شرعت الرياح تعصف بشدة، فأطارت في الحال الأوتاد التي كانت تشد الخيام إلى الأرض، وقوّضت عن بكرة أبيها الأسس الهشّة للبناءات الحقيرة القائمة فوقها، فانهارت تباعا. وشرعت أقمشة الخيام تتطاير في الهواء قطعا مهلهلة ممزقة. لم يغن الأمر شيئا ارتداء الأحذية، والأجساد عارية معراة.. وفوقها السماء التي غسلتها تيّارات البرودة ببروق كاذبة تلمع بين الحين والآخر في أفقها البعيد. لم تغن الأحذية رغم بريقها.. التي لم يفلح فاضل في صرف أنظارهم عنها وتعييرها بأنها رخص وبخس وتنفيذ ما صمم عليه هو ومراد بحرقها.. مثيرا اعتراضا صاخبا من سعيد، فداخلها زرع كله مسامير.. وسوف تشرع سريعا بوخز من ينتعلها وفرم لحمه. لم يغن ذلك شيئا لكبح اللهفة، فتناهبوها فيما بينهم وانتعلوها كيفما اتفق.. فردة يمنى في القدم اليسرى أو العكس، أو “فردتين يسراوتيين” في القدمين اليمنى واليسرى أو العكس كذلك، ثم وقفوا حائرين لا يدرون ما يصنعون بأنفسهم.. ولا ما يصنعون حيال حقيقة أوتاد الخيام المنقلعة وأسس البيوت المتقوضة. كان عباس.ك قد اختفى عن الأنظار حالما بلغ إلى سمعه أن الرجال أدركوا أن الحمولة كانت موجهة له هو شخصيا.. بما عنى تفويضا كاملا له بالتصرف فيها..، كان يدرك كراهيتهم له، والشبان يدركون كذلك، لما عرفوه فيه من خسة وقلة نزاهة، أنه كان سيستأثر بالحمولة لنفسه أو لخاصة المقربين منه ويتخذها تجارة مربحة، ويعاقبوه عقابا أليما على غلبة روح التربح الأثيمة عليه. ورجل الأعمال الكبير لم يكن ليهتمّ في قليل أو كثير بمآل الحمولة أو معرفة أيّ الأيدي والأقدام استأثرت بها، فقد عدّها خسارة لا مفر له من أن يتكبدها ليظل طافيا على سطح الأزمة الثائرة. وما أهمّه أساسا لم يكن شيئا غير أنه أُدرج في سجلاّت تاريخه وتاريخ المرحلة الجارية أنه أرسل لهم مرة شيئا ذا بال وقيمة، أو بتعبير آخر تكبد تضحية، فما ذنبه هو إن لم يحسنوا هم التصرف فيما وهبهم إياه ؟
كانت عبارة عن تبرئة رخيصة لذمة ملوثة.
وتلويثا ذميما لذمم بريئة..
وفيما بعد ذلك بأيام قليلة، وعندما تناهى لمسامع شبّان البلدة أن كبير قهرمانات القصر الرئاسي في العاصمة ينوي إرسال حمولة جديدة من الخيام تهيّأ له أنها أشدّ متانة وتحمّلا لعصف الرياح من التي سبقتها التي انقلعت وطارت في الجو، علاوة على اعتزامه – بدفع شديد ومبادرة حصيفة من شريك رجل الأعمال – المقاول ل.ق. توسيع المقبرة المجاورة للبلدة وإحداث ملعب لكرة القدم وإحاطته بسياج.. ففي رأي المقاول ورجل الأعمال يتعيّن أن يكون هناك فضاء مهيئ ليركض فيه الشبان، بعد أن انتعلوا أحذية “نايك” الغالية الرفيعة، وليس أليق بتلك الأحذية من ملعب لكرة القدم تتأكد فيه فاعليتها ومتانتها ..
كان المخطط هكذا:
عليك بموالاة إرسال الصدقات الرخيصة.. ذات السياق والغرض المعاكسين تماما لما يطمح إليه الثائرون.. حتى تغرقهم في وحل المهانة وإحساس العار، لكونهم هدفا لإحسان متكبّر، يأتيهم ممن اعتبروهم طوال عقود عدوهم اللّدود وعلّة ألمهم ومسبب إيلامهم، وعليك كذلك سحب كافة مظاهر السلطة من البلدات.. هكذا أسرّ كبير المستشارين في أذن كبير القهرمانات.. العجول بقرونها المكسرة وعباس ك، عيننا وممثلنا هناك، والمعتمد وكافة المسؤولين من مختلف الدرجات. لنترك لهم البلدات خالية خاوية.. ليدركوا عجزهم عن إدارة شؤونهم بأنفسهم.. دعهم يحرقون كل شيء.. فثائرة هؤلاء حاليا مشتعلة لحد تستعصي معه على الكبح، ولكنهم عندما لا يعثرون على عدو يوجهون نحوه ضرباتهم، سيوجهون تلك الضربات نحو بعضهم، فيبدؤون بالتراشق بالتهم وينتهي الأمر بأن يقتتلوا.. فنجد الذريعة المناسبة للتدخل للحفاظ على السلم الاجتماعي، وسيناصرنا وقتها الكثيرون الذين سيجدون الثورة شيئا مسيئا للاستقرار ومقوضا لدعائمه.. ثم لا تلبث أن تخمد نارهم وتهدأ ثائرتهم.. وعندما يعاود الجو الصفاء ويعودون إلى الاستكانة نعود السيرة المعتادة ونفعل بهم ما نشاء..، وأول ما نفعله أن نلقي القبض على كبار المحرّضين بذريعة تهديد السلم الاجتماعي. إنما قبل ذلك لندعهم يعيشون لبعض الوقت جوا من الرعب والتخريب والتسيب المدروس، فستراهم يقبلون الأيدي مطالبين بعودة العجول لبسط الأمن.
اشتدّ الحنق بالشبّان إلى درجة تربو عن الوصف. كان يبدو أنهم استشعروا حقيقة المخطط الذي يستدرجهم نحو حتوفهم.. فدحرجوا الشاحنة نحو المكان الذي نوى فيه إقامة ملعب الكرة وأحرقوها هناك عن بكرة أبيها، ثم إمعانا في التحدي نثروا أجزاءها المحروقة على طول المساحة وعرضها، ثم لم تلبث أن انفجرت بالوعات المياه المستعملة وفاضت وغمرت في وقت وجيز كامل المساحة، فتحولت سريعا إلى مستنقع آسن.
ولم يكن الجيلاني بحاجة إلى تفكير كثير ليحمد الله على أنه ظلّ مرتديا جزمته البلاستيكية ولم يغامر بارتداء “نايك” وإلا لكانت المياه السائحة قد أفسدته، مثلما فعلت مع أحذية الكثيرين ممن غامروا وارتدوها، فلم يقدروا في النهاية على اقتلاعها إلا وهي مشبعة بالمياه.. وأضاعوا على أنفسهم فرصة أن يقايضوها في يوم قريب بشيء أكثر نفعا.
كان كبير قهرمانات القصر يشعر بنفسه وحيدا في حالة ضعف بالغ تقرب من الانهيار بعد حادثة الفرار الكبير تلك العشية التي عدّها عشية مشؤومة..، منذرة باندثار قريب. ومنشغلا أشد الانشغال بحالة كلبة القصر التي تعسرت ولادتها منذ أيام على نحو منذر بالخطر.. كانت الكلبة داخل القصر ممددة على فراش مرتفع تحوط بجدران غرفتها وسائد مانعة لنفاذ الأصوات المخترقة وهي تلعلع غاضبة في الساحات المحيطة. وحول الكلبة التي تعوي عواء خافتا مبحوحا تحلق عدد من بيطريي القصر وكبير القهرمانات يمشى ويجئ بينهم مرغيا مزبدا مطالبا إياهم بإنقاذ الكلبة ومواليدها لئلا ينقطع نسلها.. رائحة نتنة ملئت جو الغرفة حيث كانت ترقد، وعلى شرفات القصر المطلة على الساحة اصطف سرب من العقبان منسلّة الريش يوالي إرسال زقه دون انقطاع في داخل فضاء القصر وخارجه، كأن إسهالا جماعيا قد أصاب ذلك السرب. وبين الحين والآخر يطير أحد العقبان ويحط على نافذة الغرفة حيث ترقد الكلبة فينظر إليها طويلا بعينين مزغللتين بدموع الألم والتفجع، ثم يعود إلى سربه المصطف في هيئة عسكرية على طول الشرفات.. فيتطلع إليه بقية أفراد السرب فلا تمنحهم نظرته أملا.. كان الأمر كله يتعلق بحالة انتظار كريه لم يدر أحد منهم كم ستطول.
وفي الساحة المقابلة ارتفع هدير مكتوم أصم..
ولم تصدق تكهنات كبير مستشاري القصر حول اقتتال الناس على حمولة أحذية ال “النايك”..، صحيح هم تناهبوها.. لكن لم يقتتل اثنان حولها، بل على العكس تماما؛ سرى في الناس الذين استولوا عليها ما يشبه الإحساس باسترداد حق أو جزء من حق طال أمد ضياعه، إلا أن ذلك الحق بدا كأنّه يتعرض لعملية تجزئة وتفتيت متعمدين، أو حتى تحويل لوجهته.. أو حتى ترجمته وتجسيمه في صورة جزئيات تافهة.. مهينة ومذلة..، مثل حمولة من الغذاء أو حمولة من الملابس..، فافتكوا الحمولة وبصقوا في وجه مرسلها…
في القصر المنيف، كانت أعداد هائلة من الوطاويط معلّقة من أرجلها في السقف في البهو الفسيح المتصل بالغرفة التى رقدت فيها الكلبة. كان جو الغرفة كابيا معتما، وكان عشي النهار قد غلف أعين الوطاويط المعلقة، فلم تعد تبصر شيئا، لكن أصوات الهدير كانت تصل إلى أسماعها قادمة من الساحة التي تفتح عليها بوابات القصر، فيملؤها الهدير ذعرا وتزداد التصاقا ببعضها.. وعندما يحوم حولها بين الفينة والأخرى أحد العقبان منسلة الريش.. بزقه المتقاطر من ثقب مؤخرته، كان يتهيأ لها أنه يتأهب لأكل إحداها أو بعضها، ففي تلك الساعة داخل القصر لم يعد سهلا تمييز الصديق من العدو.. وتقع بعض الوطاويط أرضا من فرط الرعب .. لكن من الصعب القول أن سقطة الوطواط كانت ستؤدي إلى موته.. ففيما يبدو وطاويط القصر وهبت سبعة أرواح. ما كان حاصلا أن ذعر العقبان منسلة الريش لم يكن بأي صورة أقل هولا من ذعر الوطاويط.. كل يشك في الآخر، وكل يبتغي أمنا غدا مستحيلا من الآخر.
***
عندما تأهبت نورا للخروج من غرفة يوسف، بعد حديث بينهما امتدّ لساعتين.. كانت يده تمتد طوال الوقت في محاولة لإمساك إحدى يديها، لكن يدها كانت تتراجع إلى الوراء وسحنة استياء خفيف تملأ وجهها من محاولته الجريئة.. فيطرق رأسه وحمرة الخجل تكسو وجهه، كأنه ارتكب للتو جريمة، لكن نورا كانت للتو تعيده إلى ضفاف الأمل، فتبتسم في وجهه بعد انجلاء سحابة التقطيب عنه.
_ لقد عايروني يا نورا بضعفي، لكن أتحمل كل شيء.. كل شيء يا نورا، عدا أن أفقدك.
نظرت إليه نورا بعينين تفيضان بالحنان:
_ الكلب من عايرك يا يوسف. يكفي أنني أحبّك
كان الوقت الذي يقضياه معا في الحوش، ينقضي أغلبه في الشد والتمنّع.. يدنو منها فتتراجع.. ويطول به الجمود فتزحف هي نحوه..، ومن غرفة المطبخ كانت أمه صالحة لا تفتـأ تطل عليهما برأسها من الباب، الذي كان مجرد فجوة تفتح من المطبخ على الحوش.
وتحدجهما بنظرة خبيرة ماكرة ثم تقول وهي تتصنع الغضب
_ تتباوسوا ؟؟
فيغرس يوسف عينيه في الأرض ما بين ركبتيه المفتوحتين، وعندما يغلقهما تشرع نظراته بالنوسان كي لا تقع على فخذه.. وأسنانه الدقيقة التي تشبه أسنان أرنب تعض بشدة على شفته السفلى..، بينما شفتي نورا حال سماعها كلمة صالحة المستفزة تتضرجان بلون الإشتهاء وتقلب في وجه يوسف عينين جريئتين.
قال أخيرا مغالبا خجله :
_ ألا ترين أنها مثل من يدعوننا الى..، فاحمر وجه نورا رغم جسارتها وردت بحتدة مفتعلة :
_ تدعوننا إلى ماذا؟ إلى ماذا؟ وظلت تكررّ.. إلى ماذا.. إلى ماذا.. وقتا طويلا، لكنها حتى تلك الساعة لم تسمح له حتى بأن يضع يده في يدها.. في الحوش على الأقل .. ناهيك عن أن تسمح له بأن يقبلها.
كانت صالحة تعرف ما بينهما.. ومتسامحة أشد التسامح.. بل قل متعامية.. إلا أنه لم يخطر ببالها قط، حتى في أشد لحظات عماها أن يضعا ما خمنته جاريا بينهما موضع التطبيق.. أي أن يقبّل يوسف نورا.
وهي إذ اتهمتهما بأنهما “يتباوسان”، فلأنها تدرك أنهما كانا أبعد عن أن يجرؤا على أن يفعلاها، أو تسمح لهما هي بأن يفعلاها.
لكنهما رغم ذلك فعلاها تلك العشية.. لكن ليس في الحوش.
ذلك المساء الملتهب الدامي.. نزفت فيه دماء غزيرة لتسقي بذرة الأمل الذي نما فجأة..، خطر ليوسف أن حبه لنورا كان أكبر وأعمق وأشد جنونا من أن يحمله على الإكتفاء بلقاء يتيم ذلك المساء.. فواعدها بهاتفه ثانية.. مذكرا إياها بكلمة صالحة، وبأنهما لم يتباوسا بعد.. وأن قبلتهما الموعودة دوما على مرمى لفح أنفاسها الساخنة. فالتهبت لذلك التهابا، وجاءت إليه في الساحة.
كانت هذه تشبه إلى حد بعيد حديقة مهملة.
لم يكن في علمه بما فعل الشبان فيها، ولا شاهد الساحة وهي تغرق في مياه البالوعات الآسنة.. ولكنه اكتشف كل شيء عندما وصل ومعه نورا.. مثلما اكتشف أن لا أحد من الشبان لا يزال مرابطا هناك، مع أن آثارهم كانت في كل مكان.
الكتابات والرسوم وآثار الرصاص.. كانت الكتابات التي شقت الحيطان طولا وعرضا تبدو أشد ثقبا لها ونفاذا من نقاط الرصاص الغائرة:
اعتصام ..اعتصام .. يسقط النظام …
شغل.. حرية.. كرامة
التشغيل استحقاق.. يا عصابة السراق
ديقاج.. ديقاج
فهم دلالة الكلمات كلها، لكنه لم يفهم دلالة كلمة: “اعتصام .. اعتصام”
كانت هناك مظاهرات فعلا.. ومسيرات واحتجاجات وصدامات مع العجول قبل أن تتكسر قرونها، وقنابل غاز خانق ورصاص أُطلق وأجساد خرّبها ذلك الرصاص ودماء قانية روت التراب.، كل ذلك كان هناك.. أما “اعتصام” فيوسف بدا غير متأكد من استيعابه للمفهوم، ناهيك بأن يكون مقتنعا بما في حمولته من مضامين ومعاني.
أن أقف مرابطا في مكاني لأيام وليالي، في نفس المكان وفي نفس الوضعية.. مرتقبا أن يحقق ذلك أحلامي.. دون أن أدري كيف ستتحقق أو من سيحققها لي، ذلك كان شيئا عجائبيا.
كانت نورا قد قدمت إلى الساحة من الطرف الآخر من الحي الذي يكتظ بالخرائب والحفر وأكداس الخردة، انبعثت أمام عينيه مثل قطة بللتها مطرة مفاجأة، فهي تلوذ بذلك الركن باحثة عن الدفء بين الغبار والذباب الذي اكتظت به أكداس الخردة.
_ لا أحد هنا بعد، لقد غادر الحميع.
بغتة تجهم وجه نورا.. والتفتت جهة الصوت.. كان جيلاني واقفا هناك، خلفهما تماما.
كان آخر شيء يتمناه يوسف أن يصغي إلى صوت أحدهم.. آتيا من حيث لا يدري ليفسد عليه رونق الساعة مع نورا، لكنه حدث رغم أنفه ووصله صوت الجيلاني مثل يد فأس ضربته على قفاه.. كلاهما؛ الصوت الذي أزعجه.. والخبر المفاجئ الذي صدمه، خبر مغادرة الجميع، غشياه لوهلة..، مثل مد ضباب مفاجئ، نورا تغلبت في الحال على ارتباكها، فهو قد هيأ لها في الحال مجالا للحديث يصرف الجيلاني عن سؤالهما عما يفعلان هنا.
_ غادروا..؟ من..؟ وإلى أين؟
كان الجيلاني لا يزال منتعلا جزمته فلم يعسر عليه اختراق الساحة الموحلة التي تكدست في طرفها بقايا الخردة التي أكلها الصدأ.
وجهه المستطيل والخطوط التي شقت خديه وجبينه، والحفرة العميقة تحت ذقنه، المنتهية هي الأخرى بخط يمتد أسفل صدغيه متوازيا مع خط آخر أغلظ يمتد تحت فمه مباشرة، مثل كل ذلك محاكاة آدمية ساخرة لتضاريس بلدته.، خطوط عشوائية تشقها طولا وعرضا وتنتهي دائما بحفرة.. هي مسكنه.
كان في وجهه حراثة لأودية عميقة فرضها عنف الزمن وشؤم الظروف.
كلما التقاه فاضل السمين عانقه بتحبب.. ففاضل يحتوي فائضا زائدا من العاطفة، وجاس بإصبعه في الحفرة أسفل ذقنه.
_ لا أعرفك إلا بالحفرة يا جيلاني.. كم صار عمقها يا ترى؟
_ عمقا كافيا ليبتلعني إلى غير رجعة.
عادت نورا تسأل:
_ أين ذهبوا؟
فأوضح الجيلاني:
_ ذهبوا ليطرقوا على الأبواب.. لكن بالنسبة لنورا توضيحه ذاك أعطاها إحساسا بغوصها السريع في بركة من الطين.
لم تعجب كلمة “الطرق على الأبواب” نورا.. ويبدو أنها نسيت، وعلى نحو مفاجئ تحت وقع كلمات الجيلاني المبهمة، أنها قدمت لموعد حب.. ولتتبادل قبلة. إلا أنها لم تظل مبهمة عليها طويلا.. رغم أن نظراتها ليوسف كانت تطفح باشتهاء عارم بان في الرونق الاستثنائي الذي صبغ وجهها.
_ يطرقون على الأبواب؟ آه من الطرق على الأبواب.. وآه من لعنة هذا التشرد الذي لا نهاية له.. كم بدا ذلك لها مهينا.، فهو قد صورهم في رأسها مثل حشد من المتسولين أو الدخلاء، يتوسلون لصاحب الدار أن يسمح لهم بالدخول، أو أن يقضي لهم حاجتهم وهم ينتظرون تحت الحائط .
_ ما حاجتهم لطرق الأبواب؟ قالت نورا محتدة، والحال أن بوسعهم أن يخلعوها ويزيلوها كلّيا؟
فتدخل يوسف مغالبا خجله.. كان هذا الخجل سمة يوسف الأبرز ويضفي على قسماته تعابير بالغة الرقة.
ذلك كان ما تحبه فيه نورا.. وتكرهه في نفس الوقت ..
قال:
_ إن أردتما الحقيقة، فهذه أيام لا تكاد أبقت للقصر بابا، فهو مشرع أمام الرياح الأربع وأمام كل من يريد الدخول.
_ إذن ما حاجتهم للطرق على الأبواب؟ عاودت نورا واحتدادها يتزايد.. كانت تقترب من حالة الهيجان.
جيلاني اعتقد أن نورا فهمت أن الشبان بعد أن غادروا البلدة قد قصدوا بيتا أو قصرا أو عمارة فخمة يفترض بها أن تأوي المئات من الناس وشرعوا حرفيا يطرقون أبوابها.. فقال في محاولة منه لوضع الأمور في إطارها الواقعي.. وما درى أن نورا كانت تعلم وتفهم أكثر مما كان يقول، وأنه كلّما حاول وضع الأمور في إطار معقول ازدادت لامعقولية ما في ذلك الإطار.
_ ما حاجتهم لطرق الباب.. قصرا كان أو عمارة أو بيتا، عادت نورا تنهج.
_ نفد صبر الشبان من مراوغات كبير قهرمانات القصر وتراء لهم بقائهم في البلدة مثل حكم بالنفي.. تحديد لمسارات لا ينبغي لهم أن يتخطوها.. فقرروا الذهاب إليه هناك في قصره، متخطّين تلك المسارات عنوة.
_ قصره؟ عادت نورا تكاد تتقطع منها الأنفاس.. قلت قصره؟
لم يكن في شيء من هذا مفاجأة لنورا.، المغادرة .. وخواء البلدة، إنما أن يذهبوا لطرق الباب.. ما حاجتهم لطرق باب هو بابهم أصلا؟
أما يوسف ففوجئ مفاجأة كاملة، وشعر أن بقية أصدقاءه أهملوه إهمالا فظيعا ماسا بكرامته الشخصية، لكن لأمر استبعاده جانب آخر؛ لم يرغب فاضل في أن يفضي له بما اعتزموه أخيرا ولا أخذه معهم مخافة إرهاقه، وكرها منه لإبعاده عن نورا.. فهو كان يعلم أنه سيجن بعد يوم واحد تكون فيه غائبة عنه، وقد يقتله البرد..، فأخبر نورا بما انتواه وبقية الشبان، وأوصاها بأن تبقى مع يوسف لتهدئته طوال الوقت، وتترقب منه ” ايمايلات “سيوالي إرسالها لهما عبر بريده الإلكتروني..
سيتمزق يوسف بين أمرين.. كلاهما أمر جلل وبالغ الخطورة.. ثمة رصاص ودماء وجبل من الآمال قامت عليها.. وستون سنة من التعاسة والآلام تهيأ ظرف نادر لإنهائها، وثمة نورا وحبها من جهة أخرى، اعتاد اللّواذ بحبها مثل قط مشرد اعتاد اللواذ بكبة من الصوف الدافئة في ليالي الشتاء الباردة.
_ قرروا رفع جملة من المطالب واعتمدوا على الكثرة العددية لفرض الاستجابة لها.. استتلى جيلاني، في لهجة جافة، كأنه يلقي تقريرا رسميا.
لكن فاضل كان دائما يقول:
_ لنباشر جملة من الانسحابات من حلقات النظام ودوائره، ولنبادر بتشكيل حلقات ودوائر مستقلة تماما عنه تقارعه وتخرجه من الساحة
لنقتل الكلبة مرة واحدة، ولا نسمح لها بأن تخلف ورائها نسلا.
فماذا حدث له حتى غير رأيه؟ وتخلى عن إقامة الدوائر المستقلة.. وذهب ليفاوض الكلبة، ويخاطر بالتعرض لهجوم العقبان والوطاويط؟
_ لقد ذهب لذلك الهدف تماما.؛ أن يقارع النظام في عقر داره.
لم تبدُ هذه الكلمة مقنعة إطلاقا لنورا، أما يوسف فكان مستغرقا في ألق عينيها..
نظرت نورا إلى يوسف بحنو بالغ، ثم وضعت وجهها بين كفيها.. وفي الحال امتلأت نظرتها باليأس.
_ قلت له لا تذهب.. قلت له لا تذهب.
_ من؟ سألها الجيلاني..
_ صديقكم فاضل..لا تذهبوا فسيطلق عليكم العجول والعقبان، ولن تمنعوا ولادة الكلبة وإتيانها بنسل كثير.
حدق فيها يوسف ذاهلا.. العجول.. العقبان.. الكلبة.. ووطاويط.. ثم ماذا أيضا؟ من بوسعه احتمال ذلك والصمود أمامه؟
_ ولن يفعلوا شيئا من وراء ذلك غير أن يثبتوا لصاحب القصر أنه لا يزال صاحب الحل والربط.
_ ألم يكن الأمر مثل ذلك من قبل؟
_ كان كذلك إلى وقت قريب في الماضي.. فما قمنا به هو للإثبات أنه لن يكون كذلك أبدا في المستقبل.. لكن هاهم يعيدوننا لما كنا عليه في الماضي.. فننغمر فيه مجددا
_ وها أنت جيلاني تقول ذهبوا للطرق على الباب، تبا لهم ولفكرتهم..
تذكر يوسف شيئا، قبل ساعات.. وبعد مغادرة نورا له.. قبل لقائهما الثاني في نفس العشية.. أشعل النور في الغرفة بعد أن غادرته أمه. نورا تؤثر أن تبقى علاقتهما في طيات حلم.. حتى وإن أطلّت عليهما أمه من حين لآخر متلصصة، فلا تتشبع بوضوح الواقع وأضواءه، فلم تكن ترتاح أبدا إلى إشعال النور رغم غزو الظلال للغرفة. ذلك لا ينبغي أن يحمل منها على محامل سيئة.. أقلها أن نقول أنها تنتظر أن تتبادل ويوسف قبلة في جو الظلمة، ربما لم تكن ترغب في أن تصدق أن علاقتهما كانت حقيقية.. أو لا تريدها حقيقية، فهي كانت أكثر عذوبة وجمالا ورقة وهشاشة من أن يحتملها واقعهما الدامي ذاك.
البلدة بدت شبه مقفرة، بعد أسابيع امتلأت خلالها بالهدير وبالغضب وبلعلعة الرصاص والدماء المسالة.. ولم يعد هناك من صوت يُسمع غير انقلاع آخر وتد من أوتاد الخيام، أو تقوض أساس آخر من أسس البيوت المنهارة، وغير عربات الجيش تزحف عبر مسالك البلدة.
***
يتبع…
