عقود اللزمات والطاقات المتجددة: كيف تُخصخص الأرباح وتُعمّم الخسائر؟

26/02/2026
Capture d’écran du 2026 02 27 09 14

تحرير : صابر عمار

مراجعة : الياس بن عمار

قرّر مكتب مجلس نواب الشعب، إثر اجتماعه يوم الخميس 26 جانفي 2026، إحالة خمسة مشاريع قوانين إلى لجنة الصناعة والتجارة والثروات الطبيعية والطاقة والبيئة، مع طلب إبداء رأي لجنة التخطيط الاستراتيجي والتنمية المستدامة والنقل والبنية التحتية والتهيئة العمرانية. وتتعلّق هذه المشاريع باتفاقيات لزمات لإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة شركات أجنبية، تمهيدًا لعرضها على الجلسة العامة للتصويت.في هذا السياق، أصدرت الجامعة العامة للكهرباء والغاز التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل بيانًا يوم 2 فيفري، عبّرت فيه عن رفضها لما اعتبرته مواصلة ممنهجة لمسار خوصصة قطاع الطاقة، وندّدت بما وصفته بالمغالطات التي تعتمدها سلطة الإشراف لتبرير التوجّه نحو القطاع الخاص، وخاصة الأجنبي. ومن بين هذه المغالطات الادعاء بأن سعر الكهرباء المنتَجة من قبل الخواص أقل من كلفة إنتاجها من قبل الشركة العمومية، إلى جانب تعطيل مشاريع الشركة التونسية للكهرباء والغاز مقابل تسريع وتسهيل مشاريع القطاع الخاص.وتأتي هذه اللزمات في إطار طلب العروض 800 ميغاواط لسنة 2022 ، وقد سبقه طلب عروض سنة 2018 بقدرة 500 ميغاواط . أُسندت كلها إلى شركات أجنبية. وفي الوقت الذي يُحتفى فيه بهذه الاستثمارات وتُمنح لها امتيازات وتسهيلات متعددة، يتم في المقابل تعطيل إنجاز مشاريع الشركة العمومية في الطاقات المتجددة، ومن بينها على سبيل الذكر لا الحصر مشروع طباقة في قبلي.

و تُقام أغلب مشاريع الطاقات المتجددة، سواء الشمسية أو الريحية، في مناطق ريفية وداخلية تعاني التهميش وارتفاع نسب البطالة. ويُسوَّق لها باعتبارها رافعة للتشغيل والتنمية الجهوية. غير أن هذه السردية تحتاج إلى تفكيك، إذ إن هذه المشاريع ذات قدرة تشغيلية ضعيفة جدًا ومحدودة زمنيًا (مرحلة البناء والإنشاء)، كما أن قيمتها المضافة المحلية تبقى متدنية.

في قطاع الطاقة الشمسية، لا يتجاوز عدد مواطن الشغل القارّة في مرحلتي التشغيل والصيانة بين موطنين وخمسة مواطن شغل لكل ميغاواط، بينما ينخفض في طاقة الرياح إلى موطن شغل واحد فقط لكل ميغاواط. هذه الأرقام تكشف محدودية الأثر الاجتماعي لهذه المشاريع، خلافًا للخطاب الرسمي الذي يروّج لها باعتبارها محرّكًا للتشغيل والتنمية. فبعد انتهاء مرحلة البناء، التي توفّر بدورها وظائف ظرفية وهشّة وذات قيمة مضافة ضعيفة، يتبيّن أن ما يُسمّى بـ“فرص الشغل” لا يتعدّى أرقامًا رمزية لا تُغيّر من واقع البطالة في الجهات. ويُجسّد احتجاج 11 عاملًا بالمكناسي سنة 2022 أمام مقر شركة EPPM دليلًا صارخًا على هشاشة هذه المنظومة، وعلى الفجوة بين الوعود المعلنة والواقع الاجتماعي المعاش.

Capture d’écran du 2026 02 26 20 05
جدول 1: متوسط التشغيل (عدد الوظائف لكل ميغاواط من القدرة المتوسطة) طوال عمر المنشأة

كما تم في ديسمبر الماضي تدشين مشروع بمنطقة المتبسطة من ولاية القيروان بقدرة 100 ميغاواط لفائدة شركة AMEA Power الإماراتية وTBEA Xinjiang New Energy الصينية، بعقد يمتد 20 سنة مع الشركة التونسية للكهرباء والغاز(مع إمكانية التمديد بعشر سنوات ). غير أن عقد الهندسة والتوريد والإنشاء (EPC) أُسند إلى شركتين صينيتين تولّتا التصميم والتوريد والبناء، ويشمل العقد كذلك التشغيل والصيانة (O&M). أي أن مختلف المراحل التقنية الأساسية أُنجزت من قبل شركات أجنبية، مع توريد المعدات من الخارج، ما يحدّ من القيمة المضافة المحلية ومن فرص نقل التكنولوجيا أو خلق سلاسل إنتاج وطنية.

إن خلق الثروة والتشغيل المستدام لا يتحققان بمجرد تركيز محطات إنتاج، بل عبر التصنيع، وتطوير سلاسل الإنتاج، واعتماد سياسات صناعية واضحة تدعم البحث والتطوير وتحمي المنتجين المحليين. أما الاقتصار على استيراد التكنولوجيا وتركيزها، فلا يبني قاعدة صناعية ولا يضمن سيادة طاقية.

تخفيض الانبعاثات الكربونية

تنشغل سلطة الإشراف والمانحون والخبراء، وحتى بعض نشطاء المناخ، بحساب عدد الأطنان من ثاني أكسيد الكربون التي سيقع تخفيضها عند تشغيل هذه المشاريع، وكأن حلّ مشكلاتنا المناخية يختزل في رقم يُسجَّل ضمن تقارير الانبعاثات. في المقابل، تغرق مدننا في الفيضانات، ويعاني الأهالي من الجفاف وانقطاع المياه، وتحترق الغابات كل عام، ويرتفع مستوى البحر في جزيرة قرقنة مهدّدًا سبل عيش السكان.

لا تمثل انبعاثات تونس سوى 0.07% من الانبعاثات العالمية، في حين لا تتجاوز مساهمة القارة الإفريقية بأكملها 4%. وعليه، فإن استحضار شعار “خفض الانبعاثات” لتسويق هذه المشاريع يبدو مفارقًا للسياق، بل يدعو إلى التساؤل، خاصة وأن انبعاثات الشركة التونسية للكهرباء والغاز تمثل جزءًا ضئيلًا من هذه النسبة أصلًا. فالمسألة ليست إنكارًا لأهمية التحول الطاقي، بل رفضًا لاختزال النقاش في أرقام معزولة عن العدالة المناخية والمسؤولية التاريخية لدول المركز

بل يمكن القول إن دول الجنوب تحتاج إلى مزيد من الإنتاج والتصنيع وبناء قاعدة اقتصادية وطنية، وهو ما قد يعني مرحليًا استهلاكًا أكبر للطاقة، وبالتالي ارتفاعًا في الانبعاثات. أما دول الشمال ، فهي المطالَبة فعليًا بخفض استهلاكها المفرط للطاقة وتفكيك نموذجها القائم على النمو غير المحدود، بدل تحميل دول الجنوب كلفة أزمة لم تكن مسؤولة عنها تاريخيًا.

العجز الطاقي: سؤال الكيف لا الكم

تُروّج سلطة الإشراف لفكرة العجز الطاقي باعتباره مبررًا جاهزًا للانفتاح الواسع على القطاع الخاص، وخاصة في مجال الطاقات المتجددة. فقد بلغ العجز التجاري الطاقي إلى حدود ديسمبر 2025 حوالي 11023 مليون دينار تونسي. غير أن التركيز في الخطاب الرسمي ينصبّ أساسًا على واردات الغاز الطبيعي، في حين أن هذا الأخير لا يمثل سوى حوالي 30% من واردات الطاقة الأولية، ما يعني أن أكثر من 70% من العجز الطاقي يتعلق بتوريد أنواع أخرى من الوقود ومشتقاته.وبالتالي، فإن اختزال مسألة العجز الطاقي في “الارتهان للغاز” يُعد تبسيطًا مُخلًّا بالواقع. فالإشكال لا يكمن فقط في مصدر الغاز، بل في هيكلة المنظومة الطاقية ككل، وفي نمط الاستهلاك، وفي طبيعة القطاعات التي تستهلك هذه الطاقة.

Capture d’écran du 2026 02 26 20 06
شكل 1 : الميزان التجاري الطاقي
المصدر : Direction Générale des Stratégies et de Veille, Observatoire National de l’Énergie et des Mines, Ministère de l’Industrie, des Mines et de l’Énergie (2025). Conjoncture énergétique, décembre 2025.

السؤال الحقيقي إذًا ليس فقط: هل لدينا عجز طاقي؟ بل: كيف نستخدم الطاقة التي ننتجها أو نستوردها؟ فحتى دول كبرى، مثل عديد البلدان الأوروبية أو الصين، تعاني عجزًا طاقيًا، لكن الفارق يكمن في توجيه الطاقة نحو قطاعات صناعية منتجة ذات قيمة مضافة عالية.يمكن تقييم الأثر الحقيقي للطاقة عبر معيار كثافة الطاقة، أي كمية الطاقة المستهلكة لإنتاج وحدة واحدة من الناتج المحلي الإجمالي. فإذا كان الاقتصاد يستهلك طاقة كبيرة مقابل قيمة ضعيفة، فالإشكال في طبيعة النموذج الاقتصادي لا في حجم الإنتاج الطاقي. كما أن قيمة 1000 ميغاواط تختلف جذريًا بحسب الجهة التي تستهلكها: فهل تُوجَّه نحو صناعة تحويلية محلية، أم نحو أنشطة ريعية أو تجميعية ذات قيمة مضافة ضعيفة؟ السؤال إذًا ليس “كم ننتج؟” بل “لمن ولماذا ننتج؟”.

أما المقارنة بين شراء الكهرباء من مستثمرين أجانب وبين شراء الغاز الجزائري وتحويله محليًا، فهي مقارنة مضلِّلة. فمعظم عقود شراء الكهرباء من مشاريع الطاقات المتجددة تُبرم بصيغة “Take or Pay”، أي أن الشركة التونسية للكهرباء والغاز ملزمة بشراء الكهرباء حتى إن لم تكن بحاجة إليها، وهو ما يعني عمليًا تعميم الخسارة وخوصصة الربح.

المسألة إذًا ليست في تضخيم عنصر واحد داخل العجز الطاقي، بل في إعادة التفكير في كامل المنظومة: مصادر الطاقة، أنماط الاستهلاك، والخيارات الاقتصادية المرتبطة بها. هل نبحث عن تقليص رقم العجز بأي ثمن؟ أم عن بناء سيادة طاقية مرتبطة بمشروع تنموي وطني واضح المعالم؟

سندات الكربون

بالإضافة إلى الامتيازات الكبرى التي تتمتع بها الشركات الأجنبية المستثمرة في مجال الطاقات المتجددة من استغلال أراضٍ وموارد طبيعية، إلى إعفاءات جبائية تصل إلى عشر سنوات، في ظل غياب نقل فعلي للتكنولوجيا يبرز ملف التفويت في سندات الكربون كأحد أخطر مظاهر الاختلال في هذه المنظومة. فقد اتهمت الجامعة العامة للكهرباء والغاز، في بيان صادر بتاريخ 11 جويلية 2025، سلطة الإشراف بالتفويت في سندات الكربون لفائدة شركة نرويجية تنجز مشاريع في ولايتي سيدي بوزيد وتوزر بقدرة جملية تناهز 120 ميغاواط. وبغضّ النظر عن الموقف من آليات تبادل وتجارة الكربون، التي تسببت في عديد الإشكاليات في دول مثل كينيا والهند حيث تم تهجير سكان أصليين من أراضيهم لتحويل الغابات إلى مشاريع لإنتاج سندات كربونية فإن التفويت في سندات تُعدّ ملكًا للشركة التونسية للكهرباء والغاز، وبالتالي ملكًا للمجموعة الوطنية، لفائدة شركة أجنبية، يُمثل تجاوزًا خطيرًا للحقوق المالية للمؤسسة العمومية، وهو ما عبّر عنه النقابيون في أكثر من مناسبة.

وقد التفت الرأي العام إلى هذا الملف عندما نشرت سفارة اليابان بتونس سنة 2022 خبر منحة تقارب 42 مليون دينار في إطار آلية تبادل سندات الكربون المنبثقة عن اتفاق مؤتمر طوكيو الدولي للتنمية في أفريقيا (TICAD). هذه المنحة كان من المفترض أن تنتفع بها الشركة التونسية للكهرباء والغاز مقابل سنداتها الكربونية، غير أنه تم التفويت في هذه السندات إلى الشركة النرويجية وشريكتها اليابانية Aeolus، مما يعني عمليًا حرمان الشركة الوطنية من مورد مالي هام.والجدير بالذكر أن شركة Aeolus تتبع عملاق صناعة السيارات “تويوتا”، التي تعلن وفق موقعها الرسمي سعيها إلى تخفيض انبعاثاتها الكربونية وبلوغ الحياد الكربوني في أفق سنة 2050. وبالتالي فهي تشتري سندات الكربون من دول الجنوب التي لم تتجاوز أصلًا حصتها العادلة من الانبعاثات العالمية. وهنا يبرز البعد غير المتكافئ لهذه الآليات: دول لم تستنفد نصيبها من الكربون تبيع “حقها” في التنمية الطاقية لدول وشركات تسعى إلى موازنة فائضها التاريخي من الانبعاثات.

لا يوجد أي تبرير مقنع لتفويت الشركة الوطنية في سنداتها الكربونية لفائدة شركة أجنبية. فهذه الموارد لم تكن مجرد أرقام في تقرير، بل مبالغ كان يمكن أن تدعم توازنات الشركة الوطنية أو تُوجَّه للاستثمار في الجهات المحتضنة للمشاريع، خاصة في مناطق تعاني هشاشة في البنية التحتية وضعفًا في الخدمات العمومية. فهل يُعقل التفويت في عشرات الملايين من الدنانير لفائدة شركات أجنبية، في حين تعاني مناطق مثل المزونة من التهميش؟

تُبرم عقود شراء الكهرباء المنتجة من الطاقات المتجددة عادة بصيغة طويلة المدى وبسعر شراء ثابت، وتمتد لمدة عشرين سنة. ووفق بيان الجامعة العامة للكهرباء والغاز، فقد تم التمديد لهذه العقود لمدة عشر سنوات إضافية لكي تصبح المدة الجملية 30 سنة ، مما يعني بحسب تقديرات نقابية خسائر قد تتجاوز 700 مليون دينار.

كما يجدر بالذكر أنه تم تقديم شكاية ضد وزارة الصناعة والطاقة والمناجم بخصوص الإخلالات التي شابت التمديد غير القانوني لهذه العقود والتفويت في سندات الكربون، وذلك من قبل عدد من النواب في البرلمان، وعلى رأسهم رئيس لجنة الطاقة السابق شكري البحري.وتذكّر هذه الوضعية بسيناريو مشابه في المغرب، الذي طالما قُدِّم كنموذج ناجح في مشاريع الطاقات المتجددة. غير أنه في سنة 2021 تم فتح تحقيق بشأن مسؤولين في إدارة الوكالة المغربية للطاقة المستدامة (مازن)، ومنع عدد منهم من السفر، على خلفية شبهات تتعلق بالمشاريع المنجزة، من بينها مشروع ورزازات للطاقة الشمسية، الذي أثيرت حوله شبهات فساد وتكلفة مالية مرتفعة تكبّد الميزانية المغربية أعباءً كبيرة، وفق ورقة بحثية نشرها المرصد التونسي للاقتصاد.

وهو ما يعيد طرح السؤال الجوهري: هل نحن بصدد بناء سياسة طاقية تعزز موقع الشركة الوطنية وتخدم التنمية المحلية، أم بصدد إعادة توزيع مواردها وأصولها لفائدة فاعلين أجانب تحت عنوان “الانتقال الطاقي”؟

تحميل كلفة الربط للشركة الوطنية

عوض توجيه القروض والمنح الدولية لتعزيز قدرات الإنتاج العمومي وتحديث محطات الشركة الوطنية للكهرباء والغاز ودعم استقلاليتها الاستثمارية، يتم تخصيص جزء مهم من هذه الموارد لتهيئة الشبكة الكهربائية وربط مشاريع القطاع الخاص، خاصة في مجال الطاقات المتجددة.

فقد تحصّلت الشركة الوطنية على قروض تقارب 390 مليون يورو في إطار مشروع الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا، وذلك وفق دراسة أنجزتها مجموعة العمل من أجل ديمقراطية الطاقة. ويُقدَّم هذا المشروع رسميًا باعتباره خطوة استراتيجية لتعزيز موقع تونس في السوق الطاقية المتوسطية، غير أن الدراسة تشير إلى أنه يمكّن عمليًا القطاع الخاص من تصدير الكهرباء نحو أوروبا، في حين تتحمّل الشركة الوطنية كلفة البنية التحتية والربط.

إضافة إلى ذلك، تم رصد تمويل بقيمة 430 مليون دولار من البنك الدولي تحت عنوان دعم “الإصلاحات” وجذب الاستثمار الخاص في قطاع الطاقة، وهي إصلاحات تتجه أساسًا نحو مزيد فتح السوق أمام الفاعلين الخواص. وهنا يطرح السؤال: لماذا تتحمّل المؤسسة العمومية أعباء تهيئة الشبكة وربط المشاريع الخاصة، في حين لا تُوجَّه نفس الموارد لتوسيع قدراتها الإنتاجية أو تطوير الطاقات المتجددة ضمن إطار عمومي؟

ويُبرز مثال انسحاب مستثمر أجنبي من مشروع بقدرة 200 ميغاواط بتطاوين حجم المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على القطاع الخاص الأجنبي. فقد استثمرت الشركة الوطنية حوالي 45 مليون دينار لإنجاز خط نقل كهربائي بطول 132 كلم لربط المشروع بالشبكة، غير أن انسحاب المستثمر أدى إلى بقاء الخط غير مستعمل. وهكذا تحمّلت المؤسسة العمومية كلفة الاستثمار، بينما لم يتحمل الطرف الخاص أي خسائر تُذكر، ما يمثل عمليًا تبذيرًا للمال العام.هذا النموذج يعكس اختلالًا هيكليًا في توزيع المخاطر: الأرباح المحتملة تُخصخص، بينما تُعمّم الكلفة والمخاطر على الشركة الوطنية، أي على المجموعة الوطنية.

سلعنة الأرض

الأرض هي العنصر المركزي في مشاريع الطاقات المتجددة، بل يمكن القول إنها القاعدة المادية التي تقوم عليها هذه الاستثمارات. فمحطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح تتطلب مساحات شاسعة، وهو ما يجعل العقار، خاصة في المناطق الريفية، في قلب الصراع حول هذا “الانتقال الطاقي”.اليوم يتم توظيف العقارات الدولية والأراضي الاشتراكية لفائدة هذه المشاريع، في ما يشبه استيلاءً مقنّنًا على مئات، بل آلاف الهكتارات، خصوصًا في الجهات الداخلية. وغالبًا ما تُكرى هذه الأراضي بأسعار زهيدة مقارنة بحجم الأرباح المتوقعة من بيع الكهرباء بعقود طويلة المدى وبأسعار ثابتة، في حين يتم تهميش حقوق الأهالي والرعاة وصغار الفلاحين الذين يعتمدون على هذه الأراضي في أنشطتهم الفلاحية والرعوية.لعل مثال برج الصالحي، وإن كان في سياق مختلف قليلاً، يبرز كيف يمكن لمثل هذه المشاريع أن تُغيّر طبيعة الأرض ومصالح المجتمعات المحلية. ففي هذا المشروع، وهو أول مشروع طاقات متجددة في تونس سنة 2000، قامت الدولة بتحويل صبغة الأرض من فلاحية إلى غابية، لتتمكن من إقامة مشروع طاقة الرياح، وما يزال الأهالي يطالبون حتى اليوم بالتعويض عن أراضيهم.

ولا يقتصر الأمر على البعد الاقتصادي فحسب، بل يمتد إلى إعادة تشكيل علاقة المجتمعات المحلية بأراضيها، حيث تتحول الأرض من مورد عيش وإنتاج جماعي إلى أصل مالي موجّه لخدمة مشاريع استثمارية كبرى، لا يكون للجهة فيها سوى دور المتفرّج أو المتضرر.

ومن المفارقات الصارخة أن تُهدَّد تجارب محلية مثل جمنة، التي سعت إلى استرجاع إدارة الأراضي بشكل جماعي وتوظيف عائداتها لفائدة التنمية المحلية. فقد طالبت الدولة جمعية جمنة بإخلاء الأراضي رغم أنهم طلبوا كراءها لإدارتها محليًا، في حين تُفتح الأبواب على مصراعيها أمام مستثمرين أجانب لاستغلال مساحات واسعة من الأراضي بشروط ميسّرة وامتيازات جبائية وعقارية هامة.

بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر فقط بإنتاج الكهرباء من مصادر متجددة، بل بإعادة تعريف الأرض ذاتها، لتصبح موردًا سياديًا وجماعيًا في خدمة التنمية المحلية، أو تتحول إلى سلعة تُدرج ضمن سلاسل القيمة العالمية تحت عنوان “الانتقال الطاقي”.

الرقابة البرلمانية: مكسب نضاليلقد تعزّز مسار خوصصة قطاع الطاقة في سياق ما بعد 2011، ضمن اتفاقات دوفيل التي ربطت التمويلات بإصلاحات هيكلية تشمل تحرير الأسواق وتقليص الدعم. بعد الانتفاضات الثورية في تونس ومصر، انفتح الطريق أمام عملية خصخصة واسعة للقطاع، حيث أصبحت مشاريع إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة تُبرم غالبًا مع القطاع الخاص الأجنبي، دون أن تكون هناك ضمانات واضحة للقيمة المضافة المحلية أو خلق فرص عمل مستدامة.

إلا أن السياق التونسي يختلف بفضل النضالات النقابية التي خاضتها الجامعة العامة للكهرباء والغاز. ففي مناقشة القانون المنظم لإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة سنة 2013–2014، خاض النقابيون تحركات احتجاجية وإضرابات أيام 17 و18 و19 سبتمبر 2014، رفضًا لخوصصة و سلعنة الطاقة . وقد مكّن هذا الضغط النقابي من إخضاع عقود اللزمات لموافقة البرلمان، وهو مكسب نضالي جوهري يضمن مستوى معين من الرقابة الشعبية على هذه العقود.ويبدو أن بعض النواب التونسيين اليوم قد نسيوا هذا السياق أو يغفلون من أين أتت لهم سلطة الرقابة على عقود اللزمات.فمثلا الوضع في مصر مختلف تمامًا، حيث تُمنح تراخيص مشاريع إنتاج الكهرباء الخاصة مباشرة من وزارة الكهرباء أو جهاز التنظيم، دون أي إخضاع للرقابة البرلمانية.

إن النقاش حول عقود اللزمات ومشاريع الطاقات المتجددة في تونس يتجاوز مسألة إنتاج الكهرباء أو خفض الانبعاثات الكربونية. فهو مسألة سيادة وطنية، وعدالة اجتماعية، وتنمية اقتصادية محلية مستدامة. التركيز على أرباح المستثمرين الأجانب وخسائر الشركة الوطنية يكشف اختلالات هيكلية في توزيع المخاطر والموارد، ويبرز ضعف السياسات الصناعية والتكنولوجية المحلية.

إن بناء سيادة طاقية حقيقية لا يتحقق عبر خصخصة الأرباح أو تقليص دور الدولة والشركة الوطنية، بل عبر تعزيز الإنتاج العمومي، ودعم التصنيع المحلي، وتطوير سلاسل القيمة الوطنية، وضمان استفادة المجتمعات المحلية من مشاريع الطاقة المتجددة. كما أن الرقابة البرلمانية والمشاركة النقابية تظل أدوات أساسية لمواجهة الممارسات المضيّقة للقطاع العام وحماية الموارد الوطنية من التبديد أو التفويت غير العادل.وفي هذا الإطار، يقع على عاتق كل القوى التقدمية والحركات الاجتماعية مسؤولية وضع المسألة الطاقية نصب أعينها، والدفاع عن الأرض كمورد سيادي، وضمان ألا تتحوّل مشاريع الطاقة المتجددة إلى وسيلة لنهب الموارد أو تهميش المجتمعات المحلية.

مقالات ذات صلة

  • ملف: الأرض.. أمّ المعارك

    "إما الأرض كل الأرض أو النار جيلا بعد جيل" ها نحن نشهد، جيلا بعد جيل، ملاحم تحرير الأرض، منذ أن…

    اقتصاد سياسي

    Sans titre
  • فيديو | مجموعة العمل من أجل ديمقراطية الطاقة: مشاريع الطاقة المتجدّدة استيلاء مُقنَّن على الأرض لصالح رأس المال الأجنبي

    نظمت مجموعة العمل من أجل ديمقراطية الطاقة اليوم الخميس في مقرّ نقابة الصحفيين بتونس العاصمة، ندوة صحفية حول تداعيات الانتقال…

    الأخبار, تونس, هام

    الانتقال الطاقي موقع
  • فيديو | ندوة تقديم كتاب ‘آبار قديمة واستعمار جديد’: اسهام معرفي مناهض للخطاب النيوليبرالي في مجال الانتقال الطاقي

    نظم المعهد العابر للقوميات، وجمعية نوماد 08 والمرصد التونسي للمياه، ومجموعة العمل من أجل ديمقراطية الطاقة، عشية السبت المنقضي، بالمقهى…

    الأخبار, بيئة ومناخ, تونس, نضالات اجتماعيّة, هام

    ARTICL
  • هيدروجين من شمال إفريقيا : حقيقة خطط الاتحاد الأوروبي لاستيراد الهيدروجين الأخضر

    ننشرُ مقدمة تقرير “هيدروجين من شمال افريقيا: حقيقة خطط الاتحاد الأوروبي لاستيراد الهيدروجين الأخضر” من إصدار المعهد العابر للقوميات TNI. ويندرج نشر هذا النصّ وما…

    اقتصاد سياسي

    الهيدروجين الأخضر