كانت حالات الاختناق التي تسببت فيها الانبعاثات الغازية الصادرة عن وحدات الإنتاج التابعة للمجمع الكيميائي التونسي في قابس مثيرة للفزع والحنق لأنها تمثل خطرا آنيا على حياة الساكنين حذو أنشطة تحويل الفسفاط. وليست حوادث الاختناق، على حدّة خطورتها، المظهر الوحيد الذي يهدّد به قطاع إنتاج الفسفاط وتحويله في تونس على شاكلته الحالية، المجتمع، بل تتعدّد المظاهر الأخرى التي تندرج في نفس سياق الاعتداء على الإنسان في حاجياته الحيوية.
ففي الحوض المنجمي مثلا، تُزاحم عملية غسل الفسفاط الناسَ في الماء الموجّه للشراب والشؤون المنزلية الأخرى من طبخ وتنظيف. كما أن التلوث الناجم عن الأنشطة التحويلية، في خليج قابس وساحل صفاقس، يمثّل تهديدا واضحا للصحة العامة من خلال التسبب في عديد الأمراض التنفسية والجلدية وغيرها. هذا علاوة على أن هذا التلوّث نفسه يضغط على الشروط المادية لاستمرار وجود المحيط الطبيعي للسكان، الذي منه ينهلون غذاءهم وفيه يستجمّون.
في المقابل السياسي، يبدو أن هذه التداعيات الناجمة عن الأنشطة المتعلقة بالفسفاط لا تمثل سوى أعراض سلبية أو أضرار جانبية، لازمة لأي غايات اقتصادية عظمى وملازمة لها. فبعض حالات الاختناق ليست بشيء أمام ارتفاع معدّلات النمو. وبعض حالات السعال المزمن أو هشاشة العظام بل حتى السرطانات ليست بأهمية تُذكَر أمام تدفّق العملة الأجنبية. فلنصبر قليلا كي نتلافى مرارةَ واقع أنَّ “المغرب هربت بينا”؟
لكنه وفي الواقع، لا تعدو جملة هذه المقولات وغيرها إلا محاولات هروب من حقيقة أن قطاع الفسفاط، في شكله الحالي، يعاني من أزمة إعادة إنتاج من داخل منطق إنتاجه نفسه، المعتمد على منطلقات إيديولوجية اقتصادوية تُعلي من شأن الغايات المالية الصرفة وتتجنب اعتبار أي مجال تعريف اجتماعي وطبيعي يحدد هامش حركة هذا النشاط الاقتصادي. في كل الأحوال، ما الإيديولوجيا السائدة سوى إيديولوجيا الطبقات الحاكمة في المجتمع والمتحكّمة في وسائل إنتاجه المادية والفكرية، والساعية إلى تأبيد الوضع القائم من أجل ضمان مصالحها والحفاظ عليها.
يأتي هذا الملف إذن في سياق الدفع بطائر مينيرفا أن يطير عند غسق الاحتجاجات العظيمة التي تشهدها مدينة قابس ضد التلوث ومنوال تنموي يخنق نفسه بيديه عبر خنق شروط إعادة إنتاجه الاجتماعي. واقتناعا بمطلب تفكيك الوحدات الملوّثة، نرنو عبر هذه المجموعة من المقالات التحليلية تفكيك المنطق الاقتصادي والسياسي والإيديولوجي الذي يحكم قطاع الفسفاط في تونس، متتبّعين المسار التاريخي السياسي والاجتماعي الذي أسس لهذا المنطق، متصيّدين تناقضاته.
في النهاية، كل ما علينا سوى ” أن نحاول مساعدة الدغمائيين على إعادة النظر بوضوح في أطروحاتهم الخاصة”.
روابط الملف:


