المشيشي و سعيّد: وجهان لطبقيّة العمل السياسي

10/08/2025
Capture d’écran du 2025 08 10 17 44 30

قيس سعيد ضائع في التضاريس الوعرة للواقع التونسي الذي لا منطق فيه. يبدو أنه لم يدرك بعد أن النزاهة الشخصية ونظافة اليد- على ما في ذلك من نسبية، لأنّنا لم نعرف للرجل مواقف ضد نظام بن علي ولا بلغنا أنه مرة عبّر عن حتّى مجرد امتعاض من فساده- لا تكفيان لمنحه القدرة على تقويم الحال المعوج. كما لا يبدو أنه أدرك أن الموقع الذي يقف عنده، موقع ” رأس الدولة” رغم ما منحة لنفسه من صلاحيات، لا يمنحه هامشا للحركة أبعد مما هو مسطّر لجهاز الدولة القيام به، وبينما يعتقد قيس سعيد أنه يسخّر ” أجهزة الدولة” لتنفيذ رؤاه التي يعتقد أنها كفيلة بإصلاح الواقع التونسي، فإن الأمر الأقرب للحقيقة، هو أن القوى الفاعلة في أجهزة الدولة، هي التي تسخّر قيس سعيد لتنفيذ ما يكفل حماية مصالحها، باستغلال طوباوية الرجل والصورة التي ترتسم في الأذهان عنه كرجل نظيف يلقى القبول التام، ويتحمّس الناس لكلامه، وتصوّره الغريب لنفسه كمنقذ للبلد.

فتراه يلقي بالكلام الاحتجاجي هنا وهناك، كأنّه طرف في “معارضة” ليبيرالية، وليس على رأس السلطة. دون أن يتبعه بأيّ فعل للخلاص مما يحتجّ ضده، لأن ذلك هو المطلوب منه دون زيادة: الإيهام بوجود معركة ضد قوى الشر والفساد، لا منطق يسيرها ولا نهاية لها تبين في الأفق، في الوقت الذي بوسعنا أن نعثر فيه على قوى الشر والفساد الحقيقية في خلفية الصورة، تمثلها لوبيات البنوك وصناديق الإقراض وجورجيا ميلوني ومناورات الأفريكوم وقانون تجريم التطبيع المجمّد والعائلات الخمسة عشر النافذة، تتحكم في كافة خيوط المعركة، وترسم الحدود التي لا ينبغي لها أن تتخطاها.

***

يعدّ المشيشي أحد كبار الفاسدين في نهاية العشرية السابقة، وتسبب باستهتاره في مقتل 23 ألف تونسي بالكورونا، هذا الرجل طلع علينا أخيرا بخطاب “ثوري” ذرف فيه الدموع على تونس. وزعم فيه كشف العديد من الحقائق، بنفس الكيفية التي فعلها إعلام النوفمبريين مع سليم شيبوب، غداة حوار حقير قتل بن غربية نفسه ليجريه معه ذات سنة وهو فارّ في دبي، كشف خلاله عن المزيد من حقارته التي عاب على خصومه أنهم زاحموه في امتلاك شيء منها. بل ربما فاقوه نذالة وفسادا. المشيشي يهاجم “دكتاتورية” قيس سعيّد ويرى العلّة الكبرى في ما تعيشه تونس من هوان، هو استيلاءه على كافة السلطات. ويتباكى على ضياع مكاسب الثورة التي أهدرها حراك 25 جويلية هدرا شنيعا، والتي هي مثلما يتصورها ويحدّدها العقل البورجوازي الذي تنافست على تمثيله وخدمته كلا من حركة النهضة الانتهازية وقوى اليمين الحداثي الغارق في فساده وعمالته: لا تتعدى أمرا واحدا هو “التداول السلمي” على السلطة بين البورجوازيين، يتقاسمون فيه التنعّم بظلال السلطة وامتيازاتها. في إطار تداول ديمقراطي سلمي حضاري لا شية فيه، ولا تربح الأغلبية المغيبة منه شيئا. ذلك هو أفق الثورة وجوهر التغيير عندهم. وفي تقديرهم أن قيس سعيد بما قام به، قد أفسد عليهم عملية التّداول الفوقيّة تلك، واحتكر كل شيء لنفسه. وليست مشكلتهم معه أنه حافظ على المسارات الاقتصادية والاجتماعية سائرة في نفس الخطوط القديمة. وعجز عجزا كارثيا عن إخراج العجلة التونسية من الأوحال. فهم أكثر منه حرصا على الانصياع لقوانين الرأسمالية. ولا يهمهم أن يموت سواد التونسيين أو أن يعيشوا. المهم عند المشيشي وبقية الفاسدين، هو محافظتهم على الحق في المزاحمة على السلطة. ليس عيب قيس سعيد الجوهري من وراء استيلائه عليها، سوى أنه قام، وربما دون وعي منه، بضرب حالة الطبقية السياسية التي كانت سائدة في تونس منذ سنّي الخمسينيات. كانت ولا تزال خلالها الممارسة السياسية، حكرا وامتيازا على طبقة بعينها، يمثل فيها ” رجالات الدولة”، النخبة المنذورة لتحديد ما يصلح للبلاد. وتقرير مصيرها ماضيا وحاضرا ومستقبلا.

قال المشيشي، في حوار خاص مع “القدس العربي”: “في البداية، أنا أعتبر 25 تموز/ يوليو 2021 يوما أسود في تاريخ تونس. لأنّه أُسدل فيه السّتار على تجربة ومسار ديمقراطي كامل، كان – رغم هناته وعثراته وأخطائه – مصدر إلهام للمنطقة كلّها وللشّعوب التي تتوق إلى الارتقاء لدرجة المواطنة وتعتبر أنها أيضا، كبقية شعوب العالم الحرّ، لديها الحق في حياة سياسية كريمة وأن تتعامل مع منظوماتها السياسية ومع السلطة، كمواطنين كاملي الحقوق وليس كرعايا”.

لا ضرورة لمناقشة الهراء المتعلق بتحول البشر في ظل نظام الدولة وأجهزتها، من “رعايا” إلى “مواطنين كاملي الحقوق”، ولا للانزياح الماكر لمصدر الإلهام، ليصير بدلا من الحراك الاجتماعي الباحث عن أفق تحرري للبشر من قبضة الدولة، حراكا في إطار الدولة نفسها ووفقا لقوانينها. وسنحاول التركيز على نقطتين كثيرا ما يدرجهما أيتام 25 جويلية في طيّات احتجاجاتهم؛ الأولى هي “ذلك المسار، رغم هناته وعثراته وأخطائه”. والثانية تتمثل في أن التداول السلمي على السلطة بين القوى البورجوازية، هو الذي سيكفل “ارتقاء الشعوب لدرجة المواطنة ونيل الحياة الكريمة”.

هذه الأخطاء والهنات والعثرات، ليست في الحقيقة سوى العلامات البارزة والخصائص المميزة، لحراك تم السطو عليه على تلك الشاكلة. مسار التحول الديمقراطي كان مثل الحيوان الذي يخلف الروث وراءه أينما سار. وترجم فسادا وعبثا بالمصائر بأتم معنى الكلمة، وانصياعا للشروط التي فرضها نظام السوق على الراغبين في ولوج حلقات السلطة. ولم يكن مجرد هفوات حتمت الوقوع فيها التّعقيدات التي طفحت بها الملفات المطروحة للحل. لأنه ما من أحد ممن تسلموا زمام السلطة بعد الثورة كان يشغلهم شيئا من رهاناتها الحقيقية، جاءوا قفزا عليها، وكل ما كان يهمهم، هو التقيد ” بآليات العمل السياسي” التي كان جوهرها الاحتيال والتّلاعب وخدمة دوائر النفوذ والتوافقات بين مختلف الفصائل السياسية المنفصلة عن البشر وهمومهم، على تقاسم لحمة السلطة السمينة. لكن في أثناء ذلك، كان لابد من حصول خلافات حول نصيب كل فريق.. طبقا لمستويات الجشع المتمكّنة منهم. أو أن يبدل أحد الفرق وجهة تحالفاته، فيغضب حليفه القديم. وتتم التسويات والترضيات ويعاد رسم خطوط التحالفات. هذه كان الرحى التي دارت حولها الخلافات القديمة، واعتبروها زورا وبهتانا دليلا على حيوية الفعل السياسي. لكن لم يكن بينهم من اعتبر يوما، عنوانا على تلك الحيوية، أو محط الخلاف، ولا كان الهم الشاغل، أو المتسبب الأساسي في حصول هنات أو أخطاء أو عثرات، أو التشكّي من صعوبات، هو سعي منهم لمقاومة التصحّر أو ندرة الماء أو تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء، أو ايجاد حل جذري لمقاومة انتشار سرطان التعليم الخاص( الكثيرون ممن كانوا في مواقع السلطة كانو يملكون مؤسسات تعليمية خاصة) أو البحث عن حل لمعضلة الفقر الغريبة في بلد فسيح المساحة ولا يشكو من أي اكتظاظ سكاني. أو إنجاز مشروع لمد خطوط السكك الحديدية نحو مناطق الظل لتوفير أسباب التعاون البيني الداخلي. أو إنقاذ صحّة البشر ببناء مستشفيات جديدة بتجهيزات حديثة في الجهات المحرومة. لا شيء من هذه الأمور كان مهمّا لدى فرقاء ما قبل 25 جويلية أو معتداّ به. ولا أحد من الأطراف التي تشارك المشيشي “نواحه” على المكاسب ” الديمقراطية” الضائعة، بوسعه أن يسجل في تاريخه أنه “ناضل” في سبيل إنجاز شيء من هذه المهام. وتلك هي طبيعة العقل والإدارة البورجوازيين: وُجد ليحكم.. السلطة هي هاجسه الأوحد. ويقاس نجاحه السياسي بمقدار نجاحه في الحفاظ على دوائر نفوذه.

النقطة الثانية تتعلق بالمفاخرة بأن الثورة حولت الناس من “رعايا” لمواطنين.. ما الفرق الذي سيحصل عند تحول البشر من منزلة “رعايا” الى منزلة “مواطنين”؟ هل هي “علمنة” لوضعية الإنسان؟ بعد أن كان تابعا لسلطة قوى السماء، تم تحويل وجهته، وغدا تابعا لسلطة قوى الأرض؟ لكنه ظل تابعا في الحالتين، ومنصاعا لما يملى عليه من شروط وقواعد..

كيف نفهم معنى هذه ” العلمنة”؟ بوسعنا التوسع وطرح السؤال: ما هي “العلمانية”؟

بتعبيرات بسيطة، هي ما يقال أنه فصل للدّين عن الدولة وإبعاد له عن ساحات التشريع لتستأثر به الدّولة وحدها.. جوهر هذه المعركة هو قيام الدولة بافتكاك صلاحيات رب السماء وإنزال الرب من السماء الى الأرض. الدولة صارت هي الرب في الحالة هذه .

ما هي الدولة؟ هل وجودها في صالح البشر أم هو كليا معادي لهم؟ الدولة هي جهاز أو جملة من الأجهزة المسيطرة راعية لجملة من المصالح الطبقية.. طابعها وطبيعتها طبقيين دون نقاش. لم يحصل في التاريخ أن قامت دولة الشعب أو دولة من أجل الشعب.. هي دون لبس “دولة البورجوازية”، المنفصلة عن واقع أغلبية البشر وهمومهم، وبالتالي فلا أهمية عندنا لمسألة فصل الدين عن الدولة، أو إبعاد الدين عن ساحة التشريع، طالما خلاصة الأمر هي في تنازع رؤيتين للسيطرة على البشر : إحداهما تدّعي تمثيل وجهة نظر السماء، والثانية تدّعي تمثيل وجهة نظر الطبقة المسيطرة على كل شيء على الأرض. جوهر وجود الدولة التي تخلصت من غريمها السماوي هو “السيطرة” وضبط البشر، لا توفير السعادة لهم أو مساعدتهم على الحصول عليها.

يقوم وجود الدولة على جملة من الأساطير الخداعة.. “المواطنة” التي تعني حشر الجميع بمختلف تناقضاتهم الطبقية في زريبة واحدة وتقييدهم لاشتراطاتها بقيد ثقيل يسمى “عقد المواطنة” التي تعني أساسا وقبل كل حديث عن أي حقوق للبشر: الانصياع لقوانينها، التي هي أصلا القوانين التي سطرتها الطبقة المسيطرة والتي سُنّت لخدمة مصلحتها. إذن أسطورة “المواطنة”، هي وضع التمويه الأمثل على كافة صور التفاوت الاجتماعي بادّعاء أنهم متساوون أمام القانون.. القانون هذا يقنن صور التفاوت تلك ويحميها.. لكن من المستحيل أن يكون مدخلا لإنهاءها أو التخفيف منها، لأنّه بقيامه بذلك يفقد ركيزة وجوده وأساس رهانه.

من منظور دولاني أصيل، بشرية تعيش في الحضيض، وبالكاد تجد ما تسد به الرمق، هي بشرية متساوية أمام القانون وفي المواطنة، مع بشرية تعيش في الرفاه البادخ.. من منظور المشيشي وأمثاله، كل وعود الدولة هي حشر أولاد الهامش المتعطلين، أو يعيشون مما قد يعثرون عليه من عمل يومي، بأجرة لا تزيد عن 10-15د. وكل تفكيرهم مُنصَبّ على فرصة قد تسنح لهم ليحرقوا خارج البلاد، في عنقود مواطني واحد مع أحفاد اللص الكبير مصطفى بن اسماعيل وورثائه. وكل ما تعد به الدولة في هذه الحال، هو “الوعد بالعمل على تحسين وضع الفئات الفقيرة” دون المساس بأسس ثراء تلك العائلات الفاسدة، ولا علاقة لها بإنهاء صارم للتفاوت في مقومات الحياة بين البشر. لأن ذلك الوعد بالتحسين هو الوضع الأمثل للبورجوازية المسيطرة. لتبقي الفقراء قيد أمل كاذب في الحصول على وضع حياتي أفضل، ينتظرونه دائما ممن كانوا السبب الأساسي في تمرغهم في حمأة وضع اجتماعي بائس.

كل ما تعد به الدولة الناس، هو تحسين شروط بؤسهم، وليس إنهاءه.. وكل عمل من قبلهم لرفع سقف التحرر، ستواجهه بأجهزتها القمعية. الدولة هي العدو الألدّ لكافة تطلعات التحرّر بأيّ من معانيه.. ومنذ استعادت أجهزة الدولة قواها، وعلى رأسها قوتها البوليسية، بعد الضربات المدمية التي تلقتها من الطلائع الثورية بعد 17 ديسمبر، وقبل الانسحاب الغريب لهذه القوى وانصياعها للترتيبات الدولانية التي تلت اعتصام القصبة 2، أضاعت الثورة أغلى مكسب كانت تسعى خلفه: ضرب طبقية العمل السياسي. وتصيير السياسة فعلا يوميا مبدعا، ومشاركة موسعة في تقرير المصير الجماعي. عودة ذلك الاحتكار حكم على العقل التونسي بالبقاء في عطالة أبدية. لا معنى للانصياع لقوانين الدولة أو التصويت لدساتيرها أو ولوج زرائبها المسماة روابط المواطنة إلا على أنه عنوان التخلي النهائي للبشر عن أفق تحررهم الأكيد: إخضاع الإرادات الفردية لإكراهات الأجهزة الدولانية، لشلّها عن التفكير والابداع، أو في أفضل الحالات، تجيير نشاطها لمصلحة البورجوازية. وتأكيد استدامة تسلطها السياسي والاقتصادي والثقافي

كلام المشيشي عبر عن هواجس الجماعة التي نسف قيس سعيد واجهتها السياسية. لكن خيوطها وارتباطاتها المالية لا تزال جذورها ترمي بعيدا في تربة الفساد المتأصل تاريخيا في تونس. المواطنة ليست غير التعبير المخاتل عن وضع الرعية الطيعة المنقادة.. باعتماد اسم حداثي أكثر بريقا.

مقالات ذات صلة

  • حتى لا يسقُط البلد بعد الجدار…

    اهتزّت تونس في الأيام الأخيرة لوفاة التلاميذ الثلاثة إثر سقوط جدار معهدهم المتصدّع بالمزوّنة. رحم الله عبد القادر الذهبي وحمودة…

    بلا حياد

    Ghassen mazounna final
  • افتتاحية | ما بعد الانتخابات الرئاسية: تونس إلى أين؟

    انتهت إذن الانتخابات الرئاسية بنتائج لم تكن مفاجأة لأغلب المتابعين. إذ كانت حدثًا فاترًا غاب عنه التشويق والتنافس الساخن بحكم…

    افتتاحيّة

    blank