من الضباب إلى الظلام: قصّة خمس سنوات

25/07/2026
عتمة خمس سنوات

تنطفئ الكهرباء في عزّ القيظ، فتسكت المكيّفات وتتوقّف المصاعد وتفسد الأطعمة والأدوية، وتصبح حياة المرضى وكبار السنّ والرضّع على المحكّ. ويجلس التونسيون في عتمة بيوتهم ينتظرون عودة التيّار كما ينتظرون منذ أعوام قدوم دولة العدل والحرّية التي وُعدوا بها. الرواية الرسمية جاهزة كعادتها: موجة حرّ “غير مسبوقة”، و”متآمرون” تبحث عنهم النيابة العمومية في مكاتب موظّفي الشركة التونسية للكهرباء والغاز. لكن من يُتابع ملفّ الطاقة عن قرب، كما تابعناه في موقع ’انحياز’ خلال السنوات الأخيرة، يعرف أن العتمة التي تجتاح البيوت هذه الليالي ليست قدَرًا مناخيًا، بل نتيجة خيار سياسي فاشل: دولة تُحجم عن الاستثمار في مؤسستها العمومية وفي بدائلها الوطنية، وتفتح في المقابل ذراعيها لكلّ عقد يضمن لرأس مال أجنبي أن يربح مهما حدث.

الشركة التونسية للكهرباء والغاز تُثقلها اليوم ديون تتجاوز سبعة مليارات دينار، وهذا التراكم ليس وليد الحكم الفردي لما بعد 25 جويلية وحده. فالمشكلة لم تكن يومًا في الاقتراض بحدّ ذاته، بل في أنّ الحكومات المتعاقبة منذ 2014 ورّطت الشركة نفسها في الاقتراض المباشر من السوق المالية العالمية، استجابة لـ”نصائح” وكالات التعاون الغربية (الألمانية تحديدا) وصندوق النقد الدولي بدل أن تتكفّل الدولة بذلك أو تضخّ رأس مالًا مباشرًا يُبقي القرار سياديًا وفي خدمة الشعب. فوقعت الشركة في أزمة مالية كبرى لا تزال تُثقلها إلى اليوم. والأنكى أنّ جزءًا كبيرًا من تلك القروض ذهب لسدّ فجوة ديون سابقة متراكمة – بما فيها ديون مستحقة على مؤسسات عمومية أخرى لم تسدّد ما عليها للشركة – لا للاستثمار في محطات الإنتاج الجديدة التي كانت مبرمجة أصلًا. مهندسو الشركة وأعوانها نبّهوا منذ سنوات إلى ضرورة بناء محطة إنتاج جديدة كل سنتين أو ثلاث لمجاراة الطلب المتصاعد، فتجاهلته حكومة بعد أخرى، بينما كانت القروض الجديدة تُصرف في الاتجاه المعاكس: سدّ عجز الماضي عوض بناء طاقة المستقبل. فالمسؤولية هنا تراكمية ومشتركة ولم تبدأ اليوم، لكن ما فعله الحكم الفردي منذ 2021 هو أنه لم يقطع مع هذا المنطق بل عمّقه، بإضافة عقود لزمات جديدة تُخرج الإنتاج من يد المؤسسة العمومية لصالح مستثمرين أجانب. هذا ليس عجزًا في الموارد بقدر ما هو عجز في الإرادة والمخيال السياسيّين وعن تصوّر الاقتصاد خارج “سياسات التقشف”.


وحين تعجز الدولة عن حلّ الأزمة جماعيًا، فإنها تدفع الأفراد إلى حلّها كلٌّ بمفرده، على قدر جيْبه لا على قدر حاجته. آخر مثال على ذلك قرار “الستاغ” الأخير، قبل أيام قليلة، السماح رسميًا لحرفائها في القطاع السكني بتركيب بطاريات لتخزين الطاقة الكهروضوئية موصولة بمحوّلات هجينة، حتى تُعوَّض بها الانقطاعات. حلٌّ يبدو للوهلة الأولى تشجيعًا على “الاكتفاء الذاتي”، لكنه في الواقع تسعيرٌ للنور بحسب المستوى الطبقي: بطاريّة واحدة، لا تغطّي أكثر من ساعتين أو ثلاث من استهلاك المنزل، تُباع بين أربعة وخمسة آلاف دينار، فيما تصل الكلفة الكاملة لمحطة شمسية بسعة 3 كيلوواط مع التخزين إلى نحو عشرين ألف دينار، نصفها تقريبًا ضرائب وأداءات لم تبادر الدولة إلى تخفيضها. عائلات قليلة قادرة على دفع مبلغ كهذا دفعة واحدة ستضمن أن تنام في برودة مكيّفها الخاص، بينما تبقى الغالبية الساحقة من التونسيين تنتظر عودة الكهرباء العمومية في العتمة والحرّ. هكذا تتحوّل الكهرباء من حقّ إلى سلعة، وينتج عن أزمة سياسات عمومية امتياز تشتريه إن استطعت إليه سبيلًا.

والمفارقة الأكبر أنّ البدائل التي كان يمكن أن تمنحنا سيادة طاقية حقيقية ظلّت على الرفّ. توسيع إنتاج الطاقات المتجددة تحت ملكية الشركة الوطنية نفسها لا عبر تفويتها لمستثمرين أجانب، خيارٌ طُرح مرارًا ولم يُموَّل بالجدّية المطلوبة. وخيار الطاقة النووية، الذي تدرسه تونس منذ سنوات بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لا يزال “قيد الدرس” دون أن يُحسم فيه أحد. في المقابل، حين يتعلّق الأمر بعقود اللزمات الممنوحة لمستثمرين أجانب، فإن الأمور تسير بسرعة قياسية وبصيغة “خذ أو ادفع”: أي أن الشركة العمومية تلتزم بشراء الكهرباء ودفع ثمنها سواء احتاجتها الشبكة أم لا، بينما تُضمَن أرباح المستثمر مسبقًا. هكذا كتبنا سابقًا عن مشاريع في مربطاسة وتطاوين وبرج الصالحي، حيث تتحمّل المؤسسة العمومية الالتزامات والمخاطر، وتذهب الأرباح والامتيازات الضريبية للرأسمال الأجنبي. وقِس على ذلك أيضا مشروعات الهيدروجين الأخضر و”خطّ إلماد” بين تونس وإيطاليا، التي ستضمن لأوروبا اكتفاءها الطاقي على حساب حاجياتنا الداخلية. سؤال السيادة إذن ليس شعارًا: لماذا تحجم الدولة عن تمويل قدرتها الذاتية، بينما لا تتردّد لحظة في ضمان استثمار غيرها؟

وفوق كلّ هذا، ثمّة غلاء معيشة يطحن الطبقات الشعبية يوميًا بعيدًا عن أيّ نقاش حول عقود أو ميغاواطات: أسعار ترتفع، وقدرة شرائية تتآكل، وخدمات عمومية تتراجع، في مناخ عام من انعدام الأمل يدفع الشباب خصوصًا نحو الاستقالة من الشأن العام، ونحو الهجرة، سواءٌ عبر قنواتها النظامية أو عبر قوارب الموت، هربًا من بلدٍ لم يعودوا يرون فيه أفقًا. وهذا الإحباط لا يطال السلطة وحدها، بل يطال أيضًا معارضة وأحزابًا شوّهت هي الأخرى صورة “الانتقال الديمقراطي” الزائف خلال العشرية الماضية، بحسابات ضيّقة وصراعات هامشية بدل الدفاع عن مكاسب الثورة وعن الطبقات والجهات التي ضحّت من أجلها، فتركت فراغًا سياسيًا استغلّه الحكم الفردي ليُصوِّر كل تعدّدية على أنها فوضى، وكل معارضة على أنها تآمر.

وينسحب هذا التراجع عن السيادة من ملفّ الطاقة إلى السياسة الخارجية بأكملها. خطاب مناهض للتطبيع والتبعية للغرب، كان حاضرًا بقوة في الشعارات، انكمش إلى صمتٍ مطبق كلّما استوجب الأمر مواجهة حقيقية: لا تجريم للتطبيع مع العدو الصهيوني، ولا إدانة رسمية لاختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع هذا العام، ولا موقف واضح من العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، وكأنّ الخوف من واشنطن أصبح البوصلة الفعلية بعدما كانت “السيادة” شعارًا يُرفع في كل مناسبة. الخطاب نفسه فشل أيضًا في أن يتحوّل من الشعارات الفضفاضة إلى سياسات فعلية تُوطّد شراكات وازنة مع دول الشرق والجنوب؛ بل اختارت السلطة، في المقابل، أن تكون حرس حدودٍ لصالح إيطاليا وأوروبا مقابل تمويلات زهيدة، فيما تورّط رئيسها شخصيًا بكلامه غير المسؤول في تفجير أزمة عنصرية غير مسبوقة ضد أشقائنا من مهاجري جنوب الصحراء، وهي أزمة لم تُطوَ تداعياتها بعد.

ولا شيء من هذا كان ليمرّ بهذا الصمت لولا أن كل أدوات المساءلة عُطِّلت في الوقت نفسه، في مسار لم يكن أفقه واضحًا للجميع في بدايته. فمنذ انتخاب قيس سعيّد سنة 2019 وإلى حدود انقلابه الدستوري في الخامس والعشرين من جويلية 2021، عشنا سنتيْن اتسمتا بالغموض والضبابية: ففي ظلّ صلاحياته الدستورية المحدودة نسبيًا، بنى الرئيس شعبيّته على خلفية الصراع على السلطة مع النهضة وحلفائها وفشلهم في إدارة البلاد، وتحديدا أزمة الكوفيد. أدّى انسداد الوضع إلى مراهنة الكثيرين عليه (بما في ذلك ممّن يتصدّرون معارضته اليوم) وتشجيعه له على تفعيل الفصل 80 من الدستور السابق. وقد انخرط في ذلك لاحقا جزء واسع من الشعب المُنهَك من نتائج السياسات الفاشلة لمن حكموا قبله، ظنًّا منه أنّ صورة الرجل النظيف المتعفّف الذي يتوعّد الجميع بلغة تجمع بين الفصاحة والغموض، مواصفاتٌ للمُنقذ المنشود. لكنّ رئيسًا لم يأتِ بمشروع بديل واضح ولا بفريق عمل متجانس سرعان ما وجد نفسه أسير “الدولة العميقة” التي زعم مناهضتها: أجهزة أمنية تُغذّيه بتقارير لا تنفد عن مؤامرات، وبيروقراطية كبار الموظفين التي أحكمت قبضتها على القرار من خلفه. فتحوّل الرجل شيئًا فشيئًا إلى واجهة شعبوية أتاحت للمنظومة القديمة التي ثار عليها التونسيون سنة 2011 أن تعود من الباب الخلفي تدريجيًا، بعدما صفّت أغلب ما تحقّق من مكاسب – في مجال الحريات أساسًا – بفضل دماء الشهداء وتضحيات المناضلين على مدى عقود.

تكتمل اليوم خمس سنوات كاملة على اللحظة التي انقشع فيها الضباب عن ظلام صريح لا لبس فيه: سلطة تتركّز في يد واحدة أكثر فأكثر، وحربٌ تكاد لا تهدأ على كل الأجسام الوسيطة – نقابات وأحزاب وجمعيات – إلى جانب حلّ المجالس البلدية المنتخبة وهيئة مكافحة الفساد، وتهميش برلمان لم يعد يستجوب وزيرًا عن عقد مُجحف أو خيار استثماري مُهمَل، وتدجين إعلام لا يفتح ملفّ الطاقة دون أن يتعرّض للمضايقة والتتبّع القضائي، وتعطيل لتركيز محكمة دستورية كانت كفيلة بإخضاع القرار لرقابة القانون. عطّل كلّ هذا أدوات المساءلة والرقابة المواطنية دفعة واحدة، وفتح الباب أمام اختلاق مؤامرات وأعداء وهميين – غطّت على المؤامرات الحقيقية على البلاد – كلّما استوجب الأمر تبرير تضييق جديد على الحريات. عشرات المعتقلين السياسيين اليوم في السجون من اليمين واليسار، ومثلهم ملاحقين قضائيا داخل البلاد وخارجها، من أحمد نجيب الشابي رغم تقدّمه في السنّ إلى العياشي الهمامي، الذي كتب قبل أيام رسالته المفتوحة لقيس سعيّد يطالبه بالرحيل “قبل فوات الأوان”، مرورًا بأبطال “أسطول الصمود”، الذين حوّلتهم السلطة من شركاء في المبادرة إلى متحيّلين يُزجّ بهم في السجن منذ أشهر بتهم ملفّقة، لمجرّد أنهم حاولوا كسر الحصار البحري عن غزة: هؤلاء ليسوا قضايا معزولة عن أزمة الكهرباء، بل هم الشرط السياسي الذي يجعل قرارات مصيرية كهذه تُتّخذ أو تُهمَل بلا نقاش ولا رقيب. الحكم الفردي لا يقمع الرأي فحسب، بل يُغلق كل قناة كان يمكن أن تسأل: لماذا لا نستثمر في أنفسنا؟ لماذا لا نستشرف المستقبل؟ ومَن قرّر أن نبقى مرتهنين لقرار غيرنا؟

في “انحياز”، لا نكتب عن الكهرباء بمعزل عن السيادة، ولا عن السيادة بمعزل عن الحرية ولا عن الحرّية بعيدًا عن العدل الاجتماعي. البلاد لن تُضاء من جديد بعقود لزمات جديدة ولا بخطابات “انتقال طاقي” فارغة، بل يوم تختار الدولة أن تستثمر في مؤسساتها خدمة لشعبها، وتُفَكّ القبضة عن الكلمة والنقاش العام، ويُطلق سراح من لا ذنب لهم سوى أنهم قالوا ما لا يريد أهل السلطة سماعه. إلى أن يحين ذلك اليوم، ستبقى تونس، بلدًا غارق في العتمة، وسيظلّ شعبها يتطلّع إلى الضوء في آخر النفق. ولا شكّ في انبلاج الفجر وإن بعد ليْلٍ طويل.

مقالات ذات صلة