يفتح في علامة تبويب جديدة

سياسة الإلهاء رديفًا للقمع

سياسات الالهاء

«يمكن للتلفزيون، على نحو مفارق، أن يحجب وهو يُظهر، بأن يُظهر شيئًا آخر غير ما ينبغي إظهاره.»
بيار بورديو (عالم اجتماع فرنسي)

يمكن اليوم إسقاط مقولة بيار بورديو عن التلفزيون على منصات التواصل الاجتماعي، التي باتت واحدة من أهم ساحات تشكيل ما يُسمّى بـ«الرأي العام»، وتحديد القضايا التي يتداولها الناس وتلك التي تتراجع إلى الهامش.

وهو ما تناولته، بصيغ مختلفة، نظريات «وضع الأجندة» (Agenda Setting) وسياسات التحويل والإلهاء و”صناعة الرضا” وغيرها من النظريات التي عالجت دور وسائل الاعلام في العصر الرأسمالي: ليس ضروريًا دائمًا إخفاء القضية التي لا تريد السلطة أن يناقشها الناس، إذ يكفي أحيانًا أن تدفع أمامها بقضايا أخرى أكثر إثارة، حتى تغرق في الضجيج.

في تونس، شهدنا خلال الأسابيع الأخيرة موجة حرّ شديدة، انكشف خلالها عجز السلطة عن استباق نقائص شبكة الكهرباء، وهي نقائص معروفة ومتوقّعة منذ سنوات. وتزامن ذلك مع انقطاع مياه الحنفية في عديد الجهات والمناطق، قبل أن تنفجر أزمة أخرى في توفير المياه المعدنية وتوزيعها.

ليست هذه أزمات منفصلة، بل حلقات مترابطة تكشف حجم الخلل في إدارة مرافق أساسية وفي قدرة مؤسسات الدولة على الاستباق والتدخل. بل وعلى الاستجابة للتحذيرات التي وجّهتها إليها مؤسسات تتبعها مثل شركة “الستاغ” نفسها. هذا فضلا عن التقارير العديدة لمنظمات المجتمع المدني الجادّة والمستقلّة والوطنية (عكس ما يحاول تصويره بها بعض الأبواق)، مثل المرصد التونسي للمياه، ومجموعة العمل من أجل ديمقراطية الطاقة والمرصد التونسي للاقتصاد والمنظمة التونسية للأطباء الشبّان وغيرهم.

ثم جاءت أخبار الوفيات في المستشفيات، وبعدها في السجون، المرتبطة بموجة الحرّ والإجهاد الحراري، لتضيف إلى الأزمة بُعدًا أكثر خطورة.

فكيف ردّت السلطة على هذه الإخفاقات التي أشعلت غضب الناس، وتحولت في بعض المناطق إلى احتجاجات؟

هل خرج مسؤولو الدولة ليعتذروا مثلًا ـ لا سمح الله ـ أو ليقدّموا نقدًا ذاتيًا؟ هل صارحوا التونسيين بحقيقة الوضع، وشرحوا أسباب ما حصل، وقدّموا خطة واضحة لإصلاح النقائص ومنع تكرارها؟

كلّا.

كل ما جادت به قريحة السلطة كان إعادة تدوير الخطاب نفسه: أطراف خفية يعرفها الرئيس وحده، ومؤامرات لا يُسمّى حائكوها، وتلميحات إلى أن ما حدث «لم يكن طبيعيًا». خطاب مكرّر ملّ منه جزء واسع من التونسيين، بينما لا يزال آخرون يصدّقونه، وإن بدا أن عددهم يتناقص باستمرار.

لكن يبقى السؤال داخل أروقة السلطة: كيف يمكن إيقاف موجة الغضب والتبرّم التي أصبحت واضحة في شبكات التواصل الاجتماعي، وبدأت تتسرّب إلى الشارع؟

هنا يظهر مساران متوازيان.

الأول، هو استهداف الأصوات التي تساهم في كشف أسباب الأزمة وتغذية النقاش حولها، حتى عندما تستند هذه الأصوات إلى وقائع ووثائق وشهادات خبراء.

وهو ما حصل مع زميلنا الصحفي محمد اليوسفي، الذي اشتغل مؤخرًا، من خلال موقع «الكتيبة»، على ملف انقطاع الكهرباء والماء، مستضيفًا خبراء ومتدخلين كشفوا حجم الخلل في إدارة قطاعات استراتيجية تمسّ الحياة اليومية للتونسيين. كما واصل تغطية تدهور الحريات وما يعانيه المساجين السياسيون من ظلم وتنكيل.

أما المسار الثاني، فهو إغراق المجال العام بقضايا أخرى «مثيرة»، مدعومة أحيانًا بتسريبات من محاضر بحث أو تحقيق، بما يضمن تحوّلها سريعًا إلى مادة للنميمة السياسية والاجتماعية على شبكات التواصل.

من إيقاف المحامي غازي المرابط رفقة منوّبه المتهم بترويج المخدرات، إلى الإيقاف الاستعراضي للزميل محمد اليوسفي وما رافقه سريعًا من حملة على الصفحات المساندة للسلطة تتحدث عن «الإثراء غير القانوني» و«التمويل الأجنبي»، وصولًا إلى تسريب محضر بحث في قضية وُصفت قانونيًا بـ«اللواط» وابتزاز مالي، وردت فيها أسماء شخصيات عامة أخرى.

يصعب التعامل مع هذا التتابع باعتباره مجرد سلسلة بريئة من المصادفات.

ففي ظرف وجيز، انتقل جزء مهمّ من النقاش العام من أزمة الكهرباء والماء، ومن وفيات المستشفيات والسجون، ومن تدهور الخدمات الأساسية، إلى تتبع الفضائح والتسريبات والتفاصيل الشخصية والقضايا الأخلاقية.

وهنا تحديدًا تؤدي سياسة الإلهاء وظيفتها.

لا يحتاج الأمر إلى أن ينسى الناس مشاكلهم نهائيًا. يكفي أن ينسوها لبعض الوقت. يكفي أن تُدفع الأزمة الأساسية خارج واجهة النقاش ليومين أو ثلاثة، ثم تأتي قضية جديدة تدفن التي سبقتها، وهكذا دواليك.

وفي الأثناء، يستمر فقدان قوارير المياه المعدنية، وتواصل أسعار المواد الأساسية ارتفاعها، ويتواصل انقطاع بعض الأدوية، بينما يتفاقم التدهور المزمن للنقل العمومي والتعليم والصحة وسائر الخدمات.

وفي الأثناء أيضًا، تتواصل أخبار الوفيات داخل السجون، في ظل الاكتظاظ وسياسة التوسع في الإيقاف والسجن، أحيانًا دون مبرّرات جدية.

وفي الأثناء مرّت ستة أشهر على مظلمة إيقاف قيادة أسطول الصمود، وبلغ المناضل وائل نوار اليوم الخامس والعشرين من إضرابه عن الطعام، مطالبًا بحريته وحرية رفاقه غسان الهنشيري وغسان البوغديري ونبيل الشنوفي.

الإلهاء هنا ليس بديلًا عن القمع. إنه رديفٌ له. فالقمع يستهدف من يتكلّم، أما الإلهاء فيستهدف ما يتكلم عنه الناس.

الأول يحاول إسكات الصوت، والثاني يحاول إغراقه وسط ألف صوت آخر.

وهذا ما تقوم به السلطة اليوم، عبر أذرعها الدعائية وصفحاتها المساندة و«كلاب الحراسة»، وفق التعبير الشهير لبول نيزان، الذين يتولّون نقل النقاش باستمرار من سؤال المسؤولية السياسية إلى الإثارة والفضيحة والتخوين.

لكن حبل الإلهاء، مثل حبل الكذب، قصير.

قد يكون جزء من التونسيين ما يزال ساخطًا على ما بات يُوصف بـ«العشرية السوداء»، أي مرحلة «الانتقال الديمقراطي» الزائف والمُجهض. وقد يكون الغضب من الأحزاب والمنظمات والوجوه التي تصدرت تلك المرحلة ما يزال قويًا، وهذا أمر مفهوم. وواهم من يريد الخروج من هذا المشهد المتردّي باستدعاء عناوين الفشل السابق.

لكن لا يمكن لأي سلطة أن تعيش إلى ما لا نهاية على فشل من سبقها.

ومع تراكم إخفاقات منظومة ما بعد 25 جويلية، وتدهور الخدمات، وانسداد الأفق الاقتصادي والاجتماعي، واتساع دائرة القمع، ستفقد سياسة الإلهاء تدريجيًا نجاعتها.

وعاجلًا أم آجلًا، ستُضبط ساعة الغضب الشعبي على الحاضر، لا على الماضي. وهنا يبدأ السؤال الصعب، والضروري، حول البديل…

مقالات ذات صلة