شمس شتائية خجولة ظهرت في صفحة السماء بعد أن التهمت الرّيح أطراف السحب ثم شرعت تتقيؤها يمينا وشمالا. نورا تقف أمام الحوش في معطفها الرخيص الرهيف، كانت تشدّ يديْها شدًّا مُحكمًا داخل جيبيْ المعطف لكيْ يظلّ مغلقًا من الأمام، لأنها تركت الأزرار مفتوحة رغم برْد العشيّة، ويد صالحة تمتدّ داخل المعطف تتلمّس سماكته لتستأمنه على جسد الطفلة الهزيل، فلا تعثر فيه على طيّة واحدة وثيرة، كان مثل البلاستيك في يبسه وخلوه من الحرارة، فتصرخ مشفقة فيما هي تتعامى عن إبقاء نورا الأزرار مفتوحة ..
_هذا لن يقيك من شيء.. ستتعرضين لنزلة برد قريبة دون شك
فردّت نورا بلامبالاة:
_ تعرّضتُ لها وانتهيت..
_ كان عليك ارتداء “مريول” صوفي تحته.. وسكتت مترددة في إتمام كلمتها، برد جانفي اللاسع.. سيؤلمها قطعا وسيجعلها ترتجف أحيانا، وسيجد يوسف ذلك سببا ليعمل على الاقتراب منها وحتى الالتصاق بها ما أمكن وسمحت له هي.. لكنه سيزيد تدفق الدماء في وجنتيها فيزدادان توردا.
سيدفئها الحب.. فعلام السخط يا صالحة ؟
وبتلك الوجنتين المتوردتين غادرت نورا الحوش نحو دارها أو هكذا زعمت لصالحة.. كانت في الحقيقة تهيئ لخروج مع يوسف، لم تكن تدري لماذا دائما تأتي إلى دار صالحة.. مع أن بوسعها تدبير أمورها مع يوسف بعيدا عنها.. لكنها كانت تأتي، تحس به مثل واجب لا فكاك منه، كان يبدو مبتغاها أكبر من مجرد التقاء بيوسف..، لاحقها صوت صالحة
_ هذه أيام سعدك، نورا.. مرتاحة تماما من العمل
المعمل القذر في المدينة البعيدة مقفل منذ بداية الثورة.. وصاحبه لاذ بالفرار.. والعمل في مركز النداء في البلدة المجاورة لم يستمر لأكثر من أسبوعين، دائما قبل اندلاع الثورة
واللعنة على الإثنين.. المعمل والمركز.. قالت نورا في سرها
التفتت إليها نورا جادة مقطبة ثم ردت بسرعة كأنها تستبق اتهاما:
_ أتسمين ذلك عملا، بالمائة والعشرين دينارا التي كنت أتقاضاها، وبالعشرة ساعات عمل يوميا؟
ردت صالحة متضاحكة
_ لا.، أسميك نورا، وهكذا يجب أن تبقي… ثم استدارت لتصغي لجارتها، التي دخلت للتو وهي تتحدث برعب بالغ عن تسميم مؤكد للمياه، اقترفته العصابات..
_ هل عندنا مياه أصلا؟ علقت نورا بصوت خافت مستخفة بما سمعت، ذلك إن صح ليكونن أهون ما نتجرعه من سموم..
الجارة رأت نورا تتكلم لكنها لم تسمعها، ورأتها كذلك تشد بيديها بقوة على جيوب معطفها الرهيف، وركبتاها تصطكان.. رمقتها بنظرة يخالطها الغل وقالت بصوت لم يصل لصالحة
_ هذاك وين يوصل المعزة قحبها
وراء الحوش ترافقا سويا.. إلى نهاية الحي وهناك أمكن ليوسف أن يضع يده في يد نورا.. بعد أن حاول مرة أولى داخل الحي فرفضت ونحت يده بحدة، كانت لا تزال تشعر بالبرد.
*****************
اليوم الثاني
_ ما الجديد هناك فاضل ؟؟
« Fadhel est en train d’écrire »
انقضت دقائق كأنها دهر.. شرع بعدها الخط الصغير بالاهتزاز.. حمدا لله فاضل هناك رغم أن الوقت كان مبكرا نوعا.
_ يبدو أنني تحررت من أسر نجوى، فهي لم تأت هذا الصباح وأنا لم أقض وقتا طويلا أفكر فيها.. وعندما قدمت في ساعة الضحى في كامل ابهتها وألقها.. جعلت من مراد مرمى سهامها بدلا مني أنا، كأنها لم تعرفني ولم أكن معها عشية أمس، لم أفكر طويلا في الأمر، وبدا لي كل ما قمت به عشية أمس معها شاذا تافها لا يضيف شيئا لقضيتنا، أو مجرد رؤى توهمتها، وتلك أخبث حيل الذات للإفلات مما يدينها..؛ أن تقوض الحدود الفاصلة بين الحقائق والأوهام، فتبدو الحقائق كأنها أوهام أو تبدو الأوهام كأنها حقائق، وكل ما يلزم لتحقيق ذلك الاختلاط والتداخل وتعويم الحدود كان امرأة نارية مثل نجوى.
_ حسنا يبدو أن لا فكاك لنا من أسر نجوى النارية حتى لو ابتعدت عنك.. أهي أجمل مني؟
_ آه.. ارتج الخط.. قولي هذا ليوسفك إن قيض له أن يراها يوما… هي من نار وأنت من ماء، انشغلنا بالتقاء الوفود المساندة من الداخل والخارج والاستماع إلى كلمات ممثليها، التي كانت مثل صناديق محكمة الربط والترصيف.. كل شيء مرتب مرصف.. ممثلو الأحزاب.. ممثلو الجهات.. ممثلو المنظمات.. ممثلو النقابات.. ممثلو النساء.. ممثلو الشباب.. ممثلو الأقليات.. ممثلو كل شيء.. كل شيء له تمثيلية.. كل شيء يقف عليه وكيل وحارس مسلح بهراوة لا يسمح لأحد غيره بالاقتراب منه أو التّكلم بلسانه.. تداولوا على كيل المدح للثورة والثوار وأسموا انتفاضتنا “ثورة الياسمين”.. وأثاروا بذلك إعجابا متناهيا من البعض ممن هزتهم رشاقة التسمية وعذوبتها.. وأثارت سخرية آخرين وسخطهم ممن عجزوا عن هضم كلمة “ياسمين” أو تمثل دلالتها في سياق ثورة قامت في نواح مقفرة مجدبة لا فل فيها ولا ياسمين..
_ نحن يا سيدي جئنا من بلاد لا ياسمين فيها ..
_ إنها ذات دلالة بليغة.. لكونها تؤشر على سلمية الثورة ..
_ لكن النظام لم يكن سلميا معنا البتّة، فهل يستقيم هذا؟
تجاهل الممثل هذه الملاحظة.. ومضى يطنطن:
_ كونها أول ثورة ما بعد حداثية في الألفية الثالثة اعتمدت كليا على الوسائط الحديثة.. وتهدف لتحقيق انتقال ديمقراطي سلس وهادئ ..
تلك السلمية.. وذلك النبل.. عزيزتي.. اللذان وصمونا بهما، وما حدّدوه كهدف أسمى للثورة: تداول سلمي على السلطة… لقد همس في أذني مراد، وهو يصغي للرغاء الآتي نحونا من كل صوب “لعله تداول سلمي على ركوبنا، طالما نحن لن نركب أبدا، وإن حدثت المعجزة وكنا من الراكبين، فلن يتاح لنا امتلاك القدرة على تحديد وجهة العربة
ترى هل أتينا ليسمحوا لنا أن نركب، أم لنتولى الإمساك بالزمام، ونقود عربة الثورة إلى حيث تقبع أحلامنا
سلميون رغم أنوفنا، مكرهون على أن نكون لهم مثلما يريدون، وعلى القياس الذي يفصّلوه لنا. ذلك ما سيفضي بالثورة إلى حتفها، أو يدفع بها إلى مضيق مخنق..
الغثيان يحدق بي .
تجاهل مراد سيل الكلمات المتدفق من أفواه الممثلين، وصعد على كتف أحد رفاقه واتجه ببصره تلقاء قصر الحكومة، وصاح بأعلى صوته:
_ يا كبير الدساسين.. نعرف أنك تقتل نفسك الآن لتتيح لكلبتك أن تلد.. وتحرص حرصا جهنميا مستميتا على استمرار نسلها اللعين.. سنأتي إليك من فورنا هذا ونبقر بطن كلبتك ونخرج الجراء ونلقي بهم في المزابل ..
مراد رفض كافة عروض نجوى للذهاب معها إلى حيث يمكنه إكمال “نضاليته” الناقصة، والتجول قليلا في شارع بورقيبة ..
_ هل خشي مثلك التحول إلى تمثال؟ قالت نورا هازئة
تابع فاضل :
_ لم يذهب مراد إلى شارع بورقيبة.. كان ذلك بالنسبة له شيئا شبيها بتحنيطه وهو مازال فيه نفس يتردد وقلب ينبض، أو تحويله إلى مسخ من حيث هو أراد أن يغدو إنسانا
_ وماذا بعد.. أخذ يوسف اللوحة من نورا.
« Fadhel est en train d’écrire »
_ أصبرا قليلا، أحيانا أشعر بأنني أضعت خيوط الربط بين الوقائع في ذاكرتي.. ويفيدني إلى حد بعيد إضاعة هذه الخيوط، فلا أكتشف التناقض المأساوي بين ما قمنا به بالأمس القريب جدا عندما تجرأنا على تحدي النظام منتقلين سريعا من “التشغيل استحقاق” إلى “لا نريدك” و”الشعب يريد إسقاط النظام” وانتهى بنا الأمر إلى دكّه مرة واحدة “يسقط.. يسقط النظام بجميع بناه وركائزه وعناصره، هذا الذي صير الحيف والظلم قانونا” وخلناه وقتها فعلا سقط.. بما يعني أننا لن نتوسّله بعد اليوم ولن ننتظر منه شيئا، فهو ساقط ساقط، لأنه رمز عندنا لكل ما هو سيء وظالم ومؤذ، وبين ما أتى بنا إلى هذه الساحة: “رفع مجموعة من المطالب ” نعيد بها إلى الحياة جثة النظام بدلا من تركها تتحلل.
وكبير القهرمانات في القصر لا يألو جهدا لجعل ولادة الكلبة تتم بيسر وسلاسة.. ولكنه إذ قدر أن ذلك قد لا يكون متاحا أو ممكنا، جعل همه أن تلد الكلبة بأي ثمن وينجو المواليد وتخرج الجراء، حتى وإن كانت الكلفة هي حياة الكلبة نفسها.
العقبان على الشرفات في حالة تحفز متناهية، تدور أعينها دورات سريعة في محاجرها منتظرة اللحظة الحاسمة.؛ لحظة ولادة الكلبة وسقوط الجلد القديم وبروز الجلد الجديد على الجسد “الموميائي”، والوطاويط تغلّبت على عشيها النهاري وتحركت لتغير موضع تدليها.
كان غريبا أن طريقة الخفاش في التدلي تجعل مؤخرته منكشفة على الدوام.، فلم أر منطقا في شكاويهم. لكن ما لم أكن أدريه حينها أن مؤخرات ذلك الصنف من الوطاويط ستظل مكشوفة دوما سواء تدلى الوطواط على رأسه أو انتصب على قدميه
“باي” ..
_ يعطيك الصحة فاضل.. بردت على قلبي
***************
اليوم الثالث
« Fadhel est en train d’écrire »
دقائق طويلة، قبل أن يرتج الخط الصغير.. لهفة نورا غدت عصية على الكبح، منذ أن دخلت نجوى على الخط، وشعر يوسف بشيء من الغيرة.
نقطة سعيد كانت مضاءة هي الأخرى.. ماذا هناك؟ كان يوسف يعرف أن سعيد لا يملك حاسوبا ولا هاتفا مجهزا بأنترنت ..
نعود لفاضل…
لعبة نجوى صارت مكشوفة كل الانكشاف، تتداول علينا لتسقطنا الواحد بعد الآخر.. أمس الأول أنا وأمس مراد واليوم جاء الدور على سعيد.. وسعيد ليس في صلابة مراد ولا عناده.. انقاد لها سريعا، لماذا أقول تسقطنا؟ ثمة فرضية أخرى تلح علي بشدة، وهذه الفرضية تنهض على أساس أن لكل أمر سلبي ناحية إيجابية.. وفحواها أن نجوى لن تنجح في إسقاطنا ودحرجتنا خلفها إلا إن رغبنا نحن في ذلك الإسقاط وتلك الدحرجة، وأنها عدا ذلك قد تكون نجوى الأداة المثالية والدليل الموثوق الذي بواسطته سنكتشف ونتلمس موقع مجموعة من الأورام الطالعة في وجه هذا البلد والمشلة لجسده ويسيل قيحها دون انقطاع فيلطخ ذلك الوجه ويفرز نتوتة تخنق الأنفاس.
عندما عاد سعيد من جولته معها قبل قليل حدثني بما سمع ورأى.. لعبت معه دور الراغب في التعرف عليه.. من خلال استضافته، وتبادل الآراء معه، بل تحملت حتى ثمن قهوته وقهوتها ودخنا سيجارتي “دنهيل” وتمشيا على طول الشارع العريض وجلسا على مدرجات مسرحه، ولاحقته نظرات أشخاص مجهولين كانوا مبثوثين في كل ناحية هناك. بالكاد صدّق أن في نظرات الارتياب التي يجيلونها نحوه سمات آدمية.. كانوا يبدون مثل وحوش تتأهب للانقضاض، كانت العجول في كل مكان، ولكن يبدو أن لهيئة نجوى ونظراتها مفعول آسر، فلم يوقفه ولم يستجوبه أيا كان.. ثم وليا وجهتهما شطر الناحية الجنوبية من الشارع.. وعندما بلغاه وقفت نجوى مترددة.
بناية لقيطة ماردة.. تتجاوز في ضخامتها البناية الرمادية الأخرى (التي هي وزارة الداخلية)، تبدو مثل ثكنة ضخمة بأكياس الرمل المكدسة أمامها والأسلاك الشائكة تحوطها والأعداد الهائلة للجنود المكلفين بحراستها.، لم تشأ نجوى في البداية أن تقول له أي شيء كانت تلك البناية، لكن نجوى، مثل كل العاهرات، لا تمسك نفسها طويلا ولا تلبث الحقائق أن تشرع بالتساقط منها عائمة متموجة في بركة عهرها اللزجة، فتمتلئ البركة بالفقاعات.
ومن فقاعات بركة عهر نجوى نزّت هذه الحقائق:
هذه البناية.. خراء ارفضّ من مؤخرة فرنسا وازدان به الطرف الجنوبي للشارع الكبير، وفرنسا المرهوبة حريصة كل الحرص على حماية خراءها.. وعلى أن يستنشقه المارون من هناك مثلما يستنشقون أطيب الورود.
قلت بناية ماردة.. لا لضخامة حجمها فحسب.. بل لاتّساع نطاق سلطتها وامتداد مدى صلاحياتها وتحكمها في صغير الأمور وكبيرها في البلاد كلها..
_ هنا مركز السلطة الفعلية.. وأشارت نجوى إلى صدرها الشهي.. ثم لم تلبث أن تنبهت لما وقعت فيه من خلط.. في عقل سعيد الباطن لم يكن هناك من خلط.. كان سواء عنده أن يكون نهدي نجوى المنفجرين من داخل “الدانتيل” أو سفارة فرنسا هما مصدر السلطات..، فكلا القناعتين تعكسان الحقيقة دون زيادة أو نقصان: العواهر هن من يحكم البلد.
_ هنا مركز السلطة الفعلية.. قالت مصححة اتجاه إصبعها بأن أشارت نحو السفارة.، لا تقارن صلاحياتها حتى بتلك الأخرى التي مررنا بها.. أعني الداخلية
فلو أردنا أن نشير إلى مكان تجتمع فيه مختلف السلطات وصلاحيات الحل والربط، فلا يتحرك لحاكمنا إصبع ولا يرمش له جفن ولا يعين خيطا في إبرة دون سابق إطلاعها وترخيصها..، لقلنا بإيجاز:
“سفارة فرنسا “
لا أدري لماذا خطر ببالي أن سفارة فرنسا في موقعها ذاك تحاكي دمالة منفقعة في جسدي، قيحها لا ينفك يسيل ويسيل حتى يلوث كل نقطة في ذلك الجسد، ثم يتخمر القيح فيصير نتونة ومنه تتناسل دمالات لاحصر لها على طول مساحة الجسد المعتل.
في كل ليلة تتحلق أعداد غفيرة من الوطاويط والعقبان منسلّة الريش والمرتزقة والسراق والعملاء والفاسدين والقوادة حول ذلك الخراء المكدس، فيتمتعون برائحته الزكية ثم ينتظرون من سيّد السفارة أن يدعوهم إلى وليمته العامرة.
يدعونه أبي وماما ويهرعون إليه يطلبون منه التدخّل كلما داهمهم خطر..
لكنه قليلا ما كان يفعل وقليلا ما كان يلقاهم رغم إلحاحهم الذليل، ويفضل ويؤثر أن يرسل لهم التعليمات مكتوبة، وسيد السفارة نفسه كانت تأتيه التعليمات مكتوبة من وزير المستعمرات وشؤون ما وراء البحار الفرنسي وهذا بدوره تأتيه التعليمات مكتوبة من رئيس الحكومة الفرنسية، والعملاء والقوادون واللصوص الذين في أسفل السلسلة هم من يديرون شؤون البلد ويرسمون سياسته..
فقل لي في أي درك من دركات القاع نحن ساقطون؟
***************
اليوم الرابع :
أنت تخشى أن نكون أقلية من البشر مستضعفون في الأرض فنكون موضع استخفاف أو احتقار؟ وتريد أن تعرف كم نحن ومن معنا في الساحة؟ لكي أجيبك صدقا.، اطمئن.. الجميع معنا، الجميع يرددون نفس الشعارات ويرفعون نفس المطالب..، هذا ما بدا لي في الثلاثة أيام الأولى.
اعتصام حتى يسقط النظام ..
لن تلحظ اختلافات كثيرة لا في اللهجة ولا في المضامين.. وهذا وحده ما أخافني.. تسألني كيف والحال أن من واجبي أن أغتبط لهذا الالتفاف الأصم حول مطالب واحدة، فأقول لك لم تكن الروح الببغائية بالنسبة لي البتة شيئا مفرحا..، ثم هذا التشابه لحد التماهي، ألم يكن يخفي خلفه نفاقا كثيرا؟ هذه أمور تخيفني. ويخيفني أكثر هؤلاء الشبان ذوي المظهر الشاذ الغريب بشعور مشعثة وضفائر متدلية خلف ظهورهم الذين نبتوا بيننا فجأة وملئوا الساحة محاولين تصدر الصفوف وتبني كل شعار تطلقه الحناجر.. ويزعمون القيام بما أسموه تأطيرا للحراك..، كأنهم مجموعة من المحترفين لديهم خبرات يعرضونها علينا، كانت محافظهم على الدوام مشدودة إلى ظهورهم.. ماذا ترى في داخل تلك المحافظ ؟ حواسيب غالية الثمن وآلات تصوير من آخر طراز.. وأوراق تحتوي على قوائم.. كيف تحصلوا عليها وهم الذين يقدمون أنفسهم بأنهم كادحون وأبناء كادحين.. لا همّ لهم غير التصوير.. وغير الانكباب على حواسيبهم لحد يخيل إليّ أحيانا أن من يصورون منهم أكثر من القائمين فعليا على إنجاح مضامين الاعتصام.. يأتون صباحا في توقيت نظامي لا يحيدون عنه وفي أيديهم كؤوس قهوة مفلترة يزيد ثمنها على خمسة دنانير ويدخنون سجائر أجنبية على الدوام .. إنهم يثيرون في نفسي هلعا غير قليل، ونفسي تحدثني أنه لو فشل الاعتصام، وأنا لا أدري لحد الآن كيف سيفشل.. فلن يكون على غير أيديهم.. إنهم لا بشبهوننا البتّة.. وأجد مفارقة غير قليلة بين ما يترنمون به من شعارات وما يأتونه من مواقف.. أخشى أن نكون قد جلبنا معنا النظام الذي ندعو لإسقاطه إلى الساحة وبتنا نعاشره دون أن ندري بذلك.. يُحولوننا شيئا فشيئا إلى نظاميين باسم تأطير الاعتصام وبذلك يخنقونه قليلا قليلا .. ويسمون أنفسهم “نشطاء”
لم أفهم البتة دلالة هذه التسمية
العجول أراها تتربص بنا غير بعيد…
*************
ماذا أتى بنا إلى هنا وماذا نريد؟ من اللحظة الأولى بدأت تساورني الشكوك.. هل عرفنا ما نريد بنفس الوضوح الذي عرفنا به مالا نريد؟ يبدو أن هناك جدارا سميكا نعجز عن الإطاحة به.. هذا الجدار لم يكن أبدا حصون النظام.. فهي كانت متصدعة متهاوية، هذا الجدار كان نحن.. من نحن؟ من معنا ؟ ومن ضدنا.. بدا لي أن فرزا للأصدقاء وللأعداء على أساس حاسم لا رحمة فيه ولا تهاون: المُتخمون في مقابل المتضورين.. هل بالوسع جمعهما معا في ساحة واحدة؟ والذي يقضي ليله يبكي لأنه في يومه لم يحصل على دينار.. هل هو كالذي يقضي ليله يبكي لأنه لم يضف للتسع وتسعين من ملايينه المليون المائة؟. لم يكن من مفر من هذا الفرز من اليوم الأول لكي لا يُعشّش في جسد الاعتصام الغض الطري بق وبراغيث الوحدة الوطنية الصمّاء التي أذابت بصورة اصطناعية الفروقات بين المحرومين والمنعمين.. وسوت على نحو متعجل أرضية رجراجة أُجبرنا على الوقوف عليها كلنا.. كثير من هؤلاء كنا نراهم معنا.. ويسفحون الدمع الكاذب حزنا على حال المحرومين.. وكلنا في شرع النظام “مواطنون”.. هكذا ببساطة.. إنني أفكر أحيانا وتسيطر علي الهواجس أن النظام تغلغل في أنسجة عقولنا وتلافيف أدمغتنا، وأننا لو وفقنا في كسر حصونه واقتحامها فلن يكون بوسعنا غير إنتاج نظام على غراره..
لماذا نحن هنا يا عزيزي؟ نطرق على الأبواب ويعاملنا الآخرون بشفقة ويضمرون لنا الازدراء.. بل يضمرون لنا أكثر من ذلك.. الخديعة والمخاتلة.. وسحب بساط الأرضية من تحتنا بعد أمد لن يطول ورمينا بعيدا، وهكذا نجد أنفسنا في الفراغ.. لم نفعل شيئا في قرانا وبلداتنا.. ولم نهيئ لأنفسنا أرضية صلبة هناك.. أردنا إسقاط المركز وسينتهي بنا الأمر إلى نتيجة اسيفة.. أننا دعمنا المركز بأن جعلناه كعبة مطالبنا. الآن نفسي تمتلأ شكوكا حيال حقيقة ومنتهى المسار الذي ” اخترناه “.. وأنا أرى عددا من “النشطاء” يحرضون الجميع على تجهيز قائمات بالمطالب..
ألم نعتبر النظام لصًّا مجرمًا؟ يتهيأ لي أن أصدقائنا أصحاب الضفائر المشدودة إلى أقفيتهم من النشطاء لا هدف لهم غير دفعنا لتوجيه تلك المطالب إلى ذلك اللص المجرم. يا لها من مهزلة بدأت تتراءى لى علاماتها من اليوم الأول.
