نقد العقلانية الرأسمالية ونقد بعض نقدها
تحاجج الفئات الاجتماعية المتحكمة في القرار السياسي والمنتفعة من مخرجاته بأن الوضع القائم محكوم بعقلانية جامعة تفرضها السوق والقوانين الاقتصادية ومكرهات الواقع بصفة عامة. ويظهر تهافت هذه الادّعاءات في كونها مجرّد تبريرات إيديولوجية تبتز العقول بالتحافها بلحاف الموضوعية والحيادية والصرامة العلمية وغيرها من الأغشية التي تحاول حجب المصالح المادية. ولعل ما يعقّد الأمور أكثر، ذلك الرفض المقابل والمعارض لهذه المقولات الذي يهاجم مفهوم العقلانية برمته. فيتحوّل النقاش في هذا المجال إلى تجاذبات جوهرانية متعالية على حركة التاريخ المادية.
فمن جهة، ترى الأطراف المحافظة على الوضع القائم في العقلانية الرأسمالية أعلى ما جادت به عقول البشر معلنة “نهاية التاريخ”. بينما تذهب العديد من الأطراف التي تظنّ أنّها ترفع لواء معارضة الوضع القائم، إلى القول بأن العقلانية الحديثة هي الداء الذي حلّ بالبشرية داعية إلى العودة بعجلة التاريخ إلى ماضٍ عذب بريء. كلتا النظرتين تسعيان إلى تأبيد التاريخ إما في حاضره أو ماضيه، متجاهلة حركة المجتمع التي ما انفكت تدفع به إلى الأمام بلا هوادة.
وتتناسى الأولى أن العقلانية التي أتى بها نمط الإنتاج الرأسمالي قد اختنقت بتناقضاته البنيوية. هذا علاوة على أن التطور التقني والفكري الذي يشهده المجتمع المعاصر، لم يعد ابن الطبقة البرجوازية وثوراتها، بل إن الشحنة البروليتارية تكاد تطغى بمجموع المكاسب التي حققتها الطبقات المنتجة بل والمحاولات الثورية التي مرّت بها إلى مستوى أرقى من العقلانية في التجارب الاشتراكية. أما الثانية، فهي تائهة في نوستالجيا غيبية تجعل من رفض الواقع، جراء العجز عن مواجهته وتغييره، آلية تأقلم تشي باكتئاب عدمي حاد.
رافقت العقلانية النوع البشري منذ أن اكتسب دماغه القدرة على التجريد والتحليل، أي اكتساب ملَكة العقل. فالعقلانية ليست بنت العصور الحديثة برأسماليتها وليبراليتها، بل هي محصّلة ما تنتجه عقول الناس في سياق تاريخي معين تتحدد فيه بفضلها – أي العقلانية الجمعية – درجة تطور قوى الإنتاج فتدفع بتغيير علاقاتهم الاجتماعية إلى مستوى أرقى يتلاءم مع مقتضيات العصر وأدواته.
وكلّما تقلّصت الروابط بين العقول عبر خنق قنوات التواصل بينها، وكلّما تم إقصاء جزء من هذه العقول من عملية اتخاذ القرارات التي تعنيها، وكلّما زاد فصلها عن شروط وجودها المادي سواء على مستوى الإنتاج أو إعادة الإنتاج، فإن الحصيلة النهائية لكل الطاقات المتاحة في المجتمع ستكون ناقصة عرجاء، من جهة، ولا تعبّر عن جميع ما باستطاعة المجتمع أن يجود به وينتفع منه، من جهة أخرى.
النقد الجوهراني للتحديث
تزامنا مع بناء الدول الحديثة في المستعمرات السابقة، تعالت العديد من الأصوات الناقدة لمفهوم التحديث كردّة فعل على استفحال الاعتداء على الإنسان والطبيعة بإسمه. ولئن كانت “مدرسة التبعية” من أهم التيارات الفكرية النقدية التي قدمت، ومازالت تقدم، نقدا بنيويا شاملا للنظام الرأسمالي العالمي ومقولاته الإيديولوجية المتعلقة بالتحديث، فإن تحليلاتها الاقتصادية-السياسية تبدو صعبة الفهم والتنزيل من لغة أكاديمية معقدة إلى عامّيّة سياسية في المتناول.
وفي مقابل ذلك، درج نوع من النقد للتحديث الرأسمالي يبني منطقه العام على رفض المشاريع التحديثية من أساسها وذلك بحجج ثقافوية ترى بأن أي شيء يأتي من الغرب (أيّا كان هذا “الغرب”) هو بالضرورة غير ملائم لثقافتنا وهويتنا (أيّا كانت هذه “الثقافة” أو تلك “الهوية”). وما انفك يحاول هذا النقد إخفاء منطقه الثقافوي بالتبشير ببعض الخطابات الإيديولوجية، التي يعزوها التماسك المنهجي وتغلب عليها السحنة الدرامية، من نوع “الديكولونيالية”.
لكن هذا النقد، وللأسف، لا يشتبك بجدية مع جوهر الكولونيالية في كونها إفرازا شرطيا لاستمرار نمط الإنتاج الرأسمالي وإعادة إنتاج نفسه، وذلك من خلال توسعه على الصعيد العالمي واستفحاله في كل أصقاع الأرض، بغاية تحقيق التراكم الأولي لرأس المال، وذلك بفصل المنتجين عن وسائل إنتاجهم وامتصاص فائض عملهم وما يترتب عن ذلك من إخضاعهم اقتصاديا وسياسيا وثقافيا.
بعبارات أخرى، ليس “البياض” أو “التَّأَوْرُب” (أو “النصرانية” بالنسبة للرفاق-الإخوة) أو غيرها من الخصائص الجوهرانية، هي التي دفعت بالاعتداء الاستعماري، بل هي الأسس البنيوية لنمط الإنتاج الرأسمالي1: التوسع من أجل المراكمة. وهكذا ظل هذا النقد قاصرا على تحديد أصل العلّة، عاجزا بالتالي على تجاوزها. بل ووقع بعضه في غياهب العدمية أو عاد، في حالات عديدة، القهقرى باقتراح مسارات رجعية من نوع “رفض الحداثة واعتناق التقاليد (reject modernity, embrace tradition)”.
وتنحدر من هذا النقد الجوهراني لسياسات التحديث بعض الأطروحات التي تناهض استغلال الموارد الطبيعية المنجمية برمتها، من خلال الدعوة إلى إبقائها في باطن الأرض (keep it in the ground) أو مواجهة التغيرات المناخية عبر تفجير خطوط الأنابيب (blow up a pipeline). لكن ما تتناساه الأولى هو أن العلاقة بين الإنسان والطبيعة قد كانت، منذ أن وُجِدَ النوع البشري، مرتكزة على الانتفاع من مواردها ذات القيمة الاستعمالية الضئيلة أو المعدومة، عبر تحويلها إلى مواد قابلة للاستهلاك. بينما تتغاضى الثانية – بسذاجة تصل حد التواطئ – عن واقع أن خطوط الأنابيب هذه موجودة في المناطق الطرفية لتراكم رأس المال، والتي يضطر عدد كبير منها إلى الاعتماد عليها، عند تصديرها، كمورد مالي، يكاد يكون الوحيد، يعوضها عن خسائر الحصار الاقتصادي الذي تتعرض له جراء مواقفها السياسية المناهضة للإمبريالية (ولنا في إيران وفينيزويلا بالنسبة للنفط وبوليفيا بالنسبة لمعدن الليثيوم خير أمثلة)2.
يكمن قصور هذا النقد الرفضوي في كونه يتعامل مع استغلال الموارد الطبيعية (الذي يسميه “استخراجوية” extractivism) والإنتاج بصفة عامة (أو ما ينعته بـ”الإنتاجوية” productivism)، على أنها مفاهيم متعالية على واقع العلاقات الاجتماعية. فيتفق هذا النقد مع المنهجية الليبرالية، التي تتعامل مع المفاهيم بمنطلقات معيارية، وتنظر إلى الأمور خارج سياقها التاريخي المحدّد اجتماعيا والموجَّه سياسيا.
يتغاضى هذا النوع من النقد عن كون أن المفاهيم الفكرية والسياسية والإيديولوجية خاضعة لشروط نمط الإنتاج التي تم استحداثها واستعمالها فيه، في الفترة التاريخية المحددة التي ساد فيها هذا النمط أو ذاك على المجتمع. ففي واقع الأمر، رافقت سياسات التحديث، وإن لم تكن تسمّى كذلك، جميع المجتمعات البشرية عبر التاريخ، باختلاف أنماط الإنتاج التي رزحت تحتها وأنظمة الحكم التي خضعت لها. فاستنباط أنظمة ري متقدمة في الإمبراطوريات النهرية القديمة (مصر، الصين، بلاد الرافدين…) كانت مندرجة في سياق مشاريع تحديثية. نفس الشيئ بالنسبة لتحديث الأنظمة القانونية منذ حمورابي والتنظيم العسكري منذ الإسكندر الأكبر وحملات تحسين التغذية ومقاومة الأوبئة وتعصير التعليم ومحو الأمية وغيرها… ولئن جادل البعض بأن هذه المشاريع التحديثية كانت سلطوية، أو هي مُضمرة لغاية في نفس الطبقات الحاكمة، لا من أجل سواد أعين الفئات المستَغَلّة، فإنهم لم يأتوا بجديد. هذا بصرف النظر أصلا عن واقع أن العديد من مشاريع التحديث كانت مدفوعة بضغط الجماهير، حين فرضت الطبقات المحكومة هي بدورها سلطتها على الطبقات الحاكمة من أجل اعتماد سياسات في صالحها.
ويتناسى هذا الصنف من النقد أيضا أن سيادة نمط الإنتاج هذا ليس إلا نتاج علاقات التحكّم داخل المجتمع وحصيلة موازين القوى الاجتماعية فيه. وعليه، يتم تطويع مسارات التحديث وغايات استغلال الموارد الطبيعية وثمار الإنتاج الاجتماعي برمته لصالح تأبيد التنظيم الاجتماعي القائم الذي يحافظ على مصالح الفئات المستفيدة منه على حساب الفئات المستغَلّة. ليس الصراع السياسي بين مختلف شرائح المجتمع صراعا صِفْرِيّ المجموع يُفني فيه الطرفُ المستغِل الطرف المستغَل. إذ أن المفارقة الجدلية، التي تتحقق دائما في خضم ما يدفع به الطرف الحاكم والمستفيد، تكمن في كون ارتباطه الشديد بالطرف الذي يتم استغلاله، ويتمظهر ذلك من خلال حرص الطرف الأول على ضمان وجود الطرف الثاني وإعادة إنتاجه، من أجل أن يستمر الاستغلال والاستفادة الناجمة عنه.
بالتالي، فإن الفرق بين الرفض الرجعي والتثوير التقدمي كامن في كون أن الأول يسعى إلى الهدم التام للأسس المادية التي وصل إليها تطوّر المجتمع البشري عبر التاريخ، بينما أن الثاني يرمي إلى تقويض علاقات تحتكم إلى موازين قوى اجتماعية مختلّة تعطّل هذا التطور نحو محطات أرقى.
وفي نهاية الأمر، أليس الدفع نحو القضاء على علاقات الإنتاج القائمة على استغلال البشر بعضهم بعضا من جهة، واستنزاف الموارد الطبيعية، من جهة أخرى، مشروعا تحديثيا هو أيضا، يسعى إلى تجاوز المشروع التحديثي العتيق، الذي أتى به نمط الإنتاج الرأسمالي وطبقته القائدة، والذي لم يعد ملائما للتطور التاريخي الحديث الذي طرأ على العلاقات بين البشر وعلى التقنيات التي استحدثوها؟
خلاصة هذا الحد من القول أن مفهوم التحديث والسياسات النابعة عنه لا يحملان خصائص جوهرية في ذاتها، تدفعنا إلى الحكم عليهه أخلاقيا إما بالشر المستطير أو الخير العميم.
في منطق اشتغال الدولة الرأسمالية ودورها السياسي–الاجتماعي
يلعب جهاز الدولة في النظام الرأسمالي دورا تحكيميا بين الطبقات المتصارعة داخل التشكيلة الاجتماعية التي ترزح تحتها. فالدولة هي حلبة للصراع الطبقي3 الذي يحاول كل طرف فيه أن يحصل على أكثر قدر من المصالح. ولكن، لهذا الصراع حدود إذا تم تجاوزها، فإن النظام نفسه سينهار ويصير المستفيدون منه خاسرين أيضا، هذا إن لم يفنوا أصلا.
ويظل النظام حاملا لصفته كنظام، جديرا بها، حينما توضع فيه ترتيبات سياسية مبنية على توازنات اجتماعية تجنبه الانهيار. ولا تستقيم هذه التوازنات إن لم تتحرك في بنية مترابطة ومتكاملة، يضمن فيها كل طرف شروط وجوده، وذلك في علاقة وطيدة بالطرف الآخر. بلغة أبسط، ليس للطبقات المستثمِرة أي معنى إن هي لم تستغلّ طبقات منتجة. كما أنه ليس للطبقات المنتجة وجود فعلي إن لم تتحصل، مقابل إنتاجها، على قوت يومها كي تبقى على قيد الحياة.
داخل النظام الرأسمالي المجرّد، لا يمكن للبرجوازية، عبر مِلكيّتها لوسائل الإنتاج، أن تحقق أرباحا وتُراكم رأس مالٍ دونما أن تستغل البروليتاريا في عملية الإنتاج من أجل خلق فائض القيمة، وإلا فإنها ستكون مضطرّة للقيام بذلك بنفسها – أي الإنتاج – ولن تكون بالتالي برجوازية، تلك المَلِكة في بيت وسائل الإنتاج. وفي الجهة المقابلة، لن تظل البروليتاريا طبقة مستغَلَّة حينما لا تعود مضطرّة لبيع قوة عملها من أجل ضمان استمرار وجودها الاجتماعي كبروليتاريا.
بالنتيجة، كلّما اشتد ضغط هذه الأخيرة على الأولى، وذلك من خلال افتكاك وسائل الإنتاج منها مثلا، فإن عمودا من أعمدة النظام الرأسمالي، أي الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج قد أصبح مهددا بالانهيار. وكلّما اشتدّ استغلال البرجوازية للبروليتاريا إلى درجة تهدد حياتها، وذلك من خلال الضغط على مقوّمات إعادة إنتاج نفسها، فإن عمودا آخر من أعمدة النظام الرأسمالي، أي العمل المأجور، يضحي آيلا للسقوط أيضا.
هنا تأتي وظيفة الدولة الرأسمالية المتمثلة في الحرص على استمرار النظام وذلك بالحفاظ على شروط اللعبة الرأسمالية واحترامها من قبل لاعبيها بالقدر الممكن. فيأتي بالتالي دور بيروقراطية الدولة، التي تستمد شرعيتها، وبالتالي تحافظ على وجودها، من خلال لعب دور اجتماعي وسياسي تحكيمي، يجعل منها حريصة كل الحرص على إخضاع طرفي الإنتاج الرأسمالي إلى توازنات سياسية، وذلك عبر قوانين اقتصادية تأخذ بعين الاعتبار شروط إعادة الإنتاج اجتماعيا.
وتُسْتَقى درجة هذه التوازنات من خلال الإطّلاع على موازين القوى داخل التشكيلة الاجتماعية في زمن محدد: فإذا كانت الخدمات الموجهة لإعادة إنتاج القوى المنتجة أكثر وفرة، فإن ذلك عائد إلى ضغط الفئات الاجتماعية المنتجة وقوتها السياسية. أما إذا استفحل قضم هذه الخدمات، فإن القوى المستثمِرة قد وجدت طريقها إلى السيطرة على الدولة والمجتمع.
1 للمزيد من التعمق في هذه النقطة يمكن الاطّلاع على:
سمير أمين. نحو نظرية للثقافة: نقد التمركز الأوروبي والتمركز الأوروبي المعكوس.
https://www.noor-book.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%B3%D9%85%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%85%D9%8A%D9%86-%D9%86%D8%AD%D9%88-%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D9%87-%D9%84%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%87-%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D8%B1%D9%83%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D8%B1%D9%83%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%83%D9%88%D8%B3-pdf
مهدي عامل (1973). أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية؟
2 انظر/ي:
Linera, Á. G. (2013, April 29). Once Again on So-called “Extractivism”—MR Online. https://mronline.org/2013/04/29/gl290413-html/
Ajl, M. (2023). Theories of Political Ecology: Monopoly Capital Against People and the Planet. Agrarian South: Journal of Political Economy: A Triannual Journal of Agrarian South Network and CARES, 12(1), 12–50. https://doi.org/10.1177/22779760221145232
3 Poulantzas, N. (1978). State, power, socialism (New edition). Verso Books.


