صوت الحصار: حين يصبح الصّمود وحده الحرب الممكنة

04/11/2025
Whatsapp image 2025 11 04 at 14.15.41

1

هل هذه القضيّة جديرة منّي بتضحية مثل هذه؟

سؤال بحجم جريمة، يفرش ممرّا فسيحا للخيانة، طرحه على نفسه “رازوموف” في رواية جوزيف كونراد Under Western Eyes، وفكر فيه ليلة كاملة، بينما صديقه “هالدين” يختبئ من زبانية القيصر في الغرفة المجاورة. في الصباح الباكر عثر على الإجابة ووشَى بهالدين ونفض يده من الحكاية.

هالدين، المنتمي للمجموعة الثورية في روسيا أثناء ثورة 1905، تصل به حماسته الثورية لحد ارتكاب عملٍ عَدَّه كونراد حماقة: محاولة القيام باغتيال الوزير “س” في الحكومة الرجعية آنذاك. ثم يتخذ غرفة رازوموف، زميله طالب الفلسفة في جامعة بطرسبرغ الذي تتميز شخصيته بالغموض والانعزالية، ولا يعرفه إلا قليلًا، ملاذًا له، معتقدًا مما بدا له مما عاينه من سلوك رازوموف المقطوع من شجرة، والذي لا يعرف له صلات مع أحد، أنه مختلف عن غيره من الأذلاء، فالمتشابهون لا يكونون إلا أذلاء، والمختلف لا معنى لاختلافه غير كونه ذا ضمير وصاحب مبادئ ومخلصا وجديرا بالثقة، ومن ثم فهو دون ريب على نفس الخط معه ويُشاطره الإيمان بنفس القضية، وبوسعه أن يوفر له الحماية من أجهزة القيصر.

رازوموف شخص صامت انعزالي قليل المخالطات، وبالتالي قليل التجارب، وطالما هو بلا تجارب فهو كان صفحة ملساء نقية من الأخطاء. وبما أنه ذو طبع صموت فلا سجل له في ممارسة النميمة أو التقوّل على غيره. جميع هذه الصفات جعلته يكبر في عيني هالدين الثائر، ويكتب عنه لشقيقته “ناتالي” التي تعيش في جنيف وتنشط ضمن مجموعة “Little Russia” الثورية، فيصفه بأنه شخص يتسم بسموّ الوجود، وطهارته، ووحدته المتعالية: “a man of lofty, unstained, and solitary existence”.

لكن الحقيقة أن هالدين كان مخدوعًا في رازوموف؛ علاوة على أنه لم يكن يجد معنى لكل ما أسبغه على الشاب من صفات إلا في سياق مُشاطرته له الإيمان بقضيته، فإنّه لم يكن يحمل أدنى تعاطف مع الثوريين. كل ما كان يعنيه هو متابعة مساره الجامعي والتخرج والحصول على موقع في المجتمع. ولا تهمه أيّ قضية كبيرة، وعندما سقط عليه هالدين في الليلة التي أعقبت قيامه بمحاولة اغتيال الوزير “س” في الحكومة الرجعية، كان الأمر صاعقًا بالنسبة لرازوموف الذي تركه في غرفته وخرج مهوّمًا في الشوارع، خائضًا معركة عنيفة مع نفسه، سائلًا إياها إن كان ما فعله هالدين يستحق منه الثمن الذي يريد أن يدفعه: أي إضاعة مستقبله الدراسي وربما حياته بأكملها ثمنًا لقضية لا يؤمن بها. تمتم طويلًا لنفسه: هل سبق لي بكلمة أو إشارة أو نظرة أن أعطيته دليلًا على انتمائي لمجموعته؟ أو أن هذه القضية تعني لي ما تعنيه له؟

Did I, with a single word, gesture or look, give him a way to suggest that I was on his side, or that this whole affair meant to me what it meant to him?

يأتيك القدر الغامض من حيث لم تتوقع ثم يسألك: “هل الباب الخارجي مقفل؟”.

كان ذلك بالضبط ما تلفظ به هالدين وهو يلج غرفة رازوموف بعد ارتكابه لعمليته:

is the outer door closed?

لا لا لا لا لا لا لا… يستحيل ذلك. مستقبلي سيتحطّم.

عاد رازوموف في الفجر إلى غرفته ليقدم الفطور لهالدين، ثم ذهب رأسًا إلى الـHeadquarter (مبنى عسكري) وقام بالتبليغ عنه. تم الإمساك بهالدين وأدين، واعتقد رازوموف أن بوسعه نفض يده من الحكاية واستئناف حياته كأنّ شيئًا لم يكن. هو لم يلتزم لهالدين بشيء، ولم يقل له يومًا إنه يسانده في قضيته، ولم يضمن له الحماية حال إقدامه على أمر يحتاج منه الاختفاء من الملاحقة، وبالتالي من وجهة نظر رازوموف لا خطأ فيما قام به، وبِوسعه نسيان الأمر كله واعتبار حادثة لجوء هالدين لغرفته في الليلة السابقة قطعة من الحماقة لا مسؤولية له عليها.

يدلي رازوموف بشهادته ويورّط هالدين، ثم في اللحظة التي يهمّ فيها بالخروج وهو يقول:

“أودّ أن أغسل يدي من الحكاية برمتها، أن أعود حيث كنت”.

I want to wash my hand from this once for all, I want to retire…

يرد عليه المسؤول، المستشار ميكولين: “تود أن تعود… إلى أين؟؟؟”.

انغلق خط الرجعة خلفه ولا إمكانية للعودة من حيث أتى.

لأنه اتضح فيما بعد أن رازوموف قد وقع في شبكة عنكبوت. مسؤولو الـHeadquarter قرروا اتخاذه ذبابة لاصطياد عناكب “Little Russia” في جنيف. ينوون إرساله إلى هناك، مستغلين الرسالة التي أرسلها هالدين لشقيقته هناك ومدح فيها رازوموف وخصاله؛ ظاهريًا كواحد منهم وكمساند لهم. والرسالة ستفتح له أبواب المجموعة الثورية كلها، كجاسوس يستسقي أخبارهم ويرسلها لدوائر القيصر في بطرسبرغ. سافر رازوموف إلى جنيف، وهناك التقى ناتالي ووقع في حبها واعترف بكل شيء ونال عقابه.

هل هذه القضية تستحق مني تضحية مثل هذه؟ هل هالدين “بحماقته” قد قدم الإجابة الصحيحة؟ السؤال طرحه كونراد على لسان بطله رازوموف من زاوية ضيقة جدًّا هي زاوية “ما سأربح وما سأخسر آنيًا”، التي عكست روحًا سائدة في روسيا زمنها شبيهة جدًّا بالروح السائدة عندنا، وينتصر للحيادية ويقدم تفهمًا كاملًا لبواعث رازوموف لتبرير خيانته لصديقه وخذلانه له، في الوقت الذي تتطلب الإجابة عنه فهمًا أكثر اتساعًا بمدى ارتباط الذاتي بالموضوعي ودورنا في الحياة وموقعنا في حركة التاريخ العامة.

رازوموف كان ابن واقع بائس أنتج إنسانًا لا مباليًا، يميل للحيادية ولتغليب مصلحته الخاصة، النقيض تمامًا لراسكولنيكوف بطل دوستويفسكي الذي لم يستطع الوقوف لامباليا حيال فقره وحيال فساد العجوز المرابية. وهالدين مارس تمردًا أحمق على وضع استبداد أشد حماقة. لكن هل الصمت والحياد، اللذان يمثلان جوهر “العقلانية” المتخاذلة، سيَضمنان لنا السلامة؟ وما مفهوم “السلامة” في ارتباطها بموقعنا الكلي بالتاريخ؟

لو عاد رازوموف لحياته ولم يرسله ميكولين كجاسوس، ترى أي حياة كان بوسعه الاستمرار فيها واحتمالها وهو يدرك أنه تسبب في مقتل شخص وثق فيه؟ ويعيش بإنسانية تحوي شرخًا لا سبيل لرتقه؟

وقس على ذلك وعلى نحو موسع، التبريرات المتهافتة لدعاة الرصانة المغشوشة، لانسحابهم المخزي من جميع ساحات الإسناد، فيما آلة القتل الصهيو-أمريكية تمضي على نسق جنوني متوحش في اقتلاع مختلف صور الحياة في غزة الذبيحة.

***

2

لم يقبل المرحوم إدوارد سعيد بدخول فلسطين أبدًا وهي تحت سلطة الحكم الذاتي، ولم يطبّع مع نظام العدو بأي كيفية، لا مباشرة أو مواربة، ولم يزعم يومًا في سياق تذرعه بذلك أنه يقوم بدعم صمود الداخل، بل اكتفى بالوقوف عند الحدود اللبنانية الفلسطينية وقذف بحجرة في حركة دعم رمزي لانتفاضة الحجارة.

لا يمكنني الاسترسال في محاورة مطبّع وكسر رأسي بالاستماع لدعاويه المتهافتة بعدم وجود تطبيع ولا اعتراف بالعدو حتى وهو يقف في طابور منتظرًا الترخيص منه للدخول لأراضي الحكم الذاتي. لقد أدان إدوارد سعيد الاتفاقية التي أتت به معتبرًا إياها مجرد دمية منحها الصهاينة لحكومة عباس ليلتهي بها، فيما هي توالي قضم بقية الأراضي وتهويدها، ورفض دخول أراضي الحكم الذاتي معتبرًا إياها مسخرة وأضحوكة… لكن ثمة سؤال صغير يُلحّ عليّ: هو إذا كان الذين دخلوا إلى رام الله لا يعتبرون ذلك تطبيعًا ولا اعترافًا، بل دعمًا نبيلاً لكفاح الفلسطيني، فلماذا لم يحدث أن قرأنا لهم كلمة واحدة عن تلك الزيارات “الداعمة” ولا ذكر لها في منشوراتهم التي لا يتوقفون فيها دقيقة واحدة عن استعراض أنشطتهم العامة والخاصة ورحلاتهم على مدار الساعة؟ فلا نعرف بأمر الزيارة إلا في صورة فضيحة فشلوا في قبرها، أو صدفة عندما تتكلم ألسنتهم على خجل، فيَنْبَرُون في حالة دفاعية هستيرية يكيلون الاتهامات لمن وضع تطبيعهم في إطاره الحقيقي، فيصفونه بأنه منافق وكاذب، وإن كان صادقًا في مواقفه فلماذا لا يعلن الحرب على “إسرائيل”؟

الإجابة: استمرار المقاطعة دون هوادة وخنق العدو هي الممكن الوحيد أمامنا حاليا، كجماهير وشعوب منحازة للحق الفلسطيني، وهي التجسيم العملي لحربنا ضده… بعد أن قامت الأنظمة العميلة بغلق الجبهات وصيرت خوض معركة الاسترداد الشامل عبارة عن تحويل المقاتل إلى لحم مفروم وبيت مدمر تحت أبشع قصف جوي عرفته البشرية خلال هذا القرن.

هل يعتقدون أننا نريد أو سنقبل الهجرة إلى مصر وتحقيق صفقة القرن؟ بإخلاء غزة وتوطيننا في سيناء… مستحيل، سينقلب الأمر عليهم. هذه المرة سنذهب إلى أرضنا المحتلة، إلى القدس.. وسيذهبون هم عائدين من حيث أَتوا. لأن الأمر لو حدث وتم توطين الغزاويين في سيناء في مخيمات، واستتبّ الأمر للصهاينة فأقاموا على أنقاضهم المستوطنات في غزة وأعادوا ضمها، أو حوّلها ترامب التاجر إلى منتجعات سياحية ومشاريع استثمارية مربحة لأصحاب الرساميل، فإن ذلك سيكون قطعًا ضد منطق التاريخ وضد كل منطق، وعلينا ساعتها أن نكفر بمبدإ انتصار صاحب الحق على ظالمه نهائيًّا ودون رجعة أو ندم. لا أفهم ولن أفهم أبدًا أن يمتلك أحد من البشر، ثلاثة جوازات سفر، تتيح له الإقامة حيث يشاء في ملايين الكيلومترات المربعة المتاحة أمامه، ومن بين أرض الله الواسعة يختار حط الرحال في رقعة ضيقة من الأرض عامرة بشعبها وفي بيت عامر بأهله. فيحتلّ الأرض ويشرّد الشعب ويستحوذ على البيت، ثم يعتمد الترويع من جهة وعلى الزمن من جهة ثانية، ليتحالفا وليُحقّقا له التنازل النهائي ممن بقي من أهل البيت عن أرضهم وبيْتهم… ولو بالشروع في إبادتهم، لكنه يفاجَأ كل مرة بحقيقة أنّ من يرغب في إبادتهم أحياء لا يموتون وغير قابلين لأن يموتوا، وبالثارات تستيقظ كل مرة بعنف أكبر، وأنّ الزمن لم يُنسِ أصحاب القضية في قضيتهم.. ومفتاح البيت الذي اُفتُكّ منهم مازال معلّقًا على الحائط. هنا يتحالف صمود أهل الداخل مع الحصار من الخارج لتدمير المحتل نفسيًّا وإفقاد استحواذه على الأرض أيّ معنى، وجعل أي محاولة منه لتطبيع وجوده مع محيطه هشيمًا تذروه الرياح.

للغزّاويين ما يحاربون من أجله وهم محاصرون في زاوية الدفاع عن رمق الحياة الأخير. لا ينبغي أبدًا الاستهانة بضراوة الدفاع عن الرمق الأخير، ولا بما سيكيل لعدوه من ضربات ستُغيّر وجه المعركة كلياً، رغم الاختلال الهائل في موازين القوى. وليس لعصابات الصهاينة سبب واحد يخوضون من أجله حربًا، حتى ولو ظاهرهم الغرب كله محمّلًا بنفاقه ووحشيته وتاريخه الحافل بالدماء والقتل. الصهاينة هم ورثة ذلك التاريخ والحاملون لرايته الملطّخة… والأقلية الغزاوية هم من يقف اليوم وراء مهمة كتابة تاريخ مختلف للبشرية.

***

3

نحن حيال قضية صحيحة يدافع عنها طرف سيء.

بعد أن تمّ، منذ نهاية الثمانينيات، الإجهاز على حركات المقاومة الوطنية التقدمية في جنوب لبنان وفلسطين المحتلة وتنظيماتها، التي كانت في زمنها تضع الصراع مع الصهيونية دومًا في سياقه وإطاره الصحيحيْن، وتعطيه بُعده ومعناه السليميْن: قضية تحرُّر الإنسان الفلسطيني من السيطرة الإمبريالية، والتي تمثّل الصهيونية واحدة من أبشع تعبيرات تلك السيطرة، بالاغتيالات وبالتكفير والمحاصرة، خلا الجوّ في فلسطين ولبنان للجماعات الجهادية والطائفية التي كان لبّ صراعها الانتصار لمذهب على حساب مذهب ودين على حساب دين. وتدير معاركها دومًا على أسس الولاء العقائدي والطائفي لطرف خارجي والارتباط بمحور إقليمي تَدين له بالتبعية مقابل تعهد منه لها بالحماية والتمويل عند حصول أي ترتيبات أو فرز للحسابات في المنطقة. أي ببساطة، هذه التنظيمات تقوم على الدوام بمهام تبدو في ظاهرها أعمال مقاومة لا نملك إلا مساندتها بشكل تام، بينما هي في حقيقتها ليست غير ترجمة لعمليات التحريك التي يطلبها منها حاميها الإقليمي. فهي لا تفعل غير استخدام القضايا المبدئيّة ورهنها مثل قضية تحرير فلسطين أو القضاء على الصهيونية كأدوات لخدمة مصالحها وتمكينها من مزيد من مواطئ القدم.

لكن في العملية الأخيرة للمقاومة اتضح بشدة أن الجسد المنتفض للمقاومة -بمفهومها الوطني والإنساني المتحرر من خناق حسابات الطائفة والمذهب- قد كان أكبر من أن يحتويه الوعاء الحمساوي. بل لعلّ الرأس السياسي البورجوازي لحماس قد تم تجاوزه تمامًا وبقي يلهث لمتابعة مسار المعركة ومحاولة احتوائها. وما يرفعه المقاومون أثناء العملية من شعارات مشبعة بالنزعة العقائدية، لم يكن تعبيرًا عن أيديولوجيا معينة بقدر ما كان تجييشًا للمشاعر الدينية وتعبئة لقدراتها وتوظيفها بشكل خلّاق، على النحو الذي قام به الأمير عبد القادر والشيخ عمر المختار، ودفعها للاشتباك في المعركة لا غير.

ماذا كانت الحسابات الطفولية للرأس السياسي لحماس؟

بعد العملية البطولية ستقوم “إسرائيل” لا محالة بعملية انتقامية. لكن هذه العملية لن تستمر لأكثر من بضعة أيام، لأنه أمام تصاعد أعمال القتل وفظاعة الإجرام الصهيوني قدّرت حماس أن بوسعها دفن رأسها في أعماق الأنفاق وترك مسؤولية حماية الملايين من الناس في رقبة “العالم الحر” الذي لن يصمت، والأمم المتحدة ستتحرك لإيقاف آلة الحرب الصهيونية.

إيران لن تقف مكتوفة اليدين وهي ترى ذراعها الإقليمي ينهار وتتدخل لا محالة، لكن بأي كيفية ستتدخل؟ وهل في تاريخ إيران تدخلات من هذا النوع؟ هذا ما لم يكن بوسعه القيادة الحمساوية الإجابة عليه بوضوح.

جنوب لبنان سيشْتعل وحزب الله ستأخذه روح الفزعة هناك ويدخل المعركة بكل ما عنده من قوة ودون حسابات، وكذلك جميع الجبهات الأخرى التي ستتحرك مأخوذة بقوة الضربة التي تلقتها إسرائيل ببعدها البطولي… وتنفتح أبواب الجحيم على “إسرائيل”. لكنّ الهدف لن يكون مطلقًا إزالة الكيان وتحرير فلسطين كلها، بل تحريك الوضع بقوة للتمكين مجددًا لمحور إيران-قطر-تركيا لاستعادة مواقع النفوذ التي فقدها في المنطقة.

لم يحدث شيء مما حسبته حماس… باستثناء جبهة غزة المشتعلة بطبيعتها، وباستثناء ضريبة الدم التي يدفعها يوميًّا الغزاويون ثمنًا “لإعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة بما يعيد توازن المحاور”. لم تتحرك أيّ من الجبهات التي عقدوا عليها الأمل، لأن رأس حماس لم يعِ أنه بامتلاكه أملًا مثل هذا إنما يتنكر لطبيعته الطائفية التي انبثق من رحمها. لا يهمّ الجهاتِ التي تدين لها بالولاء وتنتظر منها النصرة فلسطين ولا تَحرّرها ولا القضاء على الكيان باعتباره وكيلًا استعماريًّا وكيانًا استيطانيًا يقوم وجوده على التدمير والإبادة.

ماذا بقي أمام غزة وهي تواجه تهديد الإزالة التامة من على وجه الأرض؟ هل نكتفي بالخلاصة الجوفاء التي لا ترى من آثار إنجاز السابع من أكتوبر غير أنه منح الصهاينة الذريعة المثلى للإقدام دون تردد على تنفيذ مشروعهم القديم بالإبادة الكاملة لشعب فلسطين وافتكاك الأرض كلها نهائيًا؟ هل يقدرون على ذلك؟ ليست الإجابة على هذا السؤال مهمة فيما يبدو لحماس أو لإيران أو لتركيا أو لمصر أو لحزب الله. فليس لأي من هؤلاء صراع في المنطقة مع الصهيونية يقوم على أساس مبدئي، وليس مهما لهم إن قاوم الفلسطينيون وصمدوا أو أفناهم القصف الصهيوني على آخرهم، بل جميعها تحسب الحسابات وتضرب الأخماس في الأسداس لترى كم ستخسر وكم ستربح لو تدخلت هنا بشكل محسوب أو وقفت على الحياد واكتفت بالمساندة الكلامية والتنديد بالمذابح. فلا أحد يتعرض للذبح والقتل غير بؤساء العالم الذين يختنقون في غزة، وهؤلاء في حسابات كبار العالم وأنذاله ليسوا غير كمّ منسيّ من الحشود لا هويّة لهم ولا اسم ولا ثمة من سيفتقدهم. ولن يؤثر موتهم واختفاؤهم في السياسات الكبيرة التي يتم إرساؤها حاليًا.

لم تفعل المعركة الحالية بين غزة من جهة، والصهاينة بمختلف وجوههم من جهة ثانية، غير أنّها وضعت الشعب الفلسطيني وجهًا لوجه، ودون وسطاء أو وكلاء، أمام عدوّه وجلاّده. وفجّرت الصراع معه على أشد وجوهه وحشية وهولا، واتضح نهائيًا أنه لا سبيل للتعايش معه، فالصراع مع هذا العدو يقوم على أحد حدين: إمّا أن نزيله نحن وإمّا أن يزيلنا هو.

ما بقي للمقاومين الحقيقيين في غزة الذين غلبت عليهم روح القتال من أجل التحرر وكيْل الصاع للجلاد، وتجاوزت بمسافات بعيدة جميع الحدود المرسومة والحسابات السياسية الوسخة، غير ما قاله محمود درويش.. الذي كان بدوره مدافعًا أرستقراطيًا عن قضية جميع ضحاياها مثلوا نقضيه طبقيًا واجتماعيًا، ولعل هذا ما غيّبه وغيّب تداول شعره في أوساط المقاومة وهي تمارس ما تقدر عليه من أعمال التجييش لحساب المعركة المريرة الحالية:

حاصِـر حصاركَ،

لا مفـرُّ سقطَتْ ذراعُك فالتقطْها واضــربْ عدوَّك لا مفرُّ

وسقطتُ قربَكَ،

فالتقِطْني واضربْ عدوَّك بيْ

فأنتَ الآن حـُـرُّ حـــرٌّ وحـــرُّ

قتلاكَ أو جرحَاك فيكَ ذخيرةٌ فاضربْ بها،

اضربْ عدوَّك لا مفرُّ

أشـــلاؤنا أسماؤنا

حاصـرْ حصـارَك بالجنونِ وبالجنونِ وبالجنونْ

ذهبَ الذين تحبُّهم ذهبوا

فإمَّا أن تكونْ أو لا تكونْ

ســــقطَ القناعُ عن القناعِ عن القناعْ

ســـقط القنـاعْ

مقالات ذات صلة

  • هل تغيّر موقف السلطة من قضية إسناد فلسطين؟

    ربما كانت نيّة بن علي سنة 1987 إنقاذ البلاد من فوضى قادمة... وربما كان بورقيبة، من قبله، معنيًّا بفلسطين إلى…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 03 09 at 16.48.42
  •           لحظة حياة من قلب الدمار: حوار مع المخرجة ميّ سعد

    على هامش أيام قرطاج السينمائية، في دورتها الـ36، التقى موقع انحياز بالمخرجة المصرية ميّ سعد في حوار حول الفيلم الوثائقي…

    أدب وفنون

    WhatsApp Image 2026 01 05 at 16.32.08
  • مخططات ترامب.. وسياسة فرض السلام من خلال القوة وخططه المفخخة

    منذ اللحظة التي اندلعت فيها الحرب على قطاع غزّة، بدا واضحًا أنّ دونالد ترامب، الرئيس الأميركي العائد بقوة إلى المشهد…

    رأي

    WhatsApp Image 2025 12 05 at 18.36.49(1)
  • من أجل غزة والسودان وكلّ الأوطان: “كتلة تاريخية” ضدّ الطغيان!

    تتسارع الأحداث في المنطقة العربية بالفترة الأخيرة، وتصبّ جميعها في اتجاه أساسي: محاولة العدو الأمريكي الصهيوني الاستفادة استراتيجيا لأقصى حدّ…

    بلا حياد

    Whatsapp image 2025 11 05 at 19.56.34