سبعة أيام من الاعتصام

23/02/2026
WhatsApp Image 2026 02 24 at 13.51.26

تمهيد بين يدي النص

اندلع اعتصام القصبة الثاني في 20 فيفري 2011، كذروةٍ ثانية لغضبٍ شعبي لم تهدّئه وعود ما بعد 14 جانفي، ولا الحكومات المؤقتة التي أبقت جوهر النظام على حاله. دام الاعتصام سبعة أيام، انتهت في 27 فيفري 2011 بإعلان استقالة محمد الغنوشي، بعد ضغط الشارع وتكثّف الحشود القادمة من الجهات المهمّشة. لم يكن الاعتصام مجرّد تجمّع احتجاجي، بل كان لحظة كاشفة لتناقضات الثورة نفسها: بين الكرامة والصدقة، بين الحلم الجماعي ومحاولات الاحتواء، وبين من أراد اقتلاع النظام ومن سعى إلى إعادة تدويره. في هذا المناخ المشحون، حيث تختلط البطولة بالالتباس، والوعي بالفخ، يولد هذا النص ، الذي هو فصل أول من متتالية روائية مطولة، بوصفه قراءة أدبية لوقائع الاعتصام، لا تؤرّخ له بقدر ما تفتّش في منطقه الخفي، وفي الأسباب التي حرّكته، كما في العوامل التي عجّلت بانفضاضه وإفراغه من وعده الأقصى.


الفصل الأول

حين تُقاس الكرامة بالمقاس 44

حدث في الأسبوع الماضي أو الذي قبله، أن شاحنة ممتلئة بالأحذية الرياضية الرفيعة من طراز “نايك”، أرسلها أحد كبار رجال الأعمال من العاصمة، وصلت بحمولتها إلى إحدى البلدات الداخلية، وهي مغطاة تغطية محكمة، لئلا يكتشف أحد من الناس حقيقة ما كانت تحتويه، كما تعمّد سائقها التكتم عندما استوقفه أحد سكان البلدة سائلا إيّاه عن حمولة شاحنته ووجهته، فأخبره أنها حمولة من السلع وجهتها أقصى الجنوب. وليس بوسعه كشف ماهيتها له، لأنّه هو نفسه لم يكن يعرفها.

كان السائق كاذبا في كلامه. حمولة الشاحنة كما قرّر لها رجل الأعمال الكبير كانت موجّهة للبلدة إياها.. ولأهاليها الحفاة.. لفتة سامية من لدنه..، لكن ما دفع السائق للكذب كان رغبته في عدم إثارة لهفة وفوضى، تدفعان لنهب الحمولة وتفرقها بين أيدي السكان وأقدامهم، دون تمييز بين من يستحقّها ومن لا يستحقّها. الوجهة كانت للمسمّى عباس ك. أحد محاسيب رجل الأعمال ذاك.. وهو من كان مفوّضًا لتوزيع الأحذية الغالية من يد ليد.. بعد تقديره لمدى حاجة كل واحد لحذاء.

محتوى الحمولة ما لبث أن انكشف، فللأحذية رائحة تميزها، ومع إحكام تغطيتها لم تمنع بعض الثقوب في جوانب الغطاء من تعريتها وإظهارها لأبصار الناس الذين فار تنّور نقمتهم حال اكتشافهم لأمر الحمولة ومرسلها والمرسل إليه.. ماذا سيفعلون بالأحذية؟ ولأي غاية سيرتدونها. وأي وجهة سيصوبون نحوها أقدامهم بعد أن يفعلوا ذلك؟ إن الحصول على حذاء رياضي فاخر من طراز “نايك” كان آخر شيء حلموا به أو فكّروا في امتلاكه.. شعروا به شيئا مثل الفخاخ المعدّة للثعالب، تنطبق على كل قدم يسوقها حظها التعس لتدوس عليها وتكسّرها تكسيرا. ثمة من يستهزئ بهم شرّ استهزاء، جاعلا كل ما كانوا يريدونه مختَصرا في حذاء، يقذفهم به على أقفيتهم أكثر مما يرغب في إلباسهم إياه في أقدامهم، فلم يتردّدوا في قلب الشاحنة على جانبها بعد إفراغها مما احتوته.. وفي غمرة الانفعال العارم، فكّروا في حرقها، ثم عدلوا عن ذلك، وأضجعوها في قلب الطريق لاتخاذها حاجزا يصدّ غارات الشرطة، إن بدا لهذه الأخيرة مهاجمتهم لإعادة فتح الطريق أمام وسائل النقل السريعة لرجل الأعمال الكبير.

وبعد أن قرّ قرارهم في البداية على إشعال النار في الحمولة، لحرقها وحرق الحادثة برمتها وإزالة كل أثر لها، تراجعوا عن ذلك، ربما كرهًا لرائحة الجلد المحترق الذي سيملأ جو الليل برائحته الخانقة. أو ربما إدراكًا منهم لقيمتها.. والعائد الذي سيأتيهم منها لو قايضوها مع أحدهم بشيء أكثر نفعا. وأشعلوا نارا بما عثروا عليه من حطب وجدوه في تلك الليلة القارسة في الخلاء المحاذي للطريق المقفر.. وتكوّموا حول بعضهم تحت أحد الحيطان الخربة يلتمسون شيئا من الدفء.

_ قريبا تعود العجول وينتهي الخوف فلا تقلقوا.. ردّد يوسف النحيف بسذاجة، من حيث هو واقف على حافة الطريق، بعد أن سرى شيء من الدفء في أطرافه، يحرس الحمولة المكدسة في المنخفض المحاذي له.

فردّ عليه فاضل السمين:

_ العجول.. لاشك أن قرونها تكسّرت مؤخرا، لكن لا تزال لديها ذيول تلسع بها لسعًا مؤلما..

إن ما عنياه بالعجول مكسرة القرون ولاسعة الذيول لم يكن غير الشرطة.. كانت أياما عصيبة تمرّ بها تلك العجول، حملتها على الاختفاء كليا، فلم تعد قطعانها تسرح في الطرقات أو تقتحم البيوت، وهو ما أثار قلق ناس كثيرين وجزعهم، ممن لا تصور لهم للأمن في غياب العجول.. بقرونها الفرعاء المسنونة وذيولها الطويلة اللاسعة.

عاد فاضل:

_ من أتى على سيرة العجول التي دأبها أن تزرع الخوف ولا تميته؟ لتذهب إلى غير عودة… ماذا خسرنا بغيابها غير الخوف؟ وسدّد نظرة قاسية تلقاء يوسف.

كان مصباح إنارة عمومي مذبذب الإضاءة ينير الساحة الصغيرة التي تتوسط البلدة، وما وراءها في الاتجاهات الأربع يغرق في الظلام.

سُمع في الظلام دبيب أقدام، ثم انبعث من أحشاء الظلمة جسد شخص سرعان ما انضم إلى مجموعة الحراسة التي كانت تقرب من اثني عشرة نفرا.

_ تأخرت عنا كثيرا يا مراد

بان مراد تحت الضوء، شاب طويل فارغ الجسم ناحله، بداخل قميصه من الهواء أكثر مما فيه من جسد. لكن ملامحه متصلّبة، ووجهه جامد التقاطيع.

_ مثلما ترى يا فاضل، أبذل جهدا لأبدو لطيفا مرنا. لكن منية تقول أن لا أمل فيّ، فأنا خُلقت لأكون حجرة

فدمدم في وجهه فاضل:

_ لماذا تأخرت..

حدق فيه مراد مذهولا..

_ كان في نيتي أن لا أحضر أصلا .

_ ونترك البلدة نهبا للصوص..

فرد مراد مندهشا:

_ أيّ لصوص؟ وأيّ نهب؟ وأيّ بلدة؟ هل عندك في بيتك أو في بيت أي أحد من جيرانك الأقربين أو الأبعدين، غير هذين.. وأشار مراد بهزتين من رأسه إلى رجلين يقفان على مسافة منهما ويتبادلان الحديث همسا، أحدهما سمين كث الشارب ويحشر جسمه داخل معطف محكم الغلق، والثاني فارع القامة يضع على ذراعه اليسرى شارة بيضاء،.. هل في أي من بيوت الناس، عدا هذين الرجلين.. ما يستحق أن يُسرق ؟

_ أملاك الناس مهددة بالغارات ..

فرد مراد بحدّة:

_ ماذا يملك الناس؟. لماذا لا تقول العكس: الناس يستردّون أملاكهم

_ ما تلك الشارة البيضاء على ذراع أحد هذين الرجلين؟

في واحدة من تذبذباته المتكررة، انطفأ الفانوس وألقت الحلكة بجناحها الثقيل على الساحة، لكن الشارة على ذراع الرجل ظلت مرئية تسطع في الظلام .

انتظر مراد حتى عاد النور ليرى فاضل ظل ابتسامة تهكم على وجهه..

_ يفوتك الكثير يا فاضل، أنت الذي نتعلم منه الدرس، تلك الشارة تدل على أنه عضو في “لجنة حراسة الحي”.. تراها الشرطة عندما تمر من هنا، إن خطر لها المرور، فلا تؤذيه، لأنه عينها وأذنها علينا، تلك علامة تفاهم.

_ علامة تفاهم.. مع..

_ مع الشرطة.. نعم قلها لا تخف.

اقترب شاب اسمه سعيد، سمع معظم الحديث بين مراد وفاضل، وسأل:

_ ماذا نفعل هنا بالضبط؟

_ ماذا نفعل هنا؟ ردّ مراد ببطء، منتظرا مرة أخرى عودة النور ليسعفه رأسه بالإجابة .. واندلعت مع عودته مثل لقمة رفضتها أحشاءه فتقيأها جوفه دفعة واحدة.

_ نحرس أشياء هذين اللعينين، من أناس جاؤوا ليستردوا أشيائهم.

فرد سعيد وهو يبتعد عن مراد:

_ هراء، السارق يظل سارقا، ومن لا يستطيع سرقة الكثير سيسرق القليل.

تابعه فاضل في ابتعاده، ثم عاد لمراد:

_ أعتقد أن في كلامه شيء من الوجاهة، من لا يقدر على افتكاك طاقم كؤوس، سيسرق كأسك الوحيدة، ومن يعجز عن انتزاع مليون.. لن يعجز عن انتزاع دينارك الوحيد.

فرد مراد محنقا:

_ إذن علينا أن نستميت دفاعا عن حق أحدهم في حيازة مليون، لتحتفظ بحقك في حيازة دينار واحد.. ونفخ بقوة.

_ هراء.. رد فاضل.

_ وعلينا أيضا أن نساعده.. هذا الذي تسميه سارقا تحت جنح الظلام.. لكي لا يعود خائبا في مسعاه لسرقة المليون وسرقة طاقم الكؤوس، فلا يفكر في انتزاع كأسك الوحيدة، وانتزاع دينارك الوحيد.

ثم مال إلى بقعة مظلمة وراءه وبصق وهو يتمتم:

_ ألف لعنة عليك يا سعيد. لم يكن خطأ من رفاقك في المدرسة، أنهم لقبوك ب”سعيد بين المزابل”

لكن مراد لم يجرؤ على شتم سعيد. الذي يبدو كثير التحفظ ومقل جدا في كلامه.. وتعييره بذلك اللقب في وجهه.. لمجرد أن رأيه لم يكن يروق له.. احتفظ بالشتيمة لنفسه. يقولها لها.. ويستمتع بذلك. دون أن يسمعه أحد.

ولم يلبث أن عاد ببصره إلى النور، فوقعت عيناه على يوسف..

_ يوسف، كأني بك تحرس الحي وحمولة الأحذية؟ يا لك من رجل خطير، وابتسم وربت على كتفه، كان الأولى بك حراسة نورا.. ولعلها هي أقدر منك على حراستك.

يبدو جسد يوسف نحيلا ضعيفا ولا يقدر على المواجهات البدنية..

أما مراد، فكان قد فقد أباه منذ شهور قليلة، وأباه هذا لا يعيش معه في البلدة الصغيرة، كان رجلا مثل الخيط في نحافته وهزال جسده. ولم يؤلم مراد من وفاته غير أنه كان والده ، فالروابط بينهما انقطعت من سنين طويلة، وغير أنه لم يفلح في معالجته من داءه الذي قتله في النهاية. وقبل وفاته بسنين امتهن مراد أو جرّب أن يمتهن التجوّل في الحي بعربة فيها خليط من السلع المهرّبة. من وراء الصندوق المتهالك الذي صفّف فوقه علب السجائر الدزيري المهرب كان يطل برأسه ويصيح:

– يحيا بوتفلقية.. يحيا بوتفليقة..

فعلا..، المجد والثناء كلّه لبوتفليقة، فهو من أتاح له امتهان هذه التجارة وأتاح له التزود بتلك البضاعة الرخيصة.. رغم أنه كان بالكاد يربح منها شيئا، لكثرة نقاط الانتصاب المشابهة.

لكنه هذه الأيام تغير كليا.. صار يأتي إلى ليالي الحراسة دون صندوق ودون سجائر ولا يعني بالانتصاب بهما خلال النهار.

صار يراوده حلم أكبر من بوتفليقة..

ومراد لم يحب تلك الاحذية ولا رغب قط في انتعال أحدها..

_ وما المانع في ذلك؟ ربما يكون ذلك واحدا من أكثر الأعمال نزاهة التي قد يقوم بها شخص متبطل مثلك؛ أن تحرس الحي ومن فيه من بشر ضعفاء. متى تكف عن هذه الفظاظة مراد؟ رد فاضل بلهجة حاسمة على تعيير مراد ليوسف بأنه ضعيف أسكتت مراد وأماتت سخريته.

_ إنني لم أقل إن يوسف ضعيف، بل أردت أن أقول أنه هنا ليس في مكانه.

إلا أن يوسف الرقيق النحيل لم يكن يصغي لشيء من هذا الكلام.. ولا بدا عليه التأثّر به..، وما كان لشيء كائنا ما كان، أن يعطّل تدفّق الابتسامة على صفحة وجهه. كانت يده قد امتدّت إلى الكدس الذي بجانبه، وفيما ابتسامة عريضة تكتسح صفحة وجهه الصغير، كانت قدمه النحيفة تنزلق داخل الحذاء الجديد الضخم. بدت هيئته مثيرة للضحك، لضخامة الحذاء قياسا لنحافة قدميه.. مما جعل لجرجرته خلفه في قدميه دبدبة مسموعة. أقلق صوت الدبدبة فاضل. هو لم يكن راغبا في الهزء ممّا كان يفعله يوسف ومن صوت الدبدبة، قدر ما كان يجاهد ليتغلب على مشاعر النقمة والغضب التي كانت تجتاحه، لرؤية هذا الكدس .. ولرؤية اللهفة على امتلاك شيء منه وقد بدأت تزحف شيئا فشيئا على نفوس الرجال، هؤلاء الذين لم يتح لهم أن يمتلكوا في حياتهم شيئا، قدما يوسف النحيفتان لم يكن مقاسهما يتعدى 40 أو 41، فيما أغلب الأحذية كانت مقاساتها بين43-44، كانت فيما يبدو مصممة لأقدام أناس من الجبابرة.

قال لرجل الأعمال الكبير أحد مرافقيه قبل إرسال الحمولة:

_ إن هؤلاء قوم يسيرون أغلب العام حفاة بأقدام مشقّقة، فصيرها الحفاء عريضة مفلطحة مثل حوافر البقر.، و ذات مقاسات شائهة قد تكون 44 أو حتى 46، وقد يتفاوت حتى مقاس القدمين عند رجل واحد، وسذج بلهاء سينشغلون بالتقاتل على امتلاك أحذية بهذه الفخامة فلا يلتفتون لأمر عداها، حتى وان اتضح لهم في نهاية الأمر أن لا شيء أبعث على السخرية والاحتقار، من شخص متبطل حُرم من كل شيء يمشي في ثوب زري، وفي قدمية حذاء “نايك” فاخر.. سيكون اجتماعا عجيبا بين الأصالة والمعاصرة مثلما نود لهم أن يفهموها ويطبقوها”

وهكذا لم تكن الأحذية لتلائم أي مقاس إلا عشوائيا، سواء كان نحيفا أو ضخما.

الابتسامة تتلاشى من على وجه يوسف وحمرة الخجل تتفاقم وهو يصغي لتقريع فاضل..

_ كان يجدر بنا حرقها كلها.

بدا على وجه سعيد التردد..

_ تحرق الاحذية؟ إنها غالية وثمينة.

كانت تلك واحدة من الكلمات القليلة التي قالها تلك الليلة.. وعلى قلّة ما كان يقوله، فإن عاصفة غالبا ما كانت تثور في وجهه، يحركها مراد عادة، الذي لا يعجبه شيء من كلام سعيد.

تابع هذا:

_ والشاحنة ماذا نفعل بها؟

_ ألف لعنة على أحذيتك الثمينة وعلى شاحنتك وما ستفعل بها. أهذا هو ما سنذهب إليه؟ ننتظر ما سيفعلون لنجهد عقولنا في استحضار رد عليهم.. ولا نبادر..

فسأله سعيد:

_ بأي شيء تبادر؟

بدا على وجه مراد التردد، وبحث في أرجاء دماغه عن رد مفحم يسكت به تشكيكات سعيد، فلم يعثر فيه على غير آثار لعناته التي صبّها على كدس الأحذية والشاحنة وما سيفعلون بها.. والآن وجد فرصته ليصب لعنة إضافية على سعيد، احتبست طويلا في حلقه، ووفر لها سعيد بمطاولته شقّا تسللت منه ليمطره بها..

_ اللعنة على ما تقول يا سعيد.. ألف وستين لعنة، ألا تملك عينين لترى؟ خمسة عشر يوما من الصراع الدامي تصدّعت إثرها حصون النظام تحت وقع ضرباتنا، وتأتي الآن لتقول بأي شيء نبادر؟

_ إنني.. تأهب سعيد للرد والمطاولة.. لكن فاضل لم يدعه يكمل، تدخل مقاطعا، شاعرا بعبثية استمرارهما في نقاشهما الممتلئ شكوكا، كان يعرف أن لا جدوى من التحيّز لأيّ من الاثنين أو الانتصار لأحدهما على الآخر. ويدرك أن كليهما يقول حقا، لكن كلاهما عندما يتكلم متذمرا أو يشكك في أمر، كان يعبر عما يراه تأخرا فادحا في الوصول إلى المحطة التي رغبوا في بلوغها. ولكي يصلوا جميعا.. هكذا فكر فاضل.. عليهم بالمزيد من السير، وليس التشكيك فيما قطعوه من مسافة.

رد فاضل مفكرا:

_ انتظر،.. الشاحنة.. هكذا نكون عمليين في تفكيرنا، ما كان يجدر بنا قلبها.. فقد نكون بحاجة لها لنتنقل. أما الأحذية.. فكرامتنا أغلى، لن نقبل بصدقة ماكرة .

_ إلى أين؟

لم يتسع المجال لفاضل ليرد، فأزيز عربة الجيش المقتربة من بعيد ملأ الجو، كان سائق الشاحنة المحملة بالأحذية قد غادرها مغضبا.. محملا الحشد هناك مسؤولية تعطيله عن إتمام أداء واجبه، واختفى قليلا ثم عاد إلى حيث كان يتجمهر الشبان..، مدعيا الانشغال على مصير الشاحنة والحمولة، إلا أن لا شيء من هذا في الحقيقة كان يهمه.. لا الشاحنة ولا الأحذية ولا البشر ولا القضية التي اجتمعوا حولها. هو لم يفهم شيئا من الأسباب التي حملت الناس على الثورة، و كان مستعدا ليحيل مسؤولية كل شيء على “المزاج المنفلت” المسيطر على تصرفات الناس.. بعد أن انهارت سلطة الحاكم وتراخت قبضة القانون، والمزاج المنفلت كما كان يتمثل له ويتصوره، كان يعني التحطيم والحرق والتكسير والسلب والنهب، سلب الناس راحتهم وزرع الخوف في كل مكان.. وكان مستعدا ليصف الثورة بأبشع النعوت، ويشوهها أشنع تشويه، ولم يعسر عليه اختلاق مسرحية تعرضه للسرقة في هاتفه الجوال من قبل الشبان أثناء تعرض شاحنته للاحتجاز..

وقف ناحية الطريق وعيناه مسددتان تلقاء نقطتين من النور الوهاج كانتا تقتربان من مجموعة الشبان بسرعة سلحفاتية وأزيز ينبعث منها يملأ سكون الليل صخبا.. كانت شاحنة للجيش.

لكنها ما أن اقتربت حتى انحرفت يمينا، ودخلت زاحفة في مسلك جانبي وتلاشى الضوء الوهاج، وإن ظل الدويّ ينبعث منها لوقت غير قصير.

_ لماذا تشوهنا؟.. لسنا لصوصا.

– لستم لصوصا؟ ونظر بسخرية الى قدمي يوسف تجرجران الحذاء الرياضي الضخم

دمدم فاضل في وجه يوسف:

_ انزع الحذاء سريعا يوسف، إنك تسبب لي العار..

ردد مراد خلفه:

_ انزع الحذاء يا يوسف ..

كانت نظرات الاستهجان أكثر منها كلمات فاضل الغاضبة هي ما حدا بيوسف للتلويح بقدميه، فطار الحذاء الضخم منهما في اتجاه الحافة المظلمة للطريق وانضم للكدس الذي آلى فاضل على نفسه ألا يدع إنسانا يقربه قبل حرقه عن آخره.

أما الشاحنة فله ولرفاقه معها شأن آخر.

***

يتبع…

مقالات ذات صلة

  • فيديو | اعتصام “المعارضة النقابية”: فرصة “لإنقاذ الاتحاد” أم “تدميرٌ” له؟

    تقرير لإياد بن مبروك بمساهمة غسان بن خليفة يتواصل اعتصام "المعارضة النقابيّة" منذ يوم 25 جانفي الجاري في بطحاء محمد…

    الأخبار, عمّالية, هام

    اعتصام المعارضة النقابية
  •  الحرب على ايران ستحدّد وجه منطقتنا لعقود.. فماذا نحن فاعلون؟

    تدخل الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران يومها السادس، وكلّ المؤشرات تدل على أنّها لن تكون قصيرة هذه المرّة. فنحن بوضوح…

    افتتاحيّة, الموقف

    الحرب على ايران
  • عقود اللزمات والطاقات المتجددة: كيف تُخصخص الأرباح وتُعمّم الخسائر؟

    تحرير : صابر عمار مراجعة : الياس بن عمار قرّر مكتب مجلس نواب الشعب، إثر اجتماعه يوم الخميس 26 جانفي…

    بلا حياد

    Capture d’écran du 2026 02 27 09 14
  • ثورة من القاعدة: كوميونات فنزويلا والمقاومة الشعبية

    تجربة الكوميونات في فنزويلا هي أحد مفاتيح فهم قدرة المجتمع على الصمود حين تُستهدف الدولة بحصار اقتصادي وعدوان سياسي وإعلامي.…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 02 02 at 11.40.40
  • قراءة في كتاب ’القمصان السود والحُمر‘ لمايكل بارنتي

    "لم يقم الفلاسفة إلا بتفسير العالم، لكن الهدف هو تغييره".  رحل يوم 24 جانفي المفكّر الماركسي والباحث في العلوم السياسية…

    بلا حياد

    مقال حول كتاب مايكل بارنتي