قراءة في فيلم ” melancholia” أو ” كآبة ” (2011)
هذا الشريط يرسم صورة مأساوية مريعة للدمار الذي يقودنا إليه جنون الامبرطوريات المالية والتجارية المتحكمة في مصائر البشر، سواء على مستوى الأفراد، عبر التخريب الآلي المنظم لحياتهم وسوقهم رغما عنهم نحو منحنيات اكتئاب ويأس لا مخرج لهم منها. أو على مستوى مصير كوكب الأرض برمته، بتجاهل تواضع مكانة هذا الكوكب وهشاشته وضآلة حجمه، والانشغال بالصراع على احتكار الموارد عن الأخطار التي تهدده. فتأتي الصورة المتخيلة التي قدمها الفيلم لكويكب يضرب الأرض ويدمرها، تذكيرا بعد فوات الأوان، بهشاشة الوجود البشري وعدم قدرة الأرض على احتمال هذا الكم من الصراعات العبثية الدائرة رحاها فوقها.
***
النصف الأول من الفيلم يقدم صورة بشعة للوثة التسويقية التي استحوذت على عقل المؤسسة التي تعمل فيها “جاستين”، المسؤولة عن قسم الدعاية والتسويق، التي هي هنا بطلة القصة وضحيتها في آن. وجرّها الجنون الربحي لاختراق كافة التفاصيل الحميمية لحياة تلك المرأة، وتوظيفها لفائدة صاحب المؤسسة، فنرى مديرها ينظم لجاستين حفل زفافها، وفي نفس الوقت يخنقها خنقا بسلسلة من المطالب المتعلقة بالرفع من معدل المبيعات، عبر الضغط عليها لتقوم بابتكار شعار فريد لمنتوجات الشركة، في ليلة زفافها بالذات. يستثمره لخدمة صورة المؤسسة وزيادة معدلات ربحها وتوسعها في السوق. وإلا فإن أشكالا متنوعة من التدمير هي في انتظار جاستين. تقول المرأة المكبّلة بشروط المؤسسة الرأسمالية:
” تلك الأصواف الرمادية المربوطة بساقي ثقيلة، ويصعب عليّ جرّها”
نشاهد في الدقائق الاولى من الشريط ما يشبه الأصواف أو الخرفان أو الخفافيش تتهاطل على نحو غريب من السماء نحو الأرض في كل اتجاه، فيما يمثل صورة مجازية لحالة التّداعي التي صار إليها الكون. ثم نرى امرأة في ثوب الزفاف تجري وحيدة فارّة والهلع يملؤها. ولا نرى من الذي كان يطاردها، لكن نرى كتلة ثقيلة رمادية اللون مشدودة إلى قدميها تثقل حركتها، ثم لم تلبث أن صارت عبارة عن قيد يكبل المرأة ويعيقها عن الحركة.
***
الشركة لم تنظم حفل زفاف جاستين فحسب، بل اشترت حياتها كلها وصيّرتها رهنا لمشيئتها، فلا غرابة أن نرى المدير الذي أشرف على كل كبيرة وصغيرة في الحفل، لا يكف طوال الزمن الذي استغرقه الاحتفال، عن تذكيرها بكم تكلّف زفافها على الشركة. ويريد أن يعرف منها في الحال ما الخدمة التي ستقدمها للشركة مقابل ذلك، ثم يشير بوضوح لما هو مطلوب منها: شعارا دعائيا فريدا من نوعه، تبتكره جاستين، أو لابد لها أن تبتكره، خلال ليلة زفافها بالذات، يقفز بمبيعات شركته لمستويات خيالية. ويهددها المسؤول أنها إذا لم تفعل ذلك، فإن ابن شقيقه الذي انتدبه للعمل في الشركة وهو تقريبا فاقد لكافة المؤهلات التي تتطلّبها تلك الوظيفة، بما يعني أنه التحق بالعمل من خلال المحسوبية، براتب مجز وامتيازات كثيرة، وكلّه مقابل مهمة وحيدة، هي أن ترفع جاستين الحمل نيابة عن الكل، وتغطي على كل قصور وتسد كل ثغرة، فتقوم بعمل ابن شقيق المسؤول لئلا تنكشف قلة كفاءته ويتعرض للطرد.
***
طوال ليلة الزفاف لا حديث للمدير ومسؤول مبيعاته الا عن الشعار المرتقب. ولكل واحد ممن حضروا الزفاف انتظاراته من وراء الشعار التسويقي، ونصيبه من لحمة جاستين.
تئن جاستين تحت وطأة المطاردة، وتفضي بآلامها لأمها، فتخبرها بأنها خائفة، وتواجه آلاما عنيفة في قدميها عند السير، فترد عليها بلامبالاة مطالبة إياها بالكفّ عن الأحلام وتفهمها أن الجميع خائفون. لكن جاستين في منتصف القصة تعجز عن احتمال الضغط، ولا تجد في الخوف الجماعي السائد مبررا لتقبل التعايش مع مخاوفها الشخصية، فتنفحر في وجه رب عملها اللئيم:
- أكرهك أنت ومؤسستك بشدة. لدرجة تعجز الكلمات عن التعبير عنها. أنت حقير دنيء، متعطش للسلطة. فيرد عليها مهددا:
- أهذه استقالة منك؟ لأن الفرص غير متوفرة.
فترد على تهديده الضمني لها بالطرد بأن تعطيه ظهرها.
وجم في مكانه واصفر وجهه اصفرار الموت.
- لقد كسّرت ظهري
أضمر لها رب عملها عقوبة أشنع من كسر الظهر.. لقاء تمردها على شريعته، هي كسر حياتها برمتها. لكن المجهول الذي لم يحسب أحد حسابه أضمر للجميع، ببريئهم ومجرمهم، عقوبة أشد رهبة.
لم يكن الرحيل سهلا على جاستين. بعد أن واجهت المدير بما كانت تضمر له، وحررت عقلها من لوثة الشعار الذي خنقها به. ثمّة دين لابد لها من دفعه.
ذلك الزواج التجاري الذي نظّمته لها الشركة كان شركا لها. لم يكن له أن يتم والانفصال كان لا مفر منه. لأنّه لم يكن غير لوثة أخرى تنظاف لما أصابتها به المؤسسة من لوثات.
***
جاستين.. الممتلئة يأسا واحباطا في ميلانخوليتها الداخلية. تدرك الآن النهاية الوشيكة لهذا العالم الخرب.. بسبب كوكب مجهول اسماه العلماء ” كوكب ميلانخوليا ” أو كوكب الكآبة، رصدوه وهو يقترب من الأرض اقترابا مخطرا ويهدد بالاصطدام بها وتدميرها. تعيش دمارها الذاتي قبل دمار الأرض المرتقب.. وما الكوكب المجهول القادم وشيكا، سوى تعبير مجازي عن الخراب الداخلي الذي أصاب البشر جراء الجشع الرأسمالي، وروح التسليع التي أعملت نخرا في الأرواح. لم يفتها أن تسدد لرب عملها الجشع اللّكمة التي كان يستحقها.. نعيش مع جاستين زواجا فاشلا.. تفسده أم أنانية وأب غبي لا مبال. خلال حفل زفافها تختلط عليها السبل، فتصل متأخرة للحفل لتجد في استقبالها رب عملها الذي رقّاها لرتبة مديرة.. هذه الترقية ليست هدية الزفاف.. بل لها كلفة ومقابل باهظين سيزيدان جاستين تأزّما.. إذ نجده قد كلف أحد موظفيه الجدد بمطاردتها مطاردة لصيقة ليعرف منها ما الذي رسمته كمخطط للتسويق الجديد، وما الشعار الذي ستبتكره لتطلقه على آخر منتوج للشركة.. في ليلة زفافها بالذات.. أي انه كان يعمل على استنزافها حتى آخر رمق. تقول لربّ عملها: فكرت طويلا في الشعار الذي طلبته مني، وكل مرة يعيدني التفكير لنقطة البداية، للاشيئ.. فيهتز عرفها فرحا ويقول لها: إذن ” لا شيء ” هو الشعار الذي سنطلقه على المنتوج؟ فترد عليه : أعتقد أن “لا شيء ” كثير عليك، فأنت أناني لئيم متغطرس قذر.. وينتهي الفصل الأول من الفيلم بانفصال جاستين عن زوجها، الذي بسبب انسداد أفق الفهم عنده، عجز عن فهم اللوثة التي تعاني منها، وتأثير الضغط الساحق الواقع عليها من قبل الطغمة النيولبيبرالية المتحكمة في حياتها.. في نفس المستوى الزماني يظهر من أعماق الفضاء كوكب مجهول عملاق الحجم يهدد الحياة على الأرض.. لعله محاكاة فلكية للطخة الشعور باللامعنى وتفاهة الحياة وتجردها كل قيمة، التي ما فتئت تتسع في داخل جاستين. لكن زوج شقيقة جاستين في القسم الثاني من الفيلم يحاول إقناعها، انطلاقا من حسابات علمية صرفة.. في محاكاة ثانية للكيفية التي يتعامل بها العقل الرأسمالي، الذي يضج بحسابات الربح والخسارة، مع خراب الأرواح، وإقناع زوجته أن هذا الكويكب لن يسبب أي ضرر للأرض، بل سيمر بمحاذاتها ويعاود الابتعاد.. بنفس الكيفية التي يحاول أرباب النيوليبرالية إقناعنا بها أن لا ضرر سيصيب البشر من سقوطهم في الهاوية التي يقودهم صوبها جنونهم الربحي. جاستين المنهارة بفعل ما جدّ لها في الفصل الأوّل من ملاحقات وضغط وانفصام نفسي، لا تبدو مبالية كثيرا بمصير الأرض.. في تعارض مدهش مع وضع الرعب والاستلاب الذي كانته في الفصل الأول.. وعكس شقيقتها ” كلير ” التي بدت متماسكة. ثم لم تلبث الانهيارات الداخلية أن شرعت تحدث الشروخ العميقة في نفسيتها.. جاستين تكره كوكب الأرض وتصفه بالكوكب الشرير الذي لن يحزن أحد عليه إذا تعرض للتدمير. لكن ماذا عن أبرياء الكوكب الذين لا ذنب لهم في المحرقة التي أعدتها الرأسمالية للعالم؟ لا يبدو هنا أن البراءة والاعتصام بالصمت كافيان للنجاة أو بلوغ مصير مختلف عن مصير الأشرار. فشلَ زواج جاستين وفُصلت من عملها وصارت تعيش اكتئابا مريعا، فأي بهجة لا زالت تنشدها في الحياة؟. انتحر زوج ” كلير” في اسطبل الخيول لأنه فشل في توقعاته بشان الكوكب المجهول، واتضح أن الاصطدام محتّم والأرض مصيرها التدمير.. بينما كان طوال الفيلم يتشدق بصحة تقديراته ويؤكد لهما أن الكوكب سيمر بجوار الارض ولن يمسها بسوء.. يمثل الصوت البراغماتي المصلحي الذي لطالما تشدّق بأن جنون الركض خلف الفاعلية والنجاح بمعناه الليبرالي لن يخلف تدميرا في البنى الأخلاقية والروحية للبشر تجعل الحياة حالة ” ميلانخوليا” متصلة. لم يبق لكلير بعد أن انكشفت لها حقيقة الكوكب الذي على وشك الاصطدام بالأرض لها غير هاجس إنقاذ طفلها الصغير من الهلاك.. طفلها الذي مثل عندها مستقبلا لا أفق له. لكن كيف وإلى أين المفر.. هل هناك بقعة على الأرض لم تصبها اللوثة الرأسمالية بلطخة شنيعة شوهت معالم الحياة فيها؟ نحو أي مستقبل ستعمل كلير على الفرار بالطفل؟ لا شك أن تقرير جاستين بأن كوكب الأرض غدا من التفاهة وفي مستوى من الجحيمية، لا يستحق الحزن من أجله عند تعرضه للتدمير، يجد خلفيته في معاناتها الرهيبة في ظل أنظمة العمل الرأسمالية المتوحشة التي لا تلقي بالا للانسان ومعاناته.. وتقتحم عليها خصوصيتها وتصادرها منها وهي في عز احتفالها بزواجها. كلير.. تقترح نهاية شاعرية لحياة الثلاثة: هي وابنها ” ليو ” وشقيقتها ” جاستين ” التي انتهت بها كآبتها إلى أن صارت شبه مختلة، موسيقى على الشرفة يطلان منها على النهاية. لكن جاستين، لتهدئة مخاوف ” ليو ” ومنحه السكينة قبل الكارثة، تقيم له كوخا عاريا من أعواد الشجر، تعيده به لبساطة البدايات التي لن تُستعاد، في فضاء مفتوح، في محاكاة منها ” للكوخ السحري ” الذي قرأ ليو حكايته في إحدى القصص.. ويربض فيه الثلاثة حتى يحدث الاصطدام الرهيب وتجرفهم نحو العدم موجة الغبار الهائلة التي أثارها .
فيلم عن سوداوية الذات في ظل أنظمة العمل – السخرة وكآبة العالم المقنطة المفضية لإسقاط لا ينتهي بغير القضاء على كل شيء عبر حالة تدمير شامل من قبل قوى لا قبل لبشر بإيقافها.. هي هنا ذلك الكوكب المجهول الذي دمّر الأرض وأنقذ البشر من بؤس وجودهم.. طبعا لا أحد حزن عليها، لأن الجميع كانوا يدركون قبل حصول النهاية، أن ذلك ما كانت تستحق ويستحقون هم، وبعد أن ذهبوا وغيبتهم ظلمات الفناء، ما كان لأحد أن يحزن على عالم لم يتغذّى أديمه على غير الكراهية والحقد، وبالتالي لا شيء فيه يستحق الحزن من أجله.
***
يتلهف بعض الحمقى في بلادنا على بلوغنا وضعا ليبيرليا ينتهي بالبشر لمثل ما انتهى إليه مصير جاستين. هؤلاء يعتقدون أنه لابد من المرور، ليس بمرحلة توحّش ليبرالي لبلوغ الزمن الاشتراكي. فهم لم يكونو يوما من دعاة ذلك الزمن أو الباحثين عنه، بل لبلوغ وضع توحش يكونون فيه هم سادة الساحة والمسيطرون على المقادير. وضع التوحش بالنسبة للكمبرادور التونسي هو الأفق النهائي الذي يريدون للبلاد أن تتجه صوبه. هم لا يرون الدمار الحاصل في الداخل، ويتلهون بالصورة الخارحية البراقة التي تسوقها الرأسمالية عن نفسها. رغم الإدانات الآتية من داخل المركز الرأسمالي ذاته لمستوى التدمير الذي تمارسه قوى السوق ضد الحياة البشرية.
***
إن تقزيم الوجود البشري وكوكب الأرض كله، بمقارنة حجم كوكبنا بالكواكب الأخرى، والتذرع المستمر بتفاهة الوجود البشري الشبيه بنقطة غبار في صحراء كونية شاسعة، يحملنا لوجه آخر من وجوه ذلك التتفيه غير الدعوة للتواضع الحميد، الناجم عن اعتراف وادراك حقيقيين بحقيقة الحجم، هو تتفيه القيمة مجتمعيا، هو استنساخ كوسمولوجي للتقزيم القائم في المجتمع بين ذوي الأحجام الضخمة وذوي الأحجام الضئيلة. وطبعا ووفقا لنظرية أن الأعظم هو الأكبر جحما والأثقل جثة، فذوي الحجم الضئيل بجميع مستويات تلك الضآلة، ليس لهم حظ في الدنيا، وعليهم أن يتواضعوا ويفهموا أن ” كل قدير وقدرو “” وعلى قدر جبتك تمد رجلك ” حتى ولو كانت تلك الجبة قد خيطت لك بليل وبتدبير فاعل، وحتى ولو أنك تدرك أن رجلك أطول من مساحة الكساء المعد لك، لكنها محاصرة ومغلولة ومعلولة، محرومة من الحركة في مساحات هي حقها البيّن، ما المعنى الحقيقي لمفهومي الكون والكينونة؟ على كلا من المستويين الكوني والمجتمعي؟ كتل الأحجار ذات الأحجام الاعجازية التي تسبح في الفراغ ولا نفهم معنى لحركتها، ليست ” الكون ” وليست دليلا على كينونة، العبرة ليست بالحجم الضخم لكواكب ميتة لا شيء فيها ينبض بالحياة. وكوكب الأرض على صغره، هو الأجمل وهو – لحد ما يصل إليه علمنا الراهن – الكوكب الوحيد الحي الذي يعطي “الوجود الكوني” معناه… من الغباء الركون لفكرة ضآلة حجم الإنسان في الكون وبالتالي التسليم بما تفعله به الماكينة الرأسمالية، من تشييئ وتبخيس وترذيل، هذه الضآلة تنتهي عادة الى عدمية وفردانية مطلقتين ، هما الحبل الذي يقاد به الإنسان إلى حتفه، لكن الإنسان ليس ضئيلا في الكون، لأنه هو بالذات “ الكون”، بتشاركه إنتاج معنى للوجود مع البشر الآخرين ومن خلال التعاون معهم.


