يفتح في علامة تبويب جديدة

سلطة العجز والضدّ

سلطة العجز والضد




عاش التّونسيون والتّونسيّات صيْفًا ساخِنًا لا يُذكّرنا ربّما إلاّ بصيف الكوفيد. فإضافة إلى موجات الحرّ غير المسبوقة التّي تسبّبت في اشتعال الحرائق في أكثر من منطقة من البِلاد، شهدنا أزمة متعدّدة الأبعاد كشفت عجز السّلطة عن ترجمة شعاراتها السياسية التي رفعتها في مواجهة منظومة “الفساد” “والاحتكار” و”الخيانة”.

أزمة في تزويد الأسواق بالمياه المعدنية لم تشهد البلاد لها مثيلًا ، مع تواصل انقطاع الكهرباء والمياه عن عديد المنازل وعائلات عانت الأمرّين خلال هذه الفترة، فمن لم يفقد فردًا من عائلته أو من أقاربه ممّن ارتبطت حياتهم بجرعات الأوكسيجين، فقد أجهزة التبريد وتكبّد الخسائر المادّية الفادحة في تجارته.
ورغم مطالبة العديدين، ومنهم المنظمة التونسية للأطبّاء الشبّان، وزارة الصحة والدولة بإعلان حالة الطوارئ الصحية وما يتبعها من إجراءات، واصلت الوزارة عنادها بالصمت القاتل، بل ولم تنشر حتّى أرقام ضحايا انقطاع الكهرباء وضحايا المستشفيات العمومية جرّاء هذه الأوضاع الصعبة (والتي قاربت الـ150 حالة وفاة حسب ما صرّح به وجيه ذكّار رئيس المنظمة التونسية للأطباء الشبان).

وفي السّجون، تتوالى شهادات العائلات والمحاميين، بشكل يُثير الرّعب، عن وفيَات موجة الحرّ التي تشهدها السجون التونسية المكتظّة والتي تنقصها التهيئة والتهوية.

أمام كلّ هذه الرهانات الاجتماعيّة، التي كان جلّها يتعلّق بخدمات حياتية بسيطة، واصلت السلطة خطابها التآمري وواصل رئيس الجمهورية زياراته الليلية إلى عدّة مناطق دون أن يتبعها بأيّ إجراء ملموس. حتى صارت زياراته تُثير التندّر على وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى خارجها.

في مواجهة كلّ هذه المطالب الاجتماعيّة راوحت السلطة السياسية بين أسلوبيْن من العنف :

– العنف الرّمزي، الذي لا يتوقّفُ مع أيّ سلطة سياسيّة كانت, وهو سمة من سمات الدّولة ذاتها وطبعُ كلّ الأنظمة الحاكمة، اتّخذ شكلاً أكثر خطورةً وعنفوانًا منذ صعود قيس سعيّد رئيسا للجمهورية في سنة 2019. إذ أنّ التآمر صار مفصَل خطاب التّونسيين الذين لم يعثروا على إجابات أخرى في الخطاب الرّسمي. فحين تنقطع المياه، يوجد محتكرون يريدون الإطاحة بالرئيس، وحين تنقطع الكهرباء تتحمّل الشركة مسؤولية الفساد داخلها، وحين يموت النّاس في السجون، نُشكّك في صحّة الأرقام (لأنّ الدولة لا تعلن عنها)؛ وحين يُعتقلُ الشخص، نُدينه قبل إيجاد تُهمة مناسبة له. وحين ترتفع الأسعار وتتفشّى البطالة وتتراجع المقدرة الشرائية يتحمّل مهاجرو جنوب الصحراء مسؤولية ذلك. هذا المفصل يجرّ وراءه خطاب العُنصريّة وخطاب الكره والتخوين. فننقسمُ آليًّا إلى وطنيّين وإلى عُملاء.
شاهدنا شيئًا من هذا القبيل مع صُعود حركة النّهضة إلى الحُكم، حين وقع تقسيمنا إلى مُسلمين وإلى معادين للإسلام. بيْد أنّ السياق سمح حينها للقوى الديموقراطية والتقدّمية بإعلان العداء لهذا الخطاب، خاصة أنّ وسائل الهيمنة العنيفة لم تعد بعد إلى سالف نشاطها، بسبب انحناءها الظرفي آنذاك حتى تمرّ رياح الانتفاضة.


أمّا الأسلوب الثاني، فهو ما تعوّد عليْه التونسيون زمن الحُكم البورقيبي وزمن حُكم بن علي؛ النار والحديد، عصى البوليس وأقبية السجون.
فحين لا يُفلح خطاب « الشعب يُريد » و « الحلول ستأتي » و « حرب التحرير تتواصل » في إقناع الجماهير الواسعة بالصمت والكفّ عن التذمّر، تنطلق عصى البوليس وتندفع نحو المُحتجّين لكسر أيّ حالة تمرّدٍ ولوأد أيّة جرعةٍ زائدة من الجرأة.


رأينا هذا حين حاصرت قوات البوليس مدينة المزّونة، التي انتفضت بعد فاجعة سقوط الجدار، ورأينا هذا حين واجهت الدّولة غضب أهالي بنﭬردان المفجوعين على غرق فلذات أكبادهم بالغاز المُسيّل للدموع.
ورأيناه أخيرًا يوم أمس حين اختلى البوليس في منتصف الليل بالمعتصمين أمام المسرح البلدي بتونس العاصمة، وهم من المُعطّلين الذين يُطالبون بتفعيل القانون عدد 18 المتعلق بإجراءات استثنائية لانتداب من طالت بطالتهم في الوظيفة العمومية والقطاع العام.؛ وهو قانون أقرّه رئيس الجمهورية نفسه، وصدر بالرّائد الرّسمي منذ ديسمبر 2025.
ولم يكتف عناصر البوليس بهرسلة المعتصمين وتعنيفهم وإرهابهم، بل لاحقوهم في أزقّة العاصمة ودفعوهم دفعًا نحو محطّة النقل المنصف باي للعودة إلى مُدنهم، حسب ما أكّده شهود عيان.

يحصِرُ المُبرّرون الأمر، حين يصل بهم الإحراج درجته القُصوى وحين لا يجدي خطاب المؤامرة نفعه، في أنّ النظام هو من يُشرّع هذا الاعتداء المُتكرّر وغير المعزول، وحتّى حين يتحدّثون عن النظام يوجّهون أصابع الاتّهام إلى الأجهزة الصلبة وإلى وزارة الداخلية وحدها.

وإن كان النّظام، بأجهزته وسلطته السياسية ودوائر ارتباط إدارته، يُشكّل كُلّا، فإنّ هذا الكلّ قد يعرف
احتدامًا في تناقضاته، وقد يعرف انسجامًا أو غلبةً لطرف تناقض على حساب آخر.

فإذا ما استثنيْنا المزونة، التي زارها رئيس الجمهورية في الرابعة صباحًا بعد أيّام من الحصار ليُنقذ موقفه، فإنّه صَمت عن معاناة أهالي بنﭭردان، بل أنّه لم يرتق إلى درجات البروتوكول الرسمي وتقديم العزاء للعائلات، وصمَت عن احتجاجات المُعطّلين طيلة أشهرٍ عدّة، وصمت عن أنباء الوفَات في مراكز البوليس وفي سجون الدولة، واكتفى باجتماع ليليّ يُناقش فيه أزمة الكهرباء والمياه، خلص بعده إلى وجود أطراف مشبوهة تسعى إلى تعكير أوضاع البلاد. ونحن هُنا لا نتحدّث عن رئيس عاديّ له صلاحيّات محدودة النطاق ضمن نظام هجين يجمع البرلمانية مع الرئاسية، بل نتحدّث عن رئيس جمع كلّ السلطات بين أيديه منذ قرابة الخمس سنوات، ليقف بعدها عاجزا عن اجتراح أيّة حلول. هُنا يصير الحديث عن النظام بمعزلٍ عن سلطته السياسية، تعويمًا للمسؤولية لا طائلة منه وتبريرًا لهذا العجز.

يُمكن لسلطة سياسية ما أن تسلك طريق الاستبداد بالرأي مع امتلاكها لمشروع اقتصاديّ اجتماعيّ ما (والحديث ليس عمّا يُسمّيه البعض استبدادًا نيّرًا)، أي أن تترافق إجراءات العُنف مع منظومة حجاجيّة ما ومع تصوّر ما. ولكنّ ما نُلاحظه، ومع فشل مشروع الشركات الأهلية في لعب دور “التنمية الاقتصادية” – بصيغتها الحالية على الأقل- طغى خطاب الضدّية. فالسلطة السياسية التي تحكم البلاد، وتجمع كل الصلاحيات الممكنة، تُعرّف نفسها على أنها ضدّ المحتكرين وضد الفاسدين وضد منظومة الانتقال الديمقراطي وضد الخونة وضد العملاء وضد المتربّصين بالبلاد وضد الإعلام الفاسد، وتعرّف نفسها على حساب نقيضها (إن كانت كذلك حقًّا).

وإذا كان « الضدّ » هو مشروع سياسي يقوم بذاته، فستستحقّ السلطة إلى أعداء جددٍ عند كلّ مأزق إلى أن تجفّ المنابع، وتلك مسألة وقت لا غير. عندها لن تنفع معاجم الحروب في تزويد الأسواق أو في تجميد الأسعار أو في إنعاش القدرة الشرائية، ولن تكفي كلّ الخطابات والزيارات في الإجابة عن أسئلة المُعطّلين والمُهمّشين ومرضى المستشفيات العُموميّة. وذلك هو مأزق السلطة : أنّها توسّع دائرة الأعداء، وتوسّع معها دائرة العنف… إلى أن يأتي الانفجار الاجتماعيّ الجارف …

مقالات ذات صلة

  • فيديو | اعتصام “المعارضة النقابية”: فرصة “لإنقاذ الاتحاد” أم “تدميرٌ” له؟

    تقرير لإياد بن مبروك بمساهمة غسان بن خليفة يتواصل اعتصام "المعارضة النقابيّة" منذ يوم 25 جانفي الجاري في بطحاء محمد…

    الأخبار, عمّالية, هام

    اعتصام المعارضة النقابية
  • أيّام صعبة.. لكن اليأس ليس خيارًا

    إنّها أيّام قاسية.. تملأنا حزنًا وغضبًا… وهذا أمر طبيعي جدًا، بل وضروري… ولكن، لا يجب أن نكتفي بهذه المشاعر… وقياسًا…

    بلا حياد

    اليأس ليس خيار
  • سياسة الإلهاء رديفًا للقمع

    «يمكن للتلفزيون، على نحو مفارق، أن يحجب وهو يُظهر، بأن يُظهر شيئًا آخر غير ما ينبغي إظهاره.» بيار بورديو (عالم…

    افتتاحيّة, الموقف

    سياسات الالهاء
  • عن وطن لا يخلعُ ثوب العزاء …

    سقط الجدارُ في المزّونة، وراح ثلاثة من فلذات أكبادِنا ضحيّةً للإهمالِ الرّسمي. وتفاعُلاً مع فاجِعة الأهالي، سارعت أجهزة الدولة بتقديم…

    بلا حياد

    Thawb al 3aza
  • الماء والدولة وإدارة التبعية في تونس

    تتبّع مجرى الماء منذ أسابيع عدة، تتزايد في تونس الاحتجاجات بسبب انقطاعات المياه. ففي قفصة وجندوبة ومناطق أخرى، يقطع السكان…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 08 12 at 19.50.56