ما وراء العشرية: سؤال الثروة والسلطة

01/08/2026
سؤال الثروة والسلطة

الطبقة السياسية التي يريد كثيرون الخلاص منها، بوزرائها ونوّابها وأحزابها وجمعياتها، ويعتبرونها المتسبّب الأساسيّ في المأساة التونسيّة، ليست كيانًا واحدًا يمُكن وضعه كله في سلّة واحدة. فمنها من تورّط في الفساد، ومنها من وفّر له الغطاء، ومنها من حاول مقاومته أو حمل مشروعًا اجتماعيًّا مختلفًا، وإن أخفق أو جرى تهميشه. لكن القاسم المشترك بين معظمها أنها تحرّكت داخل منظومة اقتصادية وسياسية أوسع، فرضت عليها حدودا ضيّقة، فصار بعضها جزءًا من آلة إعادة إنتاجها، وصار بعضها الآخر مجرّد شاهد عاجز عليها. لذلك فإن اختصار الأزمة في الطبقة السياسية وحدها يريح البنية الحقيقية التي تنتج السلطة والثروة، ويجعلنا نُطارد الظلال فيما يظلّ الوحش بعيدًا عن الأنظار.

السياسة ليست سوى السطح المرئي للازمة، أما مركزها الحقيقي فيقبع في مكان آخر..

وحين نُزيح هذا الحجاب، يتبيّن أن مركز الثقل ليس في الطبقة السياسية، بل في البنية الاقتصادية التي تنتجها وتُعيد إنتاجها. فالحكومات تتبدّل، والأحزاب تنهض وتسقط، أما القوّة الحقيقية فتبقى مستقرّة في مكان آخر..

إنهم دوائر الإثراء الكبرى، البورجوازية التي منذ أزيد من سبعين لم تكن السيّاسات في تونس تُرسم إلّا لخدمتها، صانعة واقع تفقير البشر، وحشرهم في مخانق الحاجة والتشرّد، والعائلات التي تكنز ثروات بالمليارات بينما لا يراها أحد ولا يسمع لها حسًّا. هؤلاء يعيشون في طبقة معزولةٍ عن المجتمع، في سابع سماء من الرفاهية، حيث التكييف الفاخر وكل أسباب النعيم، وأبناؤهم يدرسون في امريكا واوروبا، وهم أنفسهم يقضون هناك من الوقت أكثر مما يقضونه في تونس التي لا يرون فيها سوى سوق يدرّ عليهم الأرباح، يحلبون ضرعها ثم يحوّلون الأموال إلى بنوك الخارج. وما يبقى داخل البلاد لا يكفي إلا لإبقاء آلة الاستغلال دائرة، تنتج المزيد من الفقراء والمزيد من الأرباح.

وثاني عدوّ ينبغي مقارعته هو البنوك وبيوت المال والمؤسسات والإدارات التي توفّر الحماية القانونية والمالية لعائلات الدم والثروة، وتمنحها الحصانة التي تجعلها فوق المساءلة. فالسلطة الاقتصادية لا تعيش وحدها، بل تحتاج دائما إلى منظومة كاملة من القوانين والإجراءات والامتيازات التي تضمن استمرارها، وتجعل ما هو استثنائي يبدو وكأنه أمر طبيعي لا يجوز الاقتراب منه.

أما العدو الثالث فليس أشخاصًا بعينهم، بل نظام ملكيّة يقدّم نفسه باعتباره قدرًا أزليًّا، ويزعم أصحابه أنّه ترجمة لمشيئة الله التي لا تُناقش، وكأنّ تلك المشيئة هي التي قرّرت أن تمنح أحدهم المليارات والقصور والأراضي، وتضن على آلاف غيره بمجرد كوخ يأويهم. وهكذا تتحوّل علاقات القوّة التي صنعها التاريخ إلى حقائق مقدّسة، ويغدو الظلم نظامًا أخلاقيًّا، لا مجرّد نظام اقتصادي.

والمستفيدون من هذا النظام هم بالطبع أشخاص وعائلات قليلة يتيح لها احتكار الثروة احتكار النفوذ أيضا. فهم أقلّية ضئيلة إذا قِيست بالأغلبية التي تعاني ولا تملك شيئًا. لكن مأساة هذه الأغلبية أنها لا تكتفي بالاستسلام لهذا النظام، بل تستميتُ في الدفاع عنه، تحت وهمٍ قديم مفاده أنه سيأتي يوم “يدور فيه الفلك”، فتغدو هي أيضًا من كبار الملاّكين. وهذا الوهم هو أحد أعمدة النظام نفسه، لأنه يجعل ضحاياه يتولّون الدفاع عنه بدل مقاومته، ويجعلهم يرون في امتيازات القلّة أملاً شخصيًّا مؤجلًا لا ظلمًا قائمًا.

إن نقد نظام الملكية لا يعني بالضرورة مصادرة كل ما يملكه الناس، كما يروّج خصوم أي تغيير جذري، وإنما يعني مساءلة الأسس التي راكمت بها أقلّية محدودة ثروات هائلة، بينما بقيت الأغلبية أسيرة الفقر والعمل الهش. فغالبية الناس لا تملك في الحقيقة إلا قوّة عملها وبعض المقتنيات البسيطة، ولذلك فإن تغيير هذا النظام لن يسلبها ما لا تملكه أصلا، بل قد يفتح أمامها أفقًا أكثر عدلًا. أما تدمير هذا النظام فلا يبدأ بُمصادرة الأملاك، بل بتدمير الوهم الذي يسكن رؤوس البشر، الوهم القائل إن الثروة الكبرى ثمرة بريئة لدوران الأيام أو نتيجة طبيعية لاجتهاد فردي خالص. فهي في جانب كبير منها حصيلة تاريخ طويل من النهب والافتراس واحتكار الموارد وانتزاع حقوق الآخرين، ومن ثم فلا معنى لتقديسها أو اعتبارها قانونًا طبيعيًّا أو قدرًا منزّلاً. إنها سلسلة طويلة من المظالم التاريخية التي لم تجد بعد التوثيق المنصف لضحاياها، ولا الكشف الكافي عن مرتكبيها.

ومن الغفلة أيضًا أن نُطالب بإسقاط كل ما جاءت به منظومة الانتقال الديمقراطي، ثم نعتمد الأسس الاقتصادية والاجتماعية نفسها التي قامت عليها تلك المنظومة لبناء نظام مختلف. هذا هو الوهم الذي انساق إليه النظام الحالي وأفضى بنا إلى سبع سنوات من التيْه، لا صوت يعلو فيها على صوت الجعجعة ورفع الشعارات التي تُداعب الأحلام الشعبية بالعدل والكرامة، وتنسفها سياسات نفس رافعي تلك الشعارات. فإذا أردنا فعلًا كسْر حلقة احتكار السلطة والثروة لصالح من يملك أكثر، فلا مفرّ من مراجعة المنظومات التي تُنتج هذا الاحتكار وتعيد إنتاجه جيلًا بعد جيل، لا الاكتفاء بتغيير الوجوه أو الشعارات.

لقد مضت سبع سنوات على وجود قيس سعيّد في الحكم، منها خمس سنوات وهو يحكم بلا شريكٍ فعليٍّ، بعد أن جمع بين يديه السلطات كافّة، وحيد القرار، لا ينازعه برلمان ولا حكومة مستقلّة ولا أحزاب مؤثرة. وإذا كان قد بررّ هذا التركيز غير المسبوق للسلطة بضرورة شنّ حرب لا هوادة فيها على الفساد، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: أين نتائج تلك الحرب؟ لقد امتلأت السجون بالخصوم السياسيين، وضاقت هوامش الحريات، لكن نواة الفساد الاقتصادي بقيت في مكانها، لم تُمس، ولم نرَ شبكات الاحتكار الكبرى تتفكّك، ولا دوائر الإثراء تنكسر، ولا الأموال المنهوبة تعود، ولا النظام الذي يُنتج الفساد يتعرّض لزلزال حقيقي. كل ما شهدناه كان جعجعة إعلامية، وتلويحًا دائمًا في وجه عدوٍّ غامض الملامح، يكثر الحديث عنه ويقلّ الاقتراب منه.

ولعلّ أبلغ توصيف لهذه المفارقة نستعيره من عبارة قالها قيس سعيّد نفسه، مع تعديل بسيط عليها: الفساد إمّا أنه أقوى من الدولة، أو أنه من الدولة. فإن كان أقوى منها، فقد فشل المشروع الذي وعد بإخضاعه، وإن كان جزءًا من بنيتها، فإن الاقتصار على ملاحقة الخصوم السياسيين ليس سوى دوران حول المشكلة لا مواجهة لها. وفي الحالتيْن، لا يجوز الاستمرار في تعليق الإخفاق على شمّاعة الماضي، لأن من يحتكر السلطة يحتكر معها المسؤولية.

فما الذي يُفسّر هذا الخور المريع الذي أصاب مختلف قطاعات الدولة، من الاقتصاد إلى الصحة والتعليم والاستثمار، في وقت لم يعد فيه أحد يشاركه الحكم؟ إن تحميل الآخرين مسؤولية كل هذا الانهيار بعد سنوات من الحكم المنفرد لم يعد يقنع إلا المؤمنين سلفًا بالرواية الرسمية. أما المنطق البسيط فيقول إن من يحكم وحده يُحاسب وحده. ومن يعجز عن الوفاء بالوعود التي جاء بها، أو يكتشف أن الأدوات التي اختارها لم تنتج سوى المزيد من الأزمة، فإن أول فضيلة سياسية مطلوبة منه هي الاعتراف بالفشل، ثم إفساح المجال لغيره، لا البحث الدّائم عن خصومٍ جددٍ يعلّق عليهم أسباب العجز.

لكن الخروج من هذه الدائرة لا يكون بمجرد استبدال حاكم بحاكم، ولا بإعادة تدوير النخب نفسها. لقد أثبتت التجربة منذ 2011 أن السياسة، حين تُختزل في سباق على الحكم، تظلّ تُعيد إنتاج المأزق نفسه، حتى وإن تغيّرت الوجوه. المطلوب هو استعادة معنى آخر للسياسة، لا بوصفها تفويضًا مطلقًا يمنحه الشعب مرّة كل بضع سنوات لمن يفوز بالأغلبية، فيتصرّف بعدها كما يشاء، بل بوصفها مشاركة دائمة وواسعة للبشر في تقرير مصيرهم، ورقابة مستمرّة على من يتولّى إدارة الشأن العام، وتوزيعًا فعليًّا للسلطة، لا مجرّد تناوب على احتكارها. فالأزمة في جوهرها ليست أزمة أشخاص، بل أزمة تصوّر كامل لمعنى السلطة، ولعلاقة المجتمع بها.

ومع ذلك، لست أدين ولا أجرّم من سيحاول شيئًا هذا اليوم، سواء قال “نعم” أو قال “لا”. فكلا الخيارين يحاول أن يُعبّر، بطريقته، عن توق حقيقي إلى التغيير، وإن اختلفت السبل واختلطت النوايا، فامتزج الفاسد بالصالح، وصاحب المشروع الحقيقي بطالب النفوذ والسلطة. فلندع الإناء يموج بما فيه، ولندع الناس يجرّبون ما يرونه متاحًا أمامهم للخروج من بؤسهم، من غير أن نتعجّل الإدانة أو نسرف في السخرية. فكثير من التحوّلات الكبرى في التاريخ لم تولد مكتملة، وإنما خرجت من رحم محاولات مرتبكة، ضبابية الأفق، لكنّها كانت تحمل في أعماقها بُذور التغيير.

مقالات ذات صلة

  • فيديو | اعتصام “المعارضة النقابية”: فرصة “لإنقاذ الاتحاد” أم “تدميرٌ” له؟

    تقرير لإياد بن مبروك بمساهمة غسان بن خليفة يتواصل اعتصام "المعارضة النقابيّة" منذ يوم 25 جانفي الجاري في بطحاء محمد…

    الأخبار, عمّالية, هام

    اعتصام المعارضة النقابية
  • الماء والدولة وإدارة التبعية في تونس

    رانيا مجدوب تتبّع مجرى الماء منذ أسابيع عدة، تتزايد في تونس الاحتجاجات بسبب انقطاعات المياه. ففي قفصة وجندوبة ومناطق أخرى،…

    بلا حياد

    الماء وادارة التبعية
  • الجيل المهزوم: هذا ما أرادوه لنا

    في 9 أفريل 2003 لم يتعدّ عمري التسع سنوات. شاهدتُ سقوط تمثال كبير عبر شاشات التلفاز، ولكن الأجواء التي خيّمت…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 07 30 at 12.33.57
  • “زمان غير زمانِكم”: عن حقّنا في إعادة تعريف الإحباط والمقاومة

    في قاعة واسعة، ولساعاتٍ طويلة، استمرّ نقاش غير شيّقٍ بخصوص مراجعة عنوان مؤلّف حول الشباب في المنطقة العربية. تقول الترجمة…

    رأي

  • من الضباب إلى الظلام: قصّة خمس سنوات

    تنطفئ الكهرباء في عزّ القيظ، فتسكت المكيّفات وتتوقّف المصاعد وتفسد الأطعمة والأدوية، وتصبح حياة المرضى وكبار السنّ والرضّع على المحكّ.…

    افتتاحيّة, الموقف

    عتمة خمس سنوات