مزارع ومصانع وتنظيم شعبي

11/08/2025
Whatsapp image 2025 08 11 at 20.11.37

بيتر بروغل الأكبر - الحُصّاد (1565)

يقول إلياس مرقص في مكان ما (أظنه ينقد فيه نظرية سمير أمين حول التمركز الأوروبي) أن تحقق القفزة النوعية البرجوازية في أوروبا دون غيرها من أطراف الأرض كان مردُّهُ “استغراق الناس في صناعة وجودهم المادي”. (استغرق فعل مزيد من جذر غ-ر-ق، ويقال استغرق في العمل أي انشغف به واستغرق الفكرة أي استوعبها واستغرق الغاية أي تجاوزها).

فبعد قرون الانحطاط والشقاق والأوبئة التي أصابت سكان القارة الأوروبية، طفق القوم مسحا بالفلاحة والملاحة يستخرجون منها وسائط وجودهم. وخلال هذا الجهد الحثيث في سبيل إنتاج الوجود، تشعّبت العلاقات الاجتماعية فطوّرت معها المعارف التقنية – ونعني بالتقنية هنا مجموع ما يستعمله الإنسان في تحقيق أغراضه من عناصر مادية كالأدوات والآلات وعناصر فكرية من نظريات ومذاهب وأيديولوجيات. فكانت أفكار النهضة والتنوير تأليفا جامعا لما سبقها من قرون تَحرّك فيها التاريخ ماديا حينما انكبّ الناس على إنتاج وجودهم. هذا التأليف لم يكتفِ بالحدود الطبيعية التي وُجِدَ فيها من قاموا به – أي القارة الأوروبية والأوروبيون – بل إنه استقى معارفه من مشارب ما أبدعه البشر في أصقاع الأرض. فالبارود والبوصلة أو علوم الجبر والبصريات (والقائمة تطول) لم تكن من مُحصّلات إنتاج الأوروبيون لأنفسهم داخل فقاعات مغلقة بل من خلال “طلبهم للعلم ولو في الصين”.

وبالمناسبة، يتشابه السياق الأوروبي مع سياق القفزة التي قامت بها الصين. لكن ما كان مستحدثا في مسار التحديث الذي اتخذه الصينيون هي تلك السرعة – النسبية مقارنة بالنهضة الأوروبية – التي قفزت بها الصين من دولة زراعية/ريفية “نصف-إقطاعية نصف-مستعمرة” إلى ثاني أقوى اقتصاد عالمي ينافس الأقطاب التي حكمت الكوكب لما يفوق من القرون ثلاثا فصارت الأخيرة تحسب ألف حساب للتنين الشرقي بعد أن كانت في قرنين مَضَيا تستبيحه بالأفيون والقنابل دافعة به في غياهب “قرن الإذلال”. سرعة التحديث الصيني كانت مدفوعة بنظرة واقعية – أي عقلانية بالمعنى الهيجلي – للتقدّم لم تنفِ ما طوّرته البشرية جمعاء نفيا رَفْضَوِيًّا-طفوليا متعاليا على التاريخ، بل بَنَتْ عليه بما يلائم احتياجاتها المحدَّدَة تاريخيا وبالأخص اجتماعيا.

يمكن تلخيص الطابع العقلاني/الواقعي لمسار التحديث الصيني على لسان قائده، ماو زيدونغ، الذي أعلن بكل ثقة ثورية: “يجب علينا استيعاب كل ما هو مفيد لنا اليوم، ليس فقط من الثقافات الاشتراكية والديمقراطية الجديدة في العصر الحاضر، ولكن أيضًا من الثقافات السابقة للأمم الأخرى، على سبيل المثال، من ثقافة الدول الرأسمالية المختلفة في عصر التنوير” قبل أن يضيف مستطردا برصانة وتصميم: “ومع ذلك، لا ينبغي لنا أن نبتلع أيًا من هذه المواد الأجنبية دون تمحيص، بل يجب أن نتعامل معها كما نتعامل مع طعامنا — أولاً نمضغه، ثم نمرره إلى عمل المعدة والأمعاء مع عصاراتها وإفرازاتها، ونفصله إلى عناصر مغذية يتم امتصاصها وفضلات يتم التخلص منها — قبل أن تتمكن من تغذيتنا”.

يقدم ياسين الحافظ في رائعته حول “الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة (1979)” مقارنة بين إمكانيات جمهورية مصر العربية والكيان الصهيوني خلال حرب 1967. لم تقتصر المقارنة على القدرات العسكرية فحسب بل شملت أيضا المعطيات الاقتصادية للطرفين (اليد العاملة، سياسات التصنيع، الناتج القومي الخام…)، فخلص إلى تساوي الإمكانيات مما دفعه إلى التساؤل حول أسباب الهزيمة ما دامت العناصر “المادية” متكافئة. لا يقلل الحافظ من دور الإمبريالية في إسناد الصهاينة ولكنه ينتفض على اختزال كل مآسي العرب في الاستعمار والإمبريالية. يأتي نقده لهذا الاختزال من منطلق اقتناعه الشديد بأن تاريخ البشر تاريخ صراع وأنه مادامت علاقات الاستغلال قائمة بين الطبقات وممتدة على صعيد المجتمعات والأمم فإن الاستعمار شكل منطقي للصراع في بعده الأوسع. وما يبقى في ظل هذا القانون التاريخي أمام شخص أو مجموعة أو شعب سوى خوض الصراع. ومن هنا يحلل الحافظ الهزيمة على المستويات التالية:
أوّلا، إمكانية حدوث الاستعمار والاعتداء الإمبريالي محكومة بقابلية الاستعمار لدى الطرف المستَعمَر وذلك بفعل ضعف الأخير وهوانه الناتجة عن تخلفه المادي والمعرفي من جهة وارتباط مصالح القوى المحلية المُتحكِّمة فيه بما ترميه الإمبريالية من فتات من جهة أخرى. يحيلنا هذا المستوى من التحليل على أن الصراع الطبقي “المحلي” ليس إلا امتدادا للصراع الطبقي على الصعيد العالمي بما أن تراكم رأس المال نفسه يأخذ هذا الشكل ويتبع هذا المسار العابر للـ”محليّات”. وبما أن بنية النظام العالمي القائمة على توسع رأس المال إمبرياليا شديدة الترابط، فإن إنتاج أصغر فلّاح وأبسط حِرَفيّة لوجودهما المادي وثيقُ الصلة بالبورصات العالمية والمسالك التجارية والحروب الإقليمية. وما دامت ((عملية)) الإنتاج المادي للوجود لا تتمركز حول ((غاية)) الإنتاج المادي للوجود فإن الجرح الذي ينزف منه المُنتَج المادي للوجود سيظل مفتوحا، حاكما على منتجيه بالتخلف الذي يعزز بالتالي قابليتهم للاستعمار. وما أفرغ من تلك الحلقة !

ثانيا، فسّر الحافظ “تلكّؤ” عبد الناصر في دخول حرب 1967 – ووافقه في ذلك بالمناسبة – بضعف القدرات “الثقافية” في التعامل مع التقنيات الحربية الحديثة لدى الجانب المصري. فالسلاح السوفييتي متطور وفعال لكنه لا يفيد بشيء مادام من يحمله غير قادر على فهم طريقة اشتغاله واستيعاب نقائصه إن لم نقل القدرة على صناعته أصلا. وهنا يمسّ ياسين الحافظ نقاشا فكريا وسياسيا هزّ المفكّرين العرب خلال النصف الثاني من القرن العشرين، أي تزامنا مع الحروب العربية-الصهيونية، والذي يُعْنى بواقع نقل التكنولوجيا من المراكز التي تُصنِّعها إلى الأطراف التي لا تساهم بشكل كافٍ في تصنيعها فتكتفي باستعمالها، بل قل استهلاكها (استهلك فعل مزيد من جذر هـ-ل-ك). وهو نقاش يعيدنا إلى المقولة المنسوبة إلى ماو زيدونغ المذكورة في النص أعلاه.

إن الناظر إلى واقع المجتمع العربي يلاحظ استفحال قطاع الخدمات واعتماد التجارة – سواء البسيطة في الأسواق الشعبية وقارعات الطرق أو المُوسّعة بانتشار وكالات الشركات العالمية – كمصادر أساسية للدخل. فكأن النشاط الاقتصادي العربي لا يتعدّى الوساطة بين المنتجين والمستهلكين أي كونه نشاطُ “صبِّ الماء على الأيْدي”. هذا علاوة على عطالة اليد العاملة وبطالتها وتحوّل غايات الهجرة من دوافع الفضول وحرية التنقل والاستقرار إلى هدف وجودي. هكذا يستغرق القوم لا في الإنتاج المُبدع لوجودهم المادي، إنتاجا قابلا للتطوّر والتقدم، بل ينهمكون في محاولة الحفاظ على وجودهم المادي من الزوال والفناء، أي الغرق في إعادة الإنتاج أو قل المحافظة على النوع، على شاكلة ما تقوم به الكائنات الحية غير العاقلة (فكأنه سباق نحو الانقراض بين العرب ووحيد القرن).

تتجلى بالتالي مهمة وجودية يلقيها التاريخ على عاتق مجموعة بشرية تأبى الفناء تتمثل في الدفع نحو “الاستغراق في إنتاج الوجود المادي”. واجتماع البشر إنما هو تعاونهم على تحصيل معاشهم، حسب ما لاحظه علّامةٌ خَبِرَ جزءا من العالم العربي كان يصارع الزوال. ولا يتحقق المعاش من دون تحقيق الضروري الذي لا يتوافر (من الوَفْرة) دون صنائع، دائما حسب عبد الرحمان ابن خلدون. والضروري غذاء تنتجه السواعد في المزارع فتغذّي به بطون الصُّنّاع في المصانع، الذين يخصصون بدورهم جزءا من صنائعهم لتطوير وسائل تحقيق المعاش الحيوي – أي الغذاء – وتخفيف وطأة العمل على السواعد الفالحة. وما لم يحتكم إنتاج الوجود المادي إلى ما توفِّرُه الموارد المتاحة وإلى ما يحتاجه المجتمع، فما من مانع أمام تواصل نزيف منتجات إنتاج الوجود في عالم محكوم بتحوّل الثروة من قطب إلى آخر. وهنا نعود إلى أن اجتماع البشر لتحقيق معاشهم ليس مجرد اجتماع آليٍّ لذوات منتجة إنتاجا روبوتيا، مثلما تفترض ذلك النظرة المادية الميكانيكية، بل إنه خاضع للتفاعل الاجتماعي بين العناصر المنتِجة ذاتها وهذا التفاعل هو السياسة بمعناها العام الذي يحيل على تنظيم العلاقات الاجتماعية: أي التداول في تحديد الضروري من الكمالي وتقسيم العمل والأدوار الاجتماعية وتخطيط الإنتاج والاتفاق على القصد منه.

إذن، وبناء على ما سبق، فإن مهمة الدفع نحو “الاستغراق في إنتاج الوجود الاجتماعي” لمجموعة بشرية تخلّفَتْ فاستُعمِرَتْ ترتكز بالأساس على مؤسسات يمكن تكثيفها أساسا في:


مزارع ومصانع وتنظيم شعبي.

مقالات ذات صلة

  • فيديو | اعتصام “المعارضة النقابية”: فرصة “لإنقاذ الاتحاد” أم “تدميرٌ” له؟

    تقرير لإياد بن مبروك بمساهمة غسان بن خليفة يتواصل اعتصام "المعارضة النقابيّة" منذ يوم 25 جانفي الجاري في بطحاء محمد…

    الأخبار, عمّالية, هام

    اعتصام المعارضة النقابية
  • سبعة أيام من الاعتصام : ساحة موحلة… وقلوب معلّقة

    غربت الشمس سريعا وحلّ وقت حظر التجوّل، ومطمح القبلة التي حلم بها يوسف طوال العشية لا يزال بعيد المنال، بسبب…

    أدب وفنون

    WhatsApp Image 2026 04 07 at 21.16.34
  • لا يجب أن تقف آخر قلاع مقاومة أمريكا وحيدة

    إن المرحلة الجديدة من الإمبريالية التي تقودها مستوطنتا الشر الصهيو-أمريكية قد أماطت اللثام عن نتائج عقود من العمل الأيديولوجي والتوسعي…

    رأي

    WhatsApp Image 2026 03 30 at 15.26.35
  • سبعة أيام من الاعتصام: أوتاد في مهبّ الريح

    شرعت الرياح تعصف بشدة، فأطارت في الحال الأوتاد التي كانت تشد الخيام إلى الأرض، وقوّضت عن بكرة أبيها الأسس الهشّة…

    أدب وفنون

    Capture d’écran du 2026 03 26 18 37
  • حول أسطول الصمود.. اغتيال جديد للرمز والذاكرة

    تتميّز سياسات الدولة التونسية منذ عقود باغتيال الرمزيات ومحوِها، وطبعت بذلك سلوكاً لدى شريحة واسعة من الأفراد، لتُختَزَل في الممارسة…

    بلا حياد

    مقال حول اسطول الصمود