إن المرحلة الجديدة من الإمبريالية التي تقودها مستوطنتا الشر الصهيو-أمريكية قد أماطت اللثام عن نتائج عقود من العمل الأيديولوجي والتوسعي الاستعماري، الذي نجح في اقتلاع جزء كبير من الجنوب العالمي من الوعي المعادي للإمبريالية، ووضع سقفا منخفضا للعمل السياسي والثوري والتنظيم الذي تتطلبه هذه المرحلة الخطيرة.
لذلك، لا بدّ للطليعة الشعبية في كل مكان أن تقوم بدورها ومسؤوليتها التاريخية في الحشد والتعبئة والتنظيم، وتحدي عمل عقود من تزييف الوعي النيوليبرالي، وعزل الشعوب عن المعركة الأساسية ضد الإمبريالية وأذرعها من أنظمة الاستعمار الجديد والأبوية والوطنية الشوفينية. إن هذه المسؤولية تتطلب تشريحًا للواقع الاجتماعي الذي طغت عليه الانعزالية، والبدء في معركة ضرورية لتغيير الفكر السياسي وانتشاله من السجن الأيديولوجي للاستعمار، الذي دمّر قدرة القواعد الواسعة من الشعوب والحركات السياسية على التقاط التناقضات والمشاركة في المعارك المصيرية لشعوب الأغلبية، والتي تُعدّ خسارتها خسارة لكل ما قاتلت وعاشت لأجله من أرض وحياة وموارد ومصير. كما تتطلب الدعوة إلى توحيد الصفوف وراء حركات المقاومة في إيران ولبنان، التي لا تزال صامدة وتخوض حربًا مصيرية ضد الإرهاب الصهيو-أمريكي نيابة عن شعوب الأرض جمعاء.
تمرد المستوطنات أم تحقيق هدف الإمبريالية؟
تتأرجح الإمبريالية، بفعل تناقضاتها وأزماتها، بين الوجه الصريح لجذورها وأهدافها الذي تمثله المستوطنة الصهيو-أمريكية، وبين النسخة الأقدم التي ترفع فيها أوروبا خطاب حقوق الإنسان والشرعية الدولية. إلا أن الوجه الصريح لهذا النظام المأزوم، والذي وصل لذروته في الحرب الإبادية ضد غزة والعدوان على لبنان وإيران، قد شكّل مرحلة جديدة لا يمكن أن تنتهي إلا بانتصار الشعوب أو محوها ووضعها تحت سيادة إمبراطورية استيطانية تقودها “إسرائيل” وأمريكا ضد كل الجنوب العالمي، وليس فلسطين فقط.
إن انكشاف أدوات وخطابات هذه المرحلة وضع حدًا لقرون من الأقنعة الأيديولوجية التي حاولت أوروبا أن تظل بها مسيطرة بنظام قيمي يجعلها مركزًا للعالم بالاستعمار والغزو العسكري، لكن قبل كل شيء بأسطورة الخلاص والحضارة والحرية. لقد صمّمت أوروبا النمط الأول للإمبريالية بعد أن صنعت أولى مستوطناتها الناجحة في أمريكا الشمالية، حيث أنتجت الإمبراطورية البريطانية “فرانكشتاين” الحضارة الغربية دون رتوش: كتلة استيطانية ملغمة بالقوة والرأسمالية المتوحشة والغطرسة البيضاء. وكان لتلك الصنيعة الأثر الأكبر على غزو بقية العالم وتركيعه لنظام الاستغلال والنهب والتخريب.
لم تُخفِ أوروبا يومًا شغفها الوجودي بالدماء والمحو والتحكم بمصائر الشعوب وبمصادر القوة والنفوذ في العالم، رغم ما قدمته من نظم فلسفية وأيديولوجية وأخلاقية تبرر الغزو باسم التحضير والتطور، لكنها كانت دائمًا صريحة في أحقيتها العنجهية في موارد الجنوب العالمي وإخضاعه بمنطق القوة. وبعد التدمير التام للمستعمرات وإنشاء سلاسل العبودية والنهب الرأسمالي، صنعت بريطانيا الوحش الاستعماري الثاني، وزرعته في خاصرة المنطقة الممتدة من جنوب غرب آسيا إلى شمال غرب إفريقيا، كيانًا يضمن استمرار المشروع الاستعماري دون رتوش، ويُريح بريطانيا الإمبراطورية، التي كانت تعيش على صفيح المقاومة في إفريقيا وآسيا، من حمل الضغط الصهيوني الذي تشكّل على أرضها، ليكون وعد بلفور الخلاص الإمبريالي لأمة مهووسة بالغزو والاستعمار.
لقد شكّل هذا التسلسل التاريخي لتضخيم نفوذ الإمبريالية عبر تاريخ استعمارها للأغلبية العالمية في إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، الدعامة التي استمدت منها المستوطنة الصهيو-أمريكية قوتها في التوسع والغزو والحروب خارج نطاق مستعمراتها في فلسطين وأمريكا الشمالية. فقد قام الكيان الصهيوني على فكرة أرّقت الإمبراطورية البريطانية منذ بسط نفوذها الاستعماري على البلدان العربية، حيث هدفت إلى جعل استدامة السيطرة على فلسطين مفتاحًا لسيطرة أوسع تمتد ما بعد نهر الليطاني ومنابع الأردن وحتى ضفتي الخليج ونهر الفرات، بالإضافة إلى السيطرة على الممرات البحرية في إفريقيا وآسيا كونها العصب الأساسي لتصدير الثروات والمواد الخام التي تضمن بقاء الرأسمالية وازدهارها.
في المقابل، كانت أمريكا تجسيدًا لجوهر الرأسمالية في مراحلها الأشد توحشًا، وسعت خلف أهداف الإمبراطوريات الإمبريالية كقوة عسكرية وتكنولوجية متقدمة، فشاركت أوروبا هيمنتها على العالم، ودشّنت المرحلة التالية من الإمبريالية بعد الحروب الطاحنة بين القوى الاستعمارية على منافذ الثروات والنفوذ المسماة “بالحربين العالميتين”، وقادت عنها الحرب على البلدان الشيوعية بهدف دحض أي محاولة لتفكيك الرأسمالية. حيث توسعت أمريكا نحو الجنوب العالمي معلنة الحرب على ثورات التحرر الوطني والبلدان الاشتراكية، فهاجمت كوبا وفيتنام، وخاضت حربًا تقنية وأيديولوجية ضد الاتحاد السوفييتي والصين، وغزوًا ضد العراق وأفغانستان، بالإضافة إلى استدامتها لبقاء الكيان الصهيوني عسكريًا واقتصاديًا.
إلا أن المراحل الحاسمة في التاريخ الإمبريالي كانت البروز التام لأمريكا و”إسرائيل” بصفتهما النموذج الأوضح للمرحلة الإمبريالية الجديدة، مرحلة تتسم بنمو التسليح التكنولوجي والاستعمار السيبراني، والسيطرة بقوة السلاح على الموارد وغزو مزيد من الأراضي.
ولعل الحرب الإبادية على غزة، والمضي في مشروع “إسرائيل الكبرى” من خلال غزو لبنان، والهوس بتفكيك محاور المقاومة في فلسطين ولبنان وإيران، بالإضافة إلى إعلان الهجوم على فنزويلا وتشديد الحصار على كوبا، هي البداية لحقبة “النهاية” التي تحلم المستوطنة الصهيو-أمريكية بأن تكون بداية لمشروع هيمنتها المطلقة على الأرض والإنسانية؛ والتي لن تركع فيها شعوب الجنوب العالمي فقط، بل هي اللحظة التي يتمرد فيها الوحش على صانعه، وتكون فيها أوروبا تحت نار الخوف من أن تبتلعها مستوطناتها.
هذه المرحلة التي يُراد لها أن تُقرأ بمعزل عن تاريخ الإمبريالية والجذور التي أنتجتها، وتُختزل دون قصد في ترامب ونتنياهو والطبقة الإبستينية في العالم، هي مرحلة تأخذ قوتها وملامح مستقبلها من التاريخ الاستعماري نفسه، ومن الأسس التي بُنيت عليها الرأسمالية وما تحتاج إليه لكي تنجو.
الإمبريالية دون أقنعة: صناعة الاستعمار من التحضير إلى الحروب الدينية
لا يزال الغطاء الأيديولوجي أحد أبرز أدوات الإمبريالية التي وفّرت لها تبرير المجازر والإبادات والغزو. فمنذ بداية التوسع الاستعماري، تم تطويع العلوم الإنسانية والفلسفية والإسهامات الفكرية في فهم التركيبة الاجتماعية والسياسية والإثنو-ثقافية للشعوب المستعمَرة، ورفعت بذلك حجة التحضير كواجهة للغزو والاستعمار، بينما كانت البعثات الدينية بدورها تلعب دور الوسيط السماوي الذي وفّر التطويع الرمزي كمدخل للهيمنة.
لقد لعبت الدراسات الكولونيالية في الأنثروبولوجيا، ولاحقًا السوسيولوجيا، دورًا كبيرًا في تشريح البنيات الفوقية للشعوب المستعمَرة، فكان ذلك مدخلًا لتشكيل شبكة واسعة من النظم التجسسية التي استفادت من هالة القداسة والموضوعية التي أُحيطت بهذه العلوم وأبعدت عنها الشبهات.
هذه البيانات الهائلة حول أنماط الحياة والتمثلات والقيم والعادات الاجتماعية والثقافية، ونوع الأنظمة السياسية والاقتصادية، مكّنت الإمبريالية من تسويق نفسها بوصفها المُخلِّص والمُحضِّر لهذه المجتمعات التي وُصفت في معظم الدراسات بـ”البدائية”. وكان لهذه اللحظة عظيم الأثر في تشكيل البنية الأيديولوجية التي استمر من خلالها تبرير النظام الاستعماري حتى اليوم.
دور المُخلِّص والمُحضِّر الذي منحته أوروبا لنفسها، وتمسكت به وهي تسلخ جماجم الشعوب وتسرق خيراتهم وتمنح أراضيهم للمستوطنين، زعزعته ثورات التحرر التي حققت انتصاراتها الساحقة في كسر رأس الإمبريالية الاستعبادية في الثورة البوليفارية والهايتية، ثم تدرجت الانتفاضات والثورات في كل رقعة من الجنوب العالمي، لتكسر كل الصور النمطية التي قدمها المستعمرون كمسلمة، وتؤكد أن الحضارة الغربية التي أرادت الإمبريالية نشرها هي حضارة مأزومة ودموية ومعادية للإنسانية.
ومع حقيقة أن الاستعمار نظام خبيث يغير جلده كالأفعى حسب السياق والمناخ السائد، استغل مناخ انتصار الاتحاد السوفييتي على الفاشية وتخليص أوروبا من الشر الذي كان يهددها، وبُنيت عصبة الأمم (الأمم المتحدة لاحقًا)، التي صاغ ديباجة ميثاقها أباطرة الإمبريالية والمستوطنات في مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945، وتحايلوا بخبث لمنح معظم الدول الإمبريالية حق النقض. إلا أن الفخ الأكبر كان صياغة قانون دولي يحمي الدول الإمبريالية من المحاسبة على الاستعمار، ويضعه كقانون ملزم ورادع للبلدان المستعمَرة التي وجدت نفسها أمام شرعية تُستمد من نفس المنظومة التي سلبتها سيادتها ووجودها.
هذا الانتقال في بنية المنظومة الاستعمارية، الذي تمثل في دفاعها عن حقها المطلق في امتلاك السلطة، إلى سماح ظاهري بوجود دول وكيانات سياسية تتحكم في هويتها الأيديولوجية، والسلطة المسموحة لها، وتقيّد مشاريعها التحررية، ترافَق مع غطاء أيديولوجي اكتسب لغة العدالة التي صاغتها الشعوب المضطهدة بدمائها. فتم السطو والتلاعب بمفاهيم مثل حقوق الإنسان والديمقراطية وحقوق النساء والأقليات، ووضعها كمبرر جديد لتبرير الهيمنة والغزو والنهب الرأسمالي. حيث كان لصعود حركات التحرر الوطني والحركات اليسارية والنسوية الخطر البالغ في إمكانية تفكيك النظام الإمبريالي، فكان التحدي المطروح هو كيفية تقويض هذه النضالات واستئصال العداء للإمبريالية دون الصدام المباشر، وكان ذلك واضحًا من خلال القيام بعمل أيديولوجي استهدف جذرية هذه الحركات من خلال سياسات التمويل النيوليبرالية والقمع السياسي والعسكري عبر أنظمة الاستعمار الجديد.
وتُشكّل الأزمات الإمبريالية، من ناحية أخرى، حالة من الفوضى التي تجنح فيها هذه المنظومة للتخلي عن الخطابات والسياسات التي لا تخدم توجهاتها، أو لا تخفف من الضغط السياسي عليها وتمنحها فرصة جديدة لإثبات قدرتها على الصمود. فبروز أمريكا كالواجهة الأساسية للمرحلة الإمبريالية الجديدة أتى بتناقضاته وأزماته التي خلفتها ثلاث سنوات من الإبادة على غزة، والعدوان على لبنان وإيران، وحرب الوكالة الاستعمارية على السودان والكونغو، وتصاعد متساوٍ للوعي السياسي في المركز الإمبريالي مع صعود الحركات اليمينية المتطرفة. حيث تم التخلي عن أيديولوجيا التحضير وحقوق الإنسان، والاتجاه إلى التعويل على آخر أوراق الحشد حول المشروع الإمبريالي، وهو الاستخدام الصريح للدين كمحفّز لمشاعر الكراهية والانقسام، وتبرير لغزو استعماري يستهدف، قبل كل شيء، الاستيلاء التام على موارد النفط في العالم واحتكارها من أمريكا، بالإضافة إلى التنفيس عن الكيان الصهيوني ورد الاعتبار إلى خطته التوسعية بعد أن فشل في تحقيق أهدافه المعلنة في غزة وجنوب لبنان.
وفي كل مرحلة من توغل الإمبريالية، كان الغطاء الأيديولوجي يُبنى من خلال قراءة دقيقة للمشهد السياسي والاجتماعي للمستعمرات، ورصد المناخ الأيديولوجي السائد في المركز الإمبريالي. ولعل الوضوح في الخطاب الصهيو-أمريكي في أن الحرب على إيران هي حرب دينية في جوهرها يستند إلى الحاجة إلى استدعاء النزعات الطائفية والرجعية والعداءات الدينية في العالم الإسلامي والظفر بتأييد فئات واسعة بحجة محاربة إيران. ومن ناحية أخرى، الاستفادة من الأصولية الدينية والفاشية الصاعدة في الغرب لكسب التأييد في شن حرب لن تنفع معها الآليات الدعائية التقليدية.
لذلك، فإن استخدام الخطاب الديني في الحرب الإمبريالية على إيران، والضخ الكبير في الرمزيات الإنجيلية وخطابات نهاية العالم التي تمثل الرؤية الإمبريالية في الهيمنة المطلقة على الأرض، ورسم معالم جديدة على الإنسانية تقودها التقنية المتوحشة والتدمير الكامل، يحتاج بلا شك إلى تصدٍّ أكثر صلابة يستدعي مشاعر العداء للإمبريالية ويكشف عن حقيقة ما تهدف إليه خلف الخطابات التي تقدمها، سواء كانت دينية أو ليبرالية أو وحشية مطلقة.
فخ الشوفينية الوطنية والانعزالية
لقد شكّل القضاء الكلي أو النسبي على الوعي المناهض للإمبريالية في معظم البلدان المستعمَرة أحد أبرز الأسباب التي مكّنت هذا النظام الوحشي من الاستمرار في إباداته وتوسعه. حيث اشتغل على ضخ آلة إعلامية وأيديولوجية ضخمة استبدلت التناقض الرئيسي مع الإمبريالية بعداءات داخلية تمثلها أنظمة الاستبداد والوكالة الاستعمارية، وعبر العمل الأيديولوجي الاستعماري الذي فاقم الرجعية والأصولية الدينية، ولعب بمفاهيم التحرر من خلال الليبرالية.
هذه الآليات تبعتها سياسات الوطنية الشوفينية التي روجت لها الأنظمة الرجعية العميلة، وكانت ركيزة أساسية في تقسيم الشعوب وعزلها عن قضاياها المركزية، وعلى رأسها تصفية المشروع الصهيوني والتصدي للهيمنة الأمريكية.
إلى جانب ذلك، تم الاستثمار في تشكيل هويات وطنية قائمة على الانعزالية والرجعية وتخيّل الأعداء في الشعوب المجاورة، مقابل النظر إلى أوروبا وأمريكا كمركز سياسي وقيمي. وكان بناء هوية وطنية معزولة تمامًا عن إرث ثورات التحرر الوطني والمبادئ التي قامت من أجلها، هدفًا رئيسيًا للأنظمة الوظيفية للاستعمار في المنطقة، حيث تم خلق هوية شوفينية ترى الشعب ككتلة معزولة ومتفوقة، تستمد شرعيتها من النظام السياسي القائم وليس من تاريخها أو واقعها.
وتُشكّل الوطنية الشوفينية إحدى الأدوات المركزية التي تعتمدها أنظمة الاستعمار الجديد لترسيخ سلطتها السياسية، وإعادة إنتاج موقعها الوظيفي داخل النظام الإمبريالي العالمي. فبدل أن تعمل الوطنية بوصفها إطارًا للتحرر الجماعي أو السيادة الشعبية، يُعاد تشكيلها ضمن هذه الأنظمة كخطاب تعبوي انتقائي يُستخدم لإدارة التناقضات الداخلية، وضبط المجال الاجتماعي، وتحويل الصراعات البنيوية بعيدًا عن مركز السلطة. حيث تُصاغ الهوية الوطنية بوصفها كيانًا نقيًا، متجانسًا، ومهددًا باستمرار من “آخرين” داخليين أو خارجيين. ويُعاد تعريف هؤلاء “الآخرين” وفق الحاجات السياسية للنظام؛ فقد يكونون مهاجرين، أو أقليات عرقية، أو نساءً وهوياتٍ جندرية غير نمطية، أو شعوبًا مجاورة، أو الشعوب المقاومة للإمبريالية، أو حتى فئات اجتماعية داخلية تُقدَّم بوصفها غير منضبطة أو غير منتمية بالكامل. هذا البناء يسمح بتحويل الخوف وعدم الاستقرار إلى موارد سياسية قابلة للاستثمار.
تؤدي هذه الهوية وظيفة مزدوجة في أنظمة الاستعمار الجديد. فمن جهة، تخلق وهم السيادة والاستقلال عبر تضخيم الرموز الوطنية والإنجازات الشكلية والأحداث الكبرى، في حين تبقى البنية الاقتصادية والسياسية خاضعة لشروط التبعية للإمبريالية الرأسمالية وسياساتها العنيفة. ومن جهة أخرى، تُعيد إنتاج الوكالة الاستعمارية عبر لعب دور “الوسيط” الذي يضبط المجال الإقليمي لصالح القوى المهيمنة، سواء من خلال التطبيع مع الكيان الصهيوني، أو منح أراضي الشعوب للقواعد الامبريالية، وضبط الحدود، أو احتواء الغضب الاجتماعي، أو تقديم نفسه كفاعل “مستقر” و”موثوق” في محيط يُصوَّر على أنه فوضوي أو “إرهابي”.
في ظلّ العدوان الحالي على إيران ولبنان، وقبله في الإبادة على غزة، زاد معدل الضخ في الوطنية الشوفينية كغطاء للتمويه عن خيانة وتورط جميع أنظمة المنطقة في الإبادة والعدوان، وتقديم الأرض والموارد والدعم السياسي لاستمرار الاستعمار في شن الحروب والإبادات.
كما أن هذا الشكل من الوطنية سجن الشعوب في دائرة الدفاع المستمر عن أنظمتها السياسية، حتى في ظل رهن معظم بلدان المنطقة في يد النظام الاستعماري، لحصار وإبادة الشعوب التي تقاومه في فلسطين وإيران ولبنان واليمن. واليوم تتجلى بوضوح خطورة الوطنية الشوفينية التي سمحت لأنظمة العمالة برهن المنطقة للقواعد الأمريكية، وتمويل الكيان الصهيوني ودعمه وشراء سلاحه وتقنيته وغازه، وحمايته من المقاومة.
وبينما تبرر معظم الشعوب تخاذلها، ويطفو الفصل بين الشعوب والأنظمة على أي نقاش حول تحمل المسؤولية وضعف الوعي المناهض للإمبريالية، فإن الوطنية الشوفينية التي تنتهج الدفاع الأعمى عن نفسها وأنظمتها دون نقد ذاتي للتقاعس عن المعركة المصيرية ضد الكيان الصهيو-أمريكي، وخذلان حركات المقاومة في غزة وإيران ولبنان وتركها تواجه مصير المحو والإبادة وحدها، لا شك أنها ستشهد هلاكها على أيديها.
توحيد الصفوف: لن نبقى تحت بوت المستوطنة الصهيو–أمريكية
إن المرحلة الجديدة من الإمبريالية التي تشنّ فيها المستوطنة الصهيو-أمريكية حربها الوحشية على إيران ولبنان، لم تعد تحتاج إلى شرح الحاجة إلى إعادة تنظيم الصفوف خلف المقاومة وبناء قاعدة شعبية مناهضة للاستعمار. قادرة على بناء الأطر النظرية والخطابية والسياسية اللازمة في هذه اللحظة المفصلية من تاريخنا ووجودنا، وتبنّي كذلك الأساس التنظيمي للانخراط في الفعل المقاوم، كلٌّ من مكانه وخبرته ومقدراته.
كما أن هذه المرحلة التي أُعلن فيها الهدف الأساسي من الاستعمار وحروبه وأدواته، وهو المحو والإخضاع التام للمنطقة تحت الهيمنة الصهيو-أمريكية، لم تعد تحتمل التنظير والجدل ووجهات النظر المختلفة حول أحقيتنا في المقاومة، بدل التواضع أمام حجم التضحيات المبذولة ممن يمنحون لحمهم الحي وأعمارهم وحيواتهم فداءً لجميع شعوبنا، ووفاءً لنهج مقاومة أمريكا وإسرائيل ورفض الإذلال والمحو ونزع السلاح والقدرة على النضال. لا يمكن النقاش، أمام شلالات الدماء والأعمار المسحوقة، حول ما إذا كانت المعركة الحالية هي معركة لجميع الشعوب الجنوبية التي ذاقت الويلات والحروب والاستعمار والإبادة والقهر على أيدي الإمبريالية ومستوطنتي الشر الماردتين.
إن اللحظة التي أعلنت فيها الإمبريالية أحقيتها في شنّ الإبادة والدمار وانتزاع أظافر وقلوب المقاومة في غزة ولبنان وإيران، كانت لحظة إعلان استكمال الخطة المؤجلة التي تنتظر الإقليم، بل الجنوب العالمي بأسره؛ لحظة وضع حد لمن قاوم أمريكا بالدماء والدموع والحصار والجوع والتعب والشيطنة لما يزيد عن نصف قرن، لمن وقف لأجل الكرامة الإنسانية والحق في العيش خارج قبضة هذه المستوطنات ومن صنعوها، لمن قاوم الحصار من هافانا وحتى طهران وغزة، ولمن خسر أصابعه وبصره وأطرافه وقادته من بيت حانون وجباليا وحتى جبل عامل.
هي لحظة كان الاستعمار يحضّر لها منذ زمن طويل، ويحشد لها آلة أيديولوجية انتزعت العداء من قلوب الأغلبية العالمية، حتى بات النقاش يحتمل وجهتي نظر بدل أن يكون: نحن أو أمريكا وإسرائيل. آلة أيديولوجية وعسكرية وتقنية متوحشة ونُظُم استعمار جديد سُلِّطت بعنف على رقاب الشعوب المستعمَرة، حتى دبّ الخوف والأنانية والانعزالية في أغلبها، وبات من الممكن السيطرة على الموارد والأراضي والعقول واستخدامها للهجوم على من يرفض أن يعيش تحت بوت المستوطنة الصهيو-أمريكية. لم نعد نتحدث عن طبقة عميلة معزولة عن الجماهير تعمل ضدها ورغمًا عنها، بل عن شعوب سلّمت لقدر أمريكا وعملاء أمريكا، وشكّلت العالم الذي تبقى فيه أمريكا مسيطرة لا مقهورة ولا خائفة.
لم يعد هناك شك أن المرحلة التي حشدت لها الإمبريالية كل مقدراتها، وكشفت فيها أخيرًا عن وجهها الشيطاني، وأنهت بها عقودًا من الحفلات التنكرية باسم القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية وحقوق الإنسان وإنقاذ النساء، هي مرحلة كان يجب أن تنتظرها معركة الحرية في كل شبر من الجنوب. معركة لا تسمح بأن تستفرد الإمبريالية وصواريخها وقنابلها بغزة أو إيران أو لبنان. معركة كان يجب أن تكون الخلاص للشعوب التي تعيش تحت ويلات الإبادات وحروب الوكالة الاستعمارية في السودان والكونغو، وأن تنهي خناجر الاستعمار الجديد واحتلال الوكالة التي سُلِّطت على الشعوب المقاومة في الصحراء الغربية واليمن. كانت لتكون الرد اللازم على اختطاف مادورو ونهب نفط فنزويلا لتسخيره في حصار وإبادة إيران. وكانت لتكسر سلاسل الحصار مرة وإلى الأبد عن كوبا وغزة، وتوقف الاستيطان والاغتيال الاستعماري في الضفة الغربية.
وكانت ستُنشئ القوة اللازمة لطرد الإمبريالية والرأسمالية من كل شبر في الجنوب، معلنةً عن بداية الخلاص الإنساني والفجر الجديد للإنسانية، نكايةً في النهاية التي تريدها أمريكا وإسرائيل والإمبريالية الأوروبية الخبيثة.
كانت هذه المعركة ستعجّل بتطهير الأرض من القواعد العسكرية الأمريكية، ومن سلاسل النهب، والاعتقالات والاغتيالات، ومن نهب وحرق الغابات والمياه والمقدرات الطبيعية. وكانت بلا شك ستمهّد لتطهير العقول من المركزية الغربية التي جعلت البشر تنخدع بأخلاقيات المركز الإمبريالي، ومكر أوروبا – من إسبانيا وحتى إنكلترا – التي تحاضر عن حقوق الإنسان والقانون الدولي، لكنها ترسل بوارجها الحربية لحماية هيمنتها ونهبها وسلطتها.
كانت ستستمع لخطابات المقاومة وسرديات الشعوب وثوارها/ثائراتها، وأدبها وتنظيراتها وإنتاجاتها الفلسفية والفكرية، وتحليلاتها للأهداف الحقيقية من استمرار نظام إمبريالي يتحكم في موارد وخيارات الشعوب، ونوع المجتمع والنظام السياسي وأنماط الحكم والثقافات المقبولة، ونوعية النضالات المشروعة، ونوع السلام المفترض، ومن يحيا ومن يموت ومن يُدفن حيًا.
لكن الواقع عكس ذلك، قُدّر أن تُخاض هذه المعركة على أيدي آخر أعداء أمريكا في هذا الكوكب؛ على يد من سطّروا أن المستوطنات المارقة لن تكون قدر البشرية، والرافضين لمعادلة نزع السلاح ونزع الكرامة. قُدّر أن تتبدد أسطورة إسرائيل وأمريكا التي لا تُقهر، وتنتهي عبرها كل محاولات التدجين والتركيع والقبول بالاستعمار الأبدي، وتبدأ الحقيقة التي لطالما عرفتها الشعوب وقاتلت من أجلها، بأن من يقاتل لا يُهزم لأنه يؤسس للنصر بكسر حتمية الهزيمة، وأن الإمبرياليين، كما قال ماو بإعجاز ثوري، نمور من ورق. فكل سرديات التفوق التكنولوجي والقوة العسكرية تهاوت أمام أرض تقاتل مع أصحابها وإن كانوا أقل عدة وعتادًا.
إن الحقيقة التي تُسطر اليوم، ويُراد حجبها بسرديات التخاذل وتأجيل المعارك واستبدال التناقض الأساسي مع الإمبريالية بعداء أقل للإمبريالية ولبقائها، هي نفسها صانعة للرمزية التاريخية التي تحتاجها الشعوب لكسر أغلال العبودية وتنظيم الصفوف وشحذ وعي شعبي جديد ينبع من قوة التضاد مع معسكر الإمبريالية. وذلك سينتج بدوره تمثلات سياسية واجتماعية تعجّل بزوال الاستعمار، ولِمَ لا ترسم ملامح حركات مقاومة تستشعر المسؤولية تجاه المجموعات المضطهدة داخليًا وتغيّر بشكل كلي أو جزئي التناقضات التي تُقدَّم بأنها فيصل المعركة، وتُستغل لتبرير العدوان والهيمنة الإمبريالية.
وذلك سيحدث لا محالة، فالتناقضات الكبرى التي نتجت عن كشف الوجه الجديد للإمبريالية بقيادة مستوطنتي الشر الأمريكية والصهيونية لن تترك مجالًا للأدوات القديمة التي كانت تتسلل عبر القضايا المشروعة، وتضعها كواجهة للتدخل والغزو.
مما يضع مسؤولية تاريخية على عاتق الحركات الثورية، على اختلاف موقعيتها الحالية من الصراع، وتحديدًا الحركات النسوية في الجنوب العالمي، التي أصبحت أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على الانخراط في المعركة ضد الاستعمار والإمبريالية، والتقرب من هموم وقضايا الفئات الواسعة من النساء والمجموعات المضطهدة، التي لا يمكن الوصول إليها من خلال المكاتب وصفحات التواصل الاجتماعي والمشاريع الممولة المعزولة، والتي تعيش تحت تهديد يومي متمثل في الإبادات والقصف وحروب الوكالة وسياسات الاستعمار الجديد والأبوية الأصولية والمعولمة. المجموعات التي هي جزء من نسيج مجتمعي، ولا يمكن حصرها في تقرير أو بيان أو مقال ضيق يتناول مآسيها بشكل منفصل عن مآسي شعوبها، أو بالبيانات التي تُصدر نعيها للنساء والفتيات وكأنهن ذوات لا جذور لها، وهو الخطاب أسّس أيضًا لنزع الثقة عن الحركات النسوية، وليس الوصم الأبوي فقط. فعندما تُنعى النساء والأطفال دون الرجال والمسنين يؤسس الخطاب لعزل استعماري وتنميط أيديولوجي يرى أنه من المقبول أن يتقل بعضنا، لكي يعيش الآخر، لكن الواقع يقول أن آلية الإبادة لا تفرق في صواريخها ولا يجدي معها الاستعطاف.
على مر التاريخ، كانت هناك لحظات فارغة من التناقضات استغلتها الطبقات المضطهدة وغيرت بها وجه المقاومة واستراتيجيات النضال. والحركات التي ستبقى أسيرة لسياسات الحفلة التنكرية للرأسمالية الإمبريالية وخطاباتها النيوليبرالية، التي تتعامل مع الشعوب ككتلة منزوعة الإرادة تُفرض عليها المشاريع والأفكار والسياسات من الأعلى، هي حركات حكمت على نفسها بالموت، وإن كان الأصل في تحركها حسن النية.
وواهم من يعتقد أن خطابات 2011 وما بعدها، والنظر إلى الأنظمة السياسية القائمة بمعزل عن الهيمنة والسيطرة الإمبريالية، يمكن أن يعطي نظرة سياسية شاملة لعالم يعيش تحت الهيمنة الصهيو-أمريكية وحروبها وتعطشها للدماء، أو يمكن أن يشكّل أي رؤية مقنعة لمن اكتوى بنار المستوطنات وشرها وقنابلها، وهم/هن الأغلبية. وواهم من يعتقد أن اللحظات التي تشكّل للأغلبية طريقي الحياة والفناء تقبل حسابات “لكن” و”ربما”. هذه اللحظات هي وقت للفصل الحاسم، لا لتغيير الرغبة الحقيقية في التحرر الشامل وعدم المهادنة أو المساومة على أي حق أو مظلمة، وإنما لشحنها بالوعي اللازم الذي يعي أن أيًّا منا لن ينجو ولن يجد أرضًا ولا موارد يشعر فوقها بالكرامة أو الحرية، ما دامت أمريكا وإسرائيل موجودتين، وما دامت أوروبا تصدّر استعمارها بأقنعة مختلفة، وتوهم المستضعفين أن تغيير جلد الأفعى يجعلها غير سامة، وما دامت هناك أنظمة العمالة التي تخدم مشاريعها.
إن لحظات الرعب هذه، التي تشمل بمآسيها كل شبر في المنطقة، وتشمل بوجعها قلوب الجميع بغض النظر عن المواقف المختلفة، تتحمل وزرها أمريكا وإسرائيل وبريطانيا والدول الأوروبية؛ الكيانات التي عاثت في الأرض فسادًا وملأتها بالحروب والسفاحين والجاثمين على قلوب الشعوب، وأي جهد يُدّخر ضدها سيكون إطالة في أمد بقائها. وأي تضامن من سكانها لا يلتحم بالمعركة الكبرى للقضاء عليها هو تواطؤ يُغلّف باسم التضامن.
لا سبيل اليوم إلا خوض معركة كبرى ستخلّف خسائر عظيمة، ولكن خسارتها تعني الفناء لكل الشعوب، فناء السيادة والموارد والحياة، وأي رغبة في التنفس خارج شروط السجن الكبير للمستوطنة وعملائها. كل ما عشناه سيكون قليلًا أمام إخضاع كامل الأرض لسيادة مطلقة وعنجهية واضحة للاستعمار، وهذه المرة بأدوات وتقنيات لم تشهدها البشرية.
لا مناص ولا سبيل من ترتيب المعارك أمام وحش سيبتلع الجميع، حتى من صفقوا لصواريخه أو اعتبروا أنهم بأمان.
