سبعة أيّام من الاعتصام – الجزء 2 – أرض لا تتسع للأحياء

15/06/2026
أرض لا تتسع للأحياء

شاهدتُ يوسف قاعدًا عند طرف حفرة حُفرت للتوّ. أفلتت يدي من يد الجيلاني وهممتُ بالجري نحوه.. لكن لم أستطع الوصول إليه.. بدت لي المسافة التي تفصلني عنه مثل مائة كيلومتر.. أو أن شيئا لعينًا غامضًا قد كبّل ساقي وشلّها.. يا لهفي.. كم كان وجهه مختلفًا.. لم أحبّه في حياتي مثلما أحببته في تلك اللحظة.. تخلى عن وداعته وكسا التصلّب ملامحه.

عادت منية للعويل:

_ ولدينا أموات في المقبرة القريبة. ألا احترموا حرمة الأموات..

_ ألا أنت.. احترمي حرمة الأحياء.. عاود الرأس الإطلال من حفرته.

تذكّرت حديثًا حول اعتزام رجل الأعمال القيام بأعمال توسعة للمقبرة.. وغلبتني السخرية . رغم الشلل الذي زحف هكذا على أطرافي.. بدلا من قيامه هو بتوسيع مجال إقامة الأموات، يقوم هؤلاء بتوسيع مجال إقامة الأحياء.

_ لكننا نعمل في الليل.. قال نفس الرجل هادئ النبرة ذو الصوت المشبع بالحنان.. رجل أظنّه من رافق يوسف عند صعود الهضبة. لكنه هذه الساعة كان يقف بجانب امرأة صامتة.. إذا قمنا بصب الأسس تحت جنح الظلام، فسيأتي الجيش صباحا ويردمها، فهو لا يعترف لأحد منّا بامتلاك شبرٍ واحد من هذه الأرض.

لكن منية لم تكن تصغي إليه.. ما كان يهمّها هو المحافظة على سلطة الشرعية والقانون.. وبغتة، التفتت فوقعت عيناها على يوسف.. يوسف كما لم تره من قبل أبدا، فصرخت:

_ يوسف.. ما الذي جاء بك إلى هنا؟ هذا ليس موقعك.. عد إلى مكانك في الرواية..

ردّ محنقا:

_ لقد غادرت الرواية.. لم أعد ألعب دورا يُملى عليّ..

_ لا ليس مكانك، ردّت منية مصرّة. وليس من مهامك ارتقاء التلّ.

_ لقد ارتقيته يا منية.، ونزلت منه وتركته خلفي ولم أُصَب بسوء.

_ يوسف.. زمجرت منية بلهجة آمرة تتقنها كل الإتقان.. عد إلى مكانك في الرواية. فأنت لم تبرأ من هشاشة العظام.

أصغى إليها يوسف بهدوء هذه المرة دون أن يسارع بالرد.. ووصلتني كلماتها مثل طعنة خنجر أصابت كبدي.

ردّ يوسف أخيرا:

_ وفري لهذا الرجل الذي يحفر بيتا إذن وسأعود.. وإن عدت وتسلم زمام الأمر مجددا ذاك المؤلف الذي يظهر لي غير ما يبطن، فلن ينجح ولن أنجح، ولو استرسل في تقريضي والثناء على سلميتي وهدوئي ودماثتي لألف صفحة أخرى، في إقامة جدار واحد لهذا الرجل يقيه وعائلته البرد والذل.

صرختُ دون وعي مني:

_ أنت هنا يا يوسف؟ آخر مكان توقعت أن أراك فيه هو هنا.. خلف المقبرة..

أبصرني يوسف وسمعني. لم تبد عليه المفاجأة لكلامي، امتلأت سحنة وجهه بحزن أليم وهو يرد عليّ:

_ حتى أنت يا نورا ..؟ لا ترين لي مكانا غير الذي حُدد لي من البداية في الرواية.

اختلطت عليّ الأمور فلم أعد أعرف أين أنا ومع من أتكلم، فطفقت ألطم وجهي وأضرب أكداس التراب بقدمي وأصرخ:

_ ولا ذاك كان مكاني أنا.. ولا ذاك كان مكاني أنا.

رد عليّ صاحب الصوت الهادئ:

_ من وضعك فيه إذن؟

إنّنا عالقان.. عالقان في شبكة مصير مُعَدّ لنا سلفًا. مثل حشرات ملتصقة بلحاء شجرة عجفاء يابسة الجذع.. وليس أمام هذه الحشرات من مصير غير أن تظلّ هكذا ملتصقة بذاك اللّحاء. ومدركة أن سقوطها على الأرض يعني أن تدوسها الأقدام سريعًا. مادة الحياة نضبت من اللحاء وجفّ ماءه، نقسر أنفسنا على الدخول في حالة موات وسبات لا ندري هل سيطول أم سيقصر. يبدو الزمن بلا معنى بالنسبة لحشرة. الزمن وتوالي السنوات له معنى فقط للأحياء الماسكين بزمام مصائرهم. أما نحن، فلسنا معدودين من الأحياء. ولمصائرنا وجهة واحدة: أن نظلّ إلى الأبد ملتصقين بالجذع الأعجف ذاك. لا ندري أحياء نحن أم أموات.

يومنا كأمسنا كغدنا، وما نبيت عليه نصبح عليه كذلك.

هبّت عاصفة فقوضت الشجرة، وقعنا على الأرض وأطارتنا الرياح في كل تجاه. ألفينا أنفسنا هنا وراء المقبرة.. في التخوم الفاصلة بين حدّي الحياة والموت.

الناس يحفرون أسسا، يبتغون بناء بيوت لهم. هنا على مشارف المقبرة. والمساحات خلفها شاسعة واسعة وغير مأهولة تمتدّ شمالًا وشرقًا، تضاريس قليلة الاستواء لا تصلح للفلاحة، ولا يكاد يسكنها أحد.. لأنه لا يُسمح لأحد بأن يسكنها. حتى تلتقي الطريق بعد كيلومترات عديدة، هناك حيث تشرع الأرض بالارتفاع بشكل ملموس في صورة سلاسل من الهضاب، لتمضي مع الطريق وتدور معه غربًا حتى تلتحم بالسهل وتصبح وإياه فضاءً واحدًا.

كان عجيبا أنني شعرت أنني أرى السهل بوضوح أشد من الفراغ الذي يلي المقبرة، مما كنت أفعل انطلاقًا من السفح الذي يصبّ فيه مباشرة.

هو لم يعد مقفرا ولم تعد تشقّه مسارب تمضي كل واحدة منها إلى واحدة من بيوت الناس.. كتلّ من البناءات الغريبة المسورة بحيطان عالية جثمت فوق أديمه وقطعت أوصال تلك المسارب فلم تعد تفضي إلى أي مكان. بل تدور في حلقة ثم تنتهي إلى حائط، فتمضي معه إلى حيث لا أعلم، لكن ما أعلمه وأراه كل يوم أنه من ثغرة في أسفل ذلك الحائط يخرج أنبوب، ومن ذلك الأنبوب ينبعث سيْل من المياه الآسنة شكّل بالتدريج بركة لا تجف من المياه النتنة حاصرت بيوتنا في السفح.

هكذا إذن، بعد أن كنت كل صباح أفتح عيني على مشهد السهل الجميل، الآن صرت أفتحها على مصبّ نتنٍ من المياه المستعملة.

لم يمثّل السهل في حد ذاته تحققًا لحلمي.. لكن ما آل إليه ذلك الحلم كان أمرًا بشعًا جدا

ها نحن أخيرا في العراء، بعد أن لفضنا اللحاء الميّت للجذع الأعجف. نتطلّع ببصر متحفز للأفضية المحيطة التي عاودت الالتحام ببعضها، ونواجه العبء المضني لصنع المصير.

الرجال الذين شرعوا في خلط الإسمنت بعد انتهاءهم من حفر الأسس توقفوا عن ذلك بعد استماعهم لكلام الرجل الهادئ حول ما سيحصل غدا، ورأوا في صبّ الحفر إمكانية أكيدة لضياع الإسمنت، وفضّلوا الانتظار لبضع سويعات حتى يطلع النهار و تصل شاحنات الجيش ويتفاهموا مع العسكريّين، دون أن تداخلهم ذرّة من شكّ أن الجيش لن يكون إلا في صفّهم وسيدعمهم كل الدّعم.

ولم يفكر أحد في العودة إلى بيته. نام الجميع في الحفر التي حفروها، بأجساد يغطّيها العرق المترب. ناموا وهو يحتضنون حفرهم ويتوسدّون فؤوسهم. حلمهم الغالي الموشك على التحقّق .

المرأة الصامتة التي تقف بجوار الرجل الهادئ تمسح على رأس يوسف بحنان. لم أستطع رؤية وجهها أولا.. انسلّ يوسف من تحت يدها ولاذ بركبتي فمدد رأسه فوقها واستغرق في النوم. نام يوسف على ركبتي ويدي تمسح على جبينه وتمر على عنقه. والمرأة الصامتة تلتفت إليه.. وقع بصيص من النور على وجهها فعرفتها.. كانت الشقيقة الصغرى لفاضل، أخت منية.. التي تناقضها في كل شيء.. تجلس قريبا من الرجل الهادئ، وتبادله النظرات، وفي تلك اللحظة فهمت سرّ الهضبة وسرّ كل ذلك التاريخ

كان تاريخًا للحب.

أما منية فبعد صوْلاتها المذكورة تخلّت عن جِدالها مع الحشد وعادت إلى بيتها.

***

لا أعرف هل نمت أم ظللت طوال تلك الليلة مستيقظة. الذي أعرفه أنّني أفقت على فيْضٍ من النور يغمر عيني ووجهي. ثم أصغيْت لصوت لعلعة. لم تكن شاحنة الجيش هي التي تقترب، بل سيّارة “باسات” تسير ببطء بجوار الخطوط التي شقّتها الحفر. وبداخلها رجل غريب الملامح يتلفت ليمينه ويساره ويشير بكلتا يديْه إشارات تدلّ على الدهشة الغامرة. شفتاه ممطوطتان على آخرهما والذهول يملأ نظرات عينيه.

استيقظ بعض النائمين على صوت اللّعلعة ونفضوا عنهم الأتربة ووقفوا وقفة تحفّز يرْقبون سير السيّارة.

وصلني صوت الرجل رغم المسافة:

_ هل ستشهرون في وجهي الفؤوس؟

هزّ البعض رؤوسهم نفيًا.. وردّ عليه أحدهم:

_ ولِمَ نفعل ذلك؟ هل تحسبنا قتَلة؟

_ إذن ماذا تفعلون هنا؟ ولم تقتحمون أرضي؟ سأل راكب السيارة بصوت كلّه ضراعة وتظلّم.

_ أرضك..؟ عقب الجيلاني وهو يشعر أن توضيح الرجل كان مثل حصاة نقرت جبهة رأسه.

_ نعم أرضي.. ردّ الرجل وهو يرفع صوته.. وأرض عائلتي.. وأوراقها بحوزتنا منذ أزيد من مائة عام .

علت البهتة وجه الجيلاني.. ونظر إلى رجل شرع في الحال بالحفر.. رجل بائس الوجه محطّم الجسد لم يملك في حياته بيتًا، بل يعيش في حفرة ملحقة بالجحر الذي يأوي أبويْه الطاعنيْن. ولم يُرد هو الحلول محلّهما رأفة بهما وفضل الحفرة. وطلّق زوجته، أو زوجته طلّقته من سنوات لعجزه عن أن يُوفّر لها بيتًا ودخلًا يُعيلها منه وصغاره الثلاثة.

_ بحكم القانون.. تابع راكب السيارة.. هذه أرضي.. وأملاكي.. وعائلتي.

لم يعبأ الرجل بائس الوجه بما قاله صاحب السيّارة وإنّما سأله على حين غرة:

_ هل تشعر بالخوف منّا أيها الرجل؟ لأننا صمّمنا لمرّة في حياتنا على أن نمتلك شيئا؟ يا صاحب هذه الأرض الواسعة، التي تملك أوراقها أنت وعائلتك منذ أزيد من مائة عام… يا للهول.. مائة عام.. هل تشعر بالخوف الآن؟ ونحن نأخذ من عائلتك ما يقرب من واحد بالمائة مما تملكه. ما أن اقتربتُ منك حتى اشتممت تلك الرائحة.. أنفي لا يخطئها أبدًا. الرائحة التي تفوحُ من كل جبان..

فُوجئ صاحب “الباسات” باللّهجة الحادّة لمخاطبه، لكنه اقتلع من لسانه بعض الكلمات رغم ذلك:

_ كيف أخاف منكم وأنا صاحب الحق وصاحب الأرض؟

عقب الجيلاني هازئا:

_ بحكم الشرعية والقانون؟

_ أتريدها فوضى..

_ أتريدها بؤسًا وتشرّدًا لا نهاية لهما، ليعيش قانونك؟ مائة عام من البؤس وتقول هل من مزيد؟ ردّ الرجل، ثم أضاف بلهجه صارمة؛. أنوي شيئا مهولا.. كنت أحضّره من زمن بعيد لأمثالك.. فمن لديه ما يخافه فلينصرف من هنا.. فليست هذه ساحته ولا معركته.

_ أمك الق.بة .. قال صاحب السيّارة بصوت حسبه لا يصل لسمع الرجل. ثم رفع إصبعه الأوسط في وجهه وعقب:

_ ماذا بوسعك أن تفعل؟

_ ماذا بوسعي أن أفعل؟ ردّد الرجل البائس بصوت كالصدى، في الوقت الذي كان فيه ينزل إلى الحفرة ويهوي بقوة حقودة بفأسه على وجه التربة الصلبة.

_ في أيّ عالم تعتقد أن بوسعك أن تنتزع منّي أرضي؟ عاد صاحب السيارة.. ستُطاردك كلّ قوانين البلاد وكل أجهزتها.. وتردم ما حفرت وتُلقي بك في السّجن.. هذه الأرض كلّها أرضي.. مملوكة لي ولعائلتي بالوثائق.. وتلك لعائلة ف. التي يعيش أغلبها في النمسا. والتي تليها هي لعائلة س. والمساحات التي بعدها مملوكة بالكامل للأخوين ت. وم . والأخرى التي تراها مجاورة لذلك التلّ البعيد موثقة لفائدة مجمع ال.. وله حقوق استغلالها لخمسين عام.. فأين تراه اللّبس الذي يُتيح لك أن تطمع في شيء منها؟

مجمع ال. هو شركة المياه المعدنية التي تملك الحقّ الحصريّ في استغلال ما على وجه تلك الأرض وما في باطنها من مخزون مائي. والأرض قبل أن تتسوّغها كانت على ملك عائلة يشتغل أغلب أفرادها في قطاع التوريد. فلا صلة تربطهم بالأرض غير عقد ملكية يُفيد أنّهم هم مالكو تلك الرقعة الشاسعة.

وعائلة س. تملك سلسلة من المغازات في إحدى المدن الكبرى. والأخوين ت.وم . يشتغلان في تجارة الأعلاف والبذور.. لكنهما لا يزرعان شيئًا، بل كلّ معاملاتهما مع شركات “الأوف شور » .. يستوردان منها البذور المُعدّلة وراثيًا ويبيعان لحسابهما، ولهما عمولة مجزية.

أما عائلة ف. فلديها عدا هذه الأرض هناشير وزياتين وعقارات متفرّقة.. وبعد أن كان والدهم.. الذي كان رجلًا محسنًا..، بالمفهوم التقليدي للإحسان، يُقيم شراكات مع الفلّاحين ممّن لا يملكون أرضًا، فيشتغلون في أرضه مقابل تناصف العوائد. فضّل ابنه بعد وفاته التخلّص من العبء الفلاحي كلّه وصار يقوم بكرائها لهم مقابل عائد سنوي يزاداد من سنة لأخرى.. بعد دراسته لوضعية الفلّاح. فان وجد أنّ لا خيار أمامه غير الاستمرار في الكراء، أو إن المحصول جاء وفيرًا، فرض عليه زيادة.

_ شيء مهول .. عاود الرجل وهو يصعد من حفرته، كأنّ لا شيء من تقرير الرجل بلغ سمعه.

تلفتت حولي أبحث عن يوسف، فرأيته بعيدًا يهوم بين القبور ومعه أخته الصامتة.. وقريبًا منهما يمشي الرجل الهادئ.

أوضح لي الجيلاني:

_ لا شكّ أنّهما يبحثان عن قبر والدهما..

قلت شبه مغضبة:

_ أهذا وقته؟

_ من نحن لنحدّد ميقات أي شيء ؟

_ شيء مهول.. سأفعله الآن، كرّر الرجل الذي صار جسده كله خارج الحفرة.

_ هذه الأرض لفلان وتلك لفلان والثالثة لعلان، ولم يبقَ إلّا أن تقول لنا: مكانكم أنتم المقبرة.. أهذا ما تبغي قوله؟ ثم أردف بصوت متوحّش:

_ أي قانون هذا الذي يفرض عليّ.. احتراما للشرعية.. أن أظلّ متشرّدًا مدى الحياة لا أعثر على بيت يأويني؟

ومن داخل حفرة أخرى، فيما ضربات الفأس تنهال فلقًا على التربة القاسية، جاء صوت آخر متناوبا مع صوت الرجل:

_ أي قانون هذا الذي يفرض عليّ.. احترامًا للشرعية..أن أظل متشرّدًا مدى الحياة لا أعثر على بيت يأويني؟

هذا الصوت الذي ينبعث من فمك، يشبه ريحًا نتنة.. ولا فرق بين أن ينبعث من فمك أو ينبعث من مؤخّرتك.. أعد عليّ ما قلته في أمّي قبل قليل..

وقفز فوق السيّارة..

تذكّرتُ في الحال أمي.. كانت تنام على مسافة قريبة منّي.. وأشعر بها من مسافة أقرب.. تراني وتسمعني وتهيب بي أن لا أكون جبانةً. لكنّ بصري وسمعي كانا متّجهان صوْب الرجل المتأهّب لخوْض معركته.

_ أعد عليّ ما قلته في أمّي قبل قليل.. وأرني ذلك الإصبع مرّة أخرى..

بان الخوف في عيني راكب “الباسات”، وردّ بصوت يقرب من التضعضع:

_ إهدأ يا رجل.. وانزل من على السيّارة.. إنني أعتذر ممّا قلته.. هل يرضيك هذا..؟

_ كلا لا يرضيني.. وصرخ:

_ هل سبق لكم أن رأيتم في هذه البلاد رجلاً كالحَ الوجه بائسَ الملامح يتبوّل على سيّارة بورجوازي لعين ابن كلب دون أن يخشى العواقب.. يا ناس.. يا بشر.. يا ملاعين.. سبِق أن حذّرتكم.. من لديْه ما يخشاه فليغادر الساحة؟ أنظروا إليّ.. سأفعلها الآن. إنّني أتبوّل عليك وعلى قانونك وشرعيّتك..

وبمنتهى الحرد والحقد فتح سلسلة سرواله وواجه الرجل المقعد على مقعده والخوف يشلّه وغسل بلّور السيّارة غسلًا بالبوْل .

_ يا رجل..

_ لديك ماسحة زجاج جميلة.. افتح الماء.. افتح الماء لتغسل زجاجك..

تردّد الرّجل ودار بعينيْه يبحث عن مناصر، فضرب الآخر البلّور بقبضته ضربة قويّة، فانصاع الرجل وفتح ماء ماسحة الزجاج فانقضّ الآخر عليها وشدها شدًّا عنيفًا حتى اقتلعها.

_ ادفعوا معي.. ادفنوه حيث يريد هو أن يدفننا..

الحشد الذي كان يُتابع النّزاع اللّفظي مأخوذًا سرت فيه الحرارة الآن. بوسع حركة واحدة.. ضربة واحدة مسدّدة في مكانها الصحيح.. ركلة.. بصقة.. حرد انتقامي سكن عقول الجميع، وانفجر في فرد واحد بعد احتباس سنين. في لمْح البصر تفكّكت طبقات الجبن الذي يصنعه حسّ التردّد. واكتسحت الأذهان تلك الحقيقة المريعة:

_ ادفنوه حيث يريد هو أن يدفننا..

_ أين كنت؟

_ كنت أريد رؤية قبر أبي

_ هل قال لك شيئا ؟

_ نعم ..

_ ماهو ؟

_ قال لي: إنني أحسدك على نومك.. من حيث أنت تحسدني على نومي.

_ ادفعوها نحو الحفرة.. صرخ الرجل البائس وصوته يلتهب..

عرف صاحب “الباسات” أنّ الجمع مصمّم على إلقاء السيّارة داخل حفرة، ففتح بابها وفرّ بجلده.

صرخت منية:

_ وهم علاوة على ذلك كانوا مسلّحين بالفؤوس

_ وأغلبهم كان في حالة سكر..

قدمت لتدلي بشهادتها متزيّنة متعطّرة وبوجه مرسوم شبيه بوجه القطّة.

_ سترون سريعا عواقب هذا.. الرجل شكاكم للجيش.

سيأتي الجيش، وسيقولون له أنهم محرومون مشرّدون تعساء بؤساء، وسيتفهّمهم ويُسندهم ويحميهم ولا يسمح لقوّة أن تفتك منهم ما استرجعوه من حق.

_ الثورة.. قطار دهم بيتك وبيت أمثالك من المفسدين وقوّضها على آخرها.

_ الثورة.. حشرة مضرّة.. تعلّقت بستائر البيت.. وسأسحقها سريعًا بضربة نعل..

إنكم أنتم المفسدون.. المعتدون على أملاك الغير.. وستُسجنون سريعًا ..

قبل غروب شمس هذا اليوم..

جاء الجيش بعد قليل.. وبمعيّة جرّافة شرع يردم كل ما حفره النّاس من أسس للبناء المرتجى. وغلبت على الناس الخشية من العواقب الوخيمة التي أنذرتهم بها منية، فتجمهروا حول حفرة الرّجل الذي بال على السيّارة ودفعها في الأخدود حتى أخرجوه وسلّموه لدورية الجيش.. لكنهم بعد أن استوعبوا صدمة اللّحظات الأولى استردّوا رباطة جأشهم وعادوا إلى الحفر مصمّمين على استرجاع ما ضاع منهم. هكذا من النقيض إلى النقيض في حيّز زمني لا يتعدّى بضع ساعات .

أما أنا ويوسف وصاحبه والأخت الصامتة لفاضل، فهربنا واختبئنا في شعاب المقبرة. كنت أحمل يوسف حملًا. أما الجيلاني فتمّ إمساكه من جملة من أُمسكوا.

من مخبئنا بين الأضرحة لم نتصوّر للحظة أنّ الجيش سيفعل ما فعل.. لكن ما تلى ذلك.. في المرحلة الثانية من الصراع.. كان مفاجأتنا المريرة التي أطاحت بكلّ ما في أذهاننا من أوهام..

سمعت عسكريًّا يقول مخاطبًا شخصًا آخر يرتدي زيًّا رسميًّا:

_ لن يفرق هؤلاء غير الغاز المسيل للدموع. وليس من مهام الجيش ولا من المناسب لسمعته أن يظهر في صورة القامع بشكل مباشر للتحرّكات الشعبية.. والأفضل لنا الانسحاب وترك القوّات الخاصّة تتولّى أمر الحشود.

وأعقب ذلك رؤيتنا لدوريات الجيش تنسحب في شكل رتل. ولم يطل بنا الوقت بعد ذلك الانسحاب.. وبعد قليل لم نعد نرى شيئًا، فالغاز والدخان اللّذان غمرا الساحة أعميا عيوننا في الحال.

***

يتبع…

مقالات ذات صلة

  • فيديو | اعتصام “المعارضة النقابية”: فرصة “لإنقاذ الاتحاد” أم “تدميرٌ” له؟

    تقرير لإياد بن مبروك بمساهمة غسان بن خليفة يتواصل اعتصام "المعارضة النقابيّة" منذ يوم 25 جانفي الجاري في بطحاء محمد…

    الأخبار, عمّالية, هام

    اعتصام المعارضة النقابية
  • لماذا شجّعنا مصر؟ لأنّها مصر…

    لعبت مصر مباراتها الأخيرة ليلة أمس في كأس العالم لكرة القدم. لعبت بقتاليّة عالية وكانت قريبة من إخراج الأرجنتيني، بطل…

    افتتاحيّة, الموقف

    لماذا شجعنا مصر
  • سبعة أيام من الاعتصام – الجزء 2 – الوعد الذي لا يعود منه أحد

    اليوم السادس : انقطعت "النات" عن البلدة، فلم يعد بوسع فاضل إرسال شيء من أخباره أو أخبار الاعتصام، ولكن ممّا…

    أدب وفنون

    WhatsApp Image 2026 07 01 at 13.58.19
  • لومومبا يخترق المونديال

    سُجّل الهدف، رُفع القميص الأحمر، كُتب عليه: "تعاطفًا مع غزّة"…لم تلقَ صورة أبو تريكة رواجًا على مواقع التواصل الاجتماعي، لأنّ…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 06 25 at 17.20.35
  • 100 يوم من الاعتقال: متى ينتهي هذا العار؟!

    مرّ أكثر من مائة يوم كاملة على اعتقال المناضلين القائمين على تنظيم أسطول الصمود. ومن المفارقات أننا نحيي كذلك هذه…

    افتتاحيّة

    100 يوم