يفتح في علامة تبويب جديدة

الجبهة الإعلامية في الحرب الأمريكية على فنزويلا

WhatsApp Image 2026 01 12 at 19.55.13

تصميم وجدي مسلمي

منذ انطلاق الثورة البوليفارية لم تكن المواجهة مع واشنطن على النفط وحده كما يتجلّى اليوم، وإنما على حق دولة في أن تعيد تعريف التنمية والسيادة عبر الانتخابات ثم عبر سياسات اجتماعية واسعة. والإعلام يدخل ضمن هذا السياق بصفته سلاحاً تأسيسياً: نَزع الشرعية عن المسار الانتخابي، وتصوير إعادة توزيع الريع على أنها فساد، ووسم الدولة بأنها «استبداد شَعْبَوي». لقد جرى بناء سردية ثابتة ترى في أي احتكاك مؤسساتي «انهياراً»، وفي أي استقلال خارجي «تهديداً»، وفي أي تعاون مع الصين وروسيا «ارتهانًا». ومع الوقت صار الخبر نفسه جزءاً من هندسة العقوبات، وليس مجرد تغطية. هكذا يصبح توصيف الأزمة أداة ضغط، وتغيب الأسئلة عن من يفرض العقوبات ومن يحدد شروط التجارة والتمويل.

في عهد هوغو تشافيز ظهرت القاعدة العملية لهذه الجبهة. انقلاب نيسان/أبريل 2002 لم يتحرّك فقط عبر نخب اقتصادية وقطاعات من الجيش، وإنما أيضاً عبر قنوات خاصة صنعت مشاهد منتقاة وكتبت نهاية السلطة قبل وقوعها، ثم تعاملت مع الانقلاب باعتباره «انتقالاً للسلطة». وبعد عودة تشافيز بفعل تعبئة الشارع وقطاعات من القوات المسلّحة، استمرّت معركة تعريف الحدث وتبرئة الفاعلين وإلقاء اللوم على الضحية. ومع إضراب النفط في أواخر عام 2002 وبدايات عام 2003 قُدم تعطيل الإنتاج والتخريب الإداري في السردية الغربية باعتباره «احتجاج مهني»، بينما صُورت إجراءات الدولة لضمان الطاقة والرواتب باعتبارها «قمع» لاحتجاجات. ومثل هذه الصياغات صنعت مناخًا دوليًا يسهّل الحصار الاقتصادي. وقد فُتحت في الوقت ذاته خطوط اتصال بين المال والإعلام والسياسة، فصار تعليقٌ تلفزيوني ينتج قراراً ويبرر عقوبة ويستدعي تدخلاً.

ومع توسع «المهمات الاجتماعية» للحكومة البوليفارية وتَحسُّن مؤشرات الصحة والتعليم، واجهت الدعاية مأزقًا حقيقيا، لأن الواقع الاجتماعي ناقض صورة «الدولة الفاشلة». فجرى نقل المعركة من سؤال ماذا تحقق إلى سؤال من يملك حق القرار. وصارت فنزويلا تُعرض كدولة «مارقة» لمجرد بناء سياسة نفطية مستقلة، أو دعم تكامل إقليمي خارج الوصاية الأمريكية، أو إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص. وجرى تضخيم كل توتر إداري أو انتخابي باعتباره دليلاً على غياب الشرعية، مع تجاهل أن الاستقطاب نفسه جزء من صراع مصالح داخلي وخارجي. وأصبحت الهجمات في الاقتصاد على العملة وسلاسل الاستيراد تُختزل في «فشل» مجرَّد. ومع الوقت صارت الأرقام تُختار بعناية: تضخيم مؤشرات وتجاهل أخرى، وإسقاط أثر الحصار الاقتصادي في كل شرح للأزمة.

وبعد رحيل تشافيز ورث نيكولاس مادورو دولة محاصرة مالياً وبنية نفطية تحتاج استثمارات، وورث ماكينة تشويه جاهزة. فقد تحولت كل أزمة أسعار أو ندرة في الإمدادات منذ عام 2013 إلى قصة واحدة عن «نظام عاجز»، بصرف النظر عن القيود البنكية والعقوبات المتدرجة على النفط والتحويلات. وفي عام 2014 ثم 2017 قُدمت موجات العنف في الشارع على اعتبار أنها «احتجاجات سلمية»، مع تقليل الحديث عن هجمات على منشآت عامة وحرائق ومجموعات مسلّحة استهدفت مواطنين على أساس الهوية السياسية. وبالمقابل، جرى تحويل أي استجابة أمنية إلى برهان على «ديكتاتورية» الحكومة. وتوازى ذلك مع صناعة مصادر ثابتة عبر تقارير «حقوقية» ومراكز تُكرر لغة واحدة. كما جرى توظيف خطاب «حقوق الإنسان» بصورة انتقائية، بحيث تتحول الدولة وحدها إلى متهم دائم، فيما يُمحى دور ممولي العنف وداعميه الدوليين.

وحين استُهدف مادورو بطائرات مسيّرة في محاولة اغتيال خلال عام 2018، تعاملت تغطيات كثيرة مع الواقعة على اعتبار أنها «ادعاء» أو خبر ثانوي، رغم أن اغتيالاً سياسياً بهذا المستوى لو وقع في دولة حليفة لواشنطن لتصدر المشهد أسابيع. ثم جاءت في عام 2019 تجربة «الرئيس البديل» مع خوان غوايدو – وتكررت في عام 2024 مع إيدموندو غونزاليس – فصار الاعتراف الخارجي أداة لإنتاج واقع سياسي قبل أي تصويت. وقد تعامل الإعلام الغربي مع الإعلان كأمر واقع، وتجاهل نصوص الدستور وآليات انتقال السلطة، ثم وصف أي مقاومة مؤسساتية من كاراكاس بأنها «اغتصاب للسلطة». وعندما تراجع الزخم، قُدمت الأزمة كفشل فنزويلي داخلي، وليس كمأزق مقاربة مفروضة من الخارج. ومن ثم تكرَّس معيار مزدوج: ما يُعد انقلابًا في بلد آخر يصير «تصحيحًا ديمقراطيًا» في فنزويلا إذا خدم مصالح واشنطن.

ومحاولة التوغّل المسلح في 2020 عبر عملية «جدعون» كشفت جانباً آخر: حين تفشل العمليات تُدفن سريعاً. إذ قُدمت الواقعة في منصات عديدة كمغامرة لمغامرين، مع أن عناصرها تضمّنت متعاقدين أمريكيين وشبكات تمويل وتنسيقًا مع معارضة مسلًحة. والمنطق نفسه يطبع ملف العقوبات، إذ تُعرض كأداة «ضغط على الحكومة»، بينما آثارها على التمويل والاستيراد والدواء تُصنف «أضراراً جانبية» أو تُنكر. وحتى مصادرة الأصول النفطية في الخارج أو عرقلة المدفوعات تُصاغ باعتبارها قضايا قانونية تقنية، وليس كجزء من حصار اقتصادي شامل. وعندما تتفادى الدولة سيناريو الانهيار يُعاد توصيف الأمر باعتباره «تلاعبًا» لا كقدرة على الصمود وإدارة التكيف، وهنا تحديداً يتجلّى الدور الوظيفي للإعلام في المعركة: تصوير الحكومة باعتبارها «فاشلة» ثم تسويق سردية تتهمها بتجارة المخدرات وسرقة عوائد النفط، ثم تبرير تطبيق أدوات عقابية تجعل المجتمع كلّه يدفع الثمن، ومن ثم تقديم المعاناة المتولَّدة عن الحصار لاحقاً كبرهان جديد على «فشل» الحكومة لا كأثر مباشر للحصار.

وخلال السنوات الأخيرة صار الفضاء الرقمي ساحة مركزية للحرب. منصات كبرى تخفِّض الوصول، وتعلّق الحسابات، وتضع وسوماً جاهزة تحت عنوان «مكافحة التضليل»، بينما تنتشر شبكات ممولة تروّج روايات واحدة عن «الدولة الفاشلة» والحكومة التي «تتاجر بالمخدرات» وتعيد تدوير مصادر متطابقة. وبالمقابل، يصبح أي بيان رسمي «دعاية» حتى قبل فحصه. كما تُستعمل أدوات اقتصاد الإعلام نفسه: تضييق على قنوات، وضغط على مزودي الأقمار الصناعية، وحجب معاملات مالية تمس قدرة المؤسسات الإعلامية على الاستمرار. والنتيجة أن المجال العام يصير غير متكافئ. وأُضيف إلى ذلك اقتصاد المحتوى: مؤثرون ومجموعات إعلانية وسياسية تدفع باتجاه قصة واحدة وتغلق باب النقاش الجاد.

ومع التصعيد العسكري الأمريكي الأخير وما رافقه من روايات متضاربة حول اختطاف مادورو، عادت قواعد عام 2002 ولكن بأدوات أحدث. واشنطن قدمت العملية، وفق تصريحاتها، كتنفيذ «عدالة» في ملف مخدرات وإرهاب، بينما وصفتها كاراكاس بأنها عدوان وانتهاك للسيادة ولقواعد ميثاق الأمم المتحدة. الإعلام الغربي مال إلى مفردات من نوع «اعتقال» و«نقل للمحاكمة»، وتجنب وصف الحدث كعمل عسكري عبر الحدود. وجرى في الوقت ذاته استغلال أي فراغ معلوماتي لتغذية شائعات عن انقسام القوات المسلحة أو انهيار الدولة، ثم تُبنى على الشائعة تحليلات واستنتاجات كأنها حقائق. وهذا الأسلوب يخلق ضغطاً نفسياً وسياسياً يمهّد لتفكك داخلي ولمزيد من التصعيد. ومن ثم صار «الصمت» جزءاً من المعركة: تجاهل الضحايا المدنيين، وتقديم أي دعوة للتحقيق الدولي كأنها مناورة سياسية.

وهنا تتضح وظيفة الإعلام الغربي وسرديّته: تحويل مسألة سيادة إلى قضية جنائية، وتحويل خصم سياسي إلى «مجرم» خارج حلبة السياسة. وهذا الإطار يسمح بتوسيع العقوبات والحصار البحري وتقييد حركة النفط على اعتبار أنه «تنفيذ للقانون» وليس سياسة قوة. وكذلك يُستخدم لإعادة تشكيل الرأي العام العالمي ضد أي تضامن مع فنزويلا عبر ربطه بالمخدرات أو «الإرهاب» أو «النفوذ الروسي والصيني»، وكأن العلاقات الدولية خارج فلك واشنطن بمثابة جريمة. وفي الداخل تستهدف الحرب الإعلامية الروح المعنوية عبر زوبعة من شائعات عن خيانات وانشقاقات لا يوجد دليل واحد عليها.

الخلاصة أن الجبهة الإعلامية ليست ملحقاً للحرب، وإنما هي شرطها التمهيدي ومسارها الموازي. فمنذ انقلاب 2002 إلى «الرئيس البديل» إلى سرديات العقوبات وصولاً إلى التصعيد العسكري، تعمل الآلة الإعلامية على هدف ثابت: نزع الشرعية عن مشروع بوليفاري يربط الديمقراطية بالسيادة والعدالة الاجتماعية، ثم إقناع العالم بأن التدخل هو «الحل». إن مواجهة ذلك لا تعني إنكار الأزمات الداخلية أو أخطاء الإدارة، وإنما إعادة وضعها في سياقها الكامل: تضييق مالي، وحصار تجاري، وتهديد عسكري، وعمليات سرية وتلاعب مستمر بالمعلومات. ولهذا تبدو مهمة كسر الرواية الغربية عن فنزويلا خطوة دفاعية أساسية. وعليه، سوف نخصص المقال التالي ضمن هذه السلسلة لتقديم لمحة موجزة عن الديمقراطية والحياة السياسية في فنزويلا، وسيخوض المقال الذي يتلوه في موضوع الاقتصاد الفنزويلي والنفط والحصار والعقوبات.

مقالات ذات صلة

  • ثورة من القاعدة: كوميونات فنزويلا والمقاومة الشعبية

    تجربة الكوميونات في فنزويلا هي أحد مفاتيح فهم قدرة المجتمع على الصمود حين تُستهدف الدولة بحصار اقتصادي وعدوان سياسي وإعلامي.…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 02 02 at 11.40.40
  • دولة الرفاه التشافيزية تحت الحصار: الاقتصاد في فنزويلا

    لم يكن الاقتصاد الفنزويلي منذ عام 1999 ملفًّا منفصلاً عن السياسة، وإنما صراعًا على من يقرّر مصير الريع النفطي: المجتمع…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 01 30 at 14.33.16
  • الديمقراطية والحياة السياسية في فنزويلا

    دخلت فنزويلا نهاية القرن العشرين وهي تملك انتخابات منتظمة، لكن بتمثيل اجتماعي محدود. إذ تركزت السلطة في أحزاب ونخب اقتصادية…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 01 27 at 15.01.17
  •                  النظام العالمي الجديد و عقيدة دونرو             

    افتتح رئيس الامبريالية الأمريكية السنة الجديدة بعمليّة عَنجُهية خاطفة ضدّ دولة فنزويلا من خلال اختطاف هوليوديّ للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو…

    افتتاحيّة

    WhatsApp Image 2026 01 07 at 17.49.20