النظام العالمي الجديد و عقيدة دونرو             

07/01/2026
WhatsApp Image 2026 01 07 at 17.49.20




افتتح رئيس الامبريالية الأمريكية السنة الجديدة بعمليّة عَنجُهية خاطفة ضدّ دولة فنزويلا من خلال اختطاف هوليوديّ للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته.

جريمة الاختطاف المارقة عن أيّ عُرف أو قانون، وُصفَت  في الإعلام الأمريكي بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو بتهمة تزعم كارتيل للمخدرات. وفي أول مؤتمر صحفي له  بعد العملية، صرّح دونالد ترامب  بأنّ ” الولايات المتحدة الأمريكية لن تنسى عقيدة مونرو”، والتي أعاد تسميتها بـ”عقيدة دونرو”.

وتعود التسمية الأصلية إلى الرئيس الخامس للولايات المتحدة الأمريكية جيمس مونرو الذي وجه رسالته السنوية إلى الكونغرس الأمريكي سنة 1823، مشيرًا فيها إلى اعتبار النصف الغربي للكرة الأرضية  مجالا حيويا يخص الولايات المتحدة الأمريكية.

بعيدا عن فرض الإمبريالية الأمريكية لمصطلحاتها الخاصة وتلاعبها بالمفردات من أجل تثبيت حالة العربدة السياسية والعسكرية كأمر واقع، تعيش سائر الأمم والشعوب الرازحة تحت هذه العربدة حالة من الذهول جراء هذا الوجه القبيح، والحقيقي بطبيعة الحال، الذي كشف عنه الفاشي المغترّ بنفسه.
ومن تابع العدوان الصهيوني الأخير على غزة، والدعم الجبّار من الولايات المتحدة الأمريكية لمجرم الحرب الصهيوني على فلسطين ولبنان واليمن وإيران، كان ليعلم أنّ هذا الوحش الأمريكي أسقط كل أقنعة الديمقراطية الناعمة وكلّ المقولات الأخلاقية التي تبجّح بها سابقا. فاليوم يبدو شعار السياسة الأمريكية: “لا شيء أخلاقي إلّا ما نفعله نحن الأمريكان، وما يصب في مصلحتنا”.

طبعا لا مجال لأن يصدق عاقل بعد الآن أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تسعى، خاصة في ما يتعلق بسياساتها الخارجية،  إلى حماية الشعوب من أنظمتها الدكتاتورية أو حفظ حريتها وحقوقها. فالضغط الأمريكي على فنزويلا لن يكون إلا البداية فحسب، وقد تتلو هذه العملية عمليات أخرى في البرازيل وكولومبيا وكوبا وإيران وضدّ أيّ نظام قد يقف حجر عثرة في طريق إعادة بناء الامبراطورية الأمريكية.
وقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بكلّ وقاحة أنّ الولايات المتحدة “ستدير البلاد (فنزويلا) حتى حتى تتمكن من إجراء انتقال آمن وسليم وحكيم للسلطة”. ولا يخفي ترامب رغبته في وضع ثروات فنزويلا تحت سيطرته وفي فتح الطريق أمام شركات النفط الأمريكية للعودة إليها.
لا تملك فنزويلا احتياطيا هائلا من النفط الخام يُقدر بـ303 مليارات برميل فحسب، وهو خمس الاحتياطي العالمي، بل أعلنت كذلك سنة 2019، نتيجة الحصار الاقتصادي، عن خطّة  لاستخراج المعادن. كما نشرت الحكومة الفنزويلية في السنوات القليلة الماضية بيانات عن احتياطات وموارد هامة من الفحم والذهب وخام الحديد والبوكسيت (الذي يُصنَع منه الألمينيوم).

WhatsApp Image 2026 01 07 at 20.08.27
 خريطة نشرتها الحكومة الفنزويلية سنة 2021 عن احتياطيات المعادن


                                                                     
وفيما ستمنح العملية الأخيرة نفوذا أمريكيا متصاعدا على الأسعار والسياسة النفطية في العالم، ستتزايد مخاوف الصين خاصة، وهي التي تستورد 80 بالمائة من النفط الفنزويلي، من أن تكون ضحية الابتزاز الأمريكي على المستوى الاقتصادي والسياسي.
أما الأوروبيون التُبّع للسياسات الأمريكية، فإنهم يواصلون تسلق أعلى الدرجات في سلم النفاق الأخلاقي والسياسي، ويكتفون بالتأكيد على ضرورة الانتقال الديمقراطي للسلطة في فنزويلا.

بعد العدوان الصهيوأمريكي على قطاع غزة المحاصر والإبادة الجماعية في حق الفلسطينيين، وأمام صمت العالم، وبعد العدوان الأخير على سيادة فنزويلا، وما قد يتلوهما من عمليات قبيحة أخرى، يضع دونالد ترامب العالم على كفّي نقيض : فإمّا انصهارٌ وخضوع للسياسة الأمريكية من أجل تثبيت موازين القوى وبناء العالم الجديد الذي يطمح لقيادته، وإما معاداة لأمريكا ولمطامعها. لا وجود بعد الآن لأي منطقة رمادية أو لأي مناورة مع هذا العدو الذي لم يعد يأبه لشيء سوى منطقة القوة.
ولن تكون العملية الأمريكية في فنزويلا حدثا عابرا، بل مفترق طرق جديد في أمريكا اللاتينية  وتحوّلًا جيوسياسيا يُسقط كل النواميس الدولية، التي حرصت القوى الكبرى على استعمالها بعد الحرب العالمية الأولى والثانية من أجل ضبط العالم وكبح حركات التحرر فيه، ويُعلي راية القوة. ولن تكون كاراكاس الضحية الأخيرة في قائمة “القاتل المتسلسل الأمريكي”، خاصة إذا واصلت الشعوب المضطَهَدة  حالة البهتة التي تعيش على وقعها.

آنيًا لا بدّ من استرجاع حالة التضامن الأممي بين  شعوب الجنوب، وتحويل هذا التضامن إلى ضغط سياسي حقيقي على الأمريكي، ومن يقف معه، تماما كما حصل مع احتلال الفيتنام والعراق (رغم اختلاف السياقات)، وأمّا استراتيجيا سيكون التفكير في بناء قطب وجبهة عالمية تواجه هذا التوحش، أمرا لا مفرّ منه. دون ذلك هو أن نقع كالخرفان المنفردة بين فكّي الذئب الأمريكي.

مقالات ذات صلة

  • ترجمة | ماذا وقَعَ فعلاً في فنزويلا؟

    ترجمة - خاصّ بانحياز - مروة الشريف نُشر المقال الأصلي في موقع "التقدّمي" The progressive  الأمريكي بتاريخ 2 أكتوبر 2017،…

    إختَرنا لكُم, الأخبار, العالم, بلدان الجنوب, ترجمات, رأي, هام

    Venezulea Opposition Protest