليفة يتواصل اعتصام "المعارضة النقابيّة" منذ يوم 25 جانفي الجاري في بطحاء محمد…

    الأخبار, عمّالية, هام

    اعتصام المعارضة النقابية
  • سبعة أيام من الاعتصام – الجزء 2 – الذين صعدوا ولم يعودوا

    الذين صعدوا ولم يعودوا إعترافات نورا: ولجتُ محل الانترنات وقضّيت فيه وقتا نسيت أثناءه نفسي، حتى لم يبق لي من…

    أدب وفنون

    السلسلة الروائية لعادل حامدي الجزء
  • العدوّ يعلّم أطفاله الذكاء الاصطناعي… ونحن نغرق في إدارة التبعية

    عاد قيس سعيّد أمس، خلال اجتماعه ببعض وزرائه، إلى الحديث عن مشروع “المجلس الأعلى للتربية والتعليم”، ذلك المشروع الذي يتكرّر…

    افتتاحيّة, الموقف

    صورة افتتاحية الذكاء الاصطناعي
  • السياسة الصناعية الخضراء في تونس بين التبعيّة المتجدّدة وضرورة السيادة

    في سياق الجدل المتزايد منذ فترة في تونس حول جدوى السياسات الرسمية للانتقال الطاقي، يهمّنا في موقع ’إنحياز’ المساهمة في…

    اقتصاد سياسي

    TunisCover AR page
  • سبعة أيام من الاعتصام : حين يصبح الحلم فخّا

    شمس شتائية خجولة ظهرت في صفحة السماء بعد أن التهمت الرّيح أطراف السحب ثم شرعت تتقيؤها يمينا وشمالا. نورا تقف…

    أدب وفنون

    Capture d’écran du 2026 04 22 21 02