مالعمل: في وجه الِردّة والعدوان

13/11/2025
WhatsApp Image 2025 11 13 at 12.44.55

صورة بالذكاء الاصطناعي


حين سقط العراق في 2003، تلقّت الجماهير العربية صفعة قاسية، وانتظرنا بعدها خمس سنوات كاملة لنرى انتفاضة الحوض المنجمي في تونس التي تزامنت مع العدوان الصهيوني الغاشم على غزة في ديسمبر 2008.. وحينها صدحت الجماهير بذلك الشعار التاريخي والجدلي “من الرديّف حتى لغزة.. القضية لا تتجزأ”.

وفي شتاء 2010 اجتاحت الانتفاضات، في موجة غير مسبوقة، عدداً من الأقطار العربية لتغيّر المشهد في الوطن العربي، بل ولتخلط الأوراق إقليمياً ودوليًا.

عمّ الإحباط الجمعي بعد إجهاض الإمبريالية وعملائها كل محاولات التغيير، سواء بالأسلوب الناعم في تونس، أو بالتدخل العسكري المباشر في سوريا وليبيا. ولم نرَ أملاً ينمو من جديد كالذي رأيناه بعد عملية السابع من أكتوبر في غزة.

هذه المقدمة البسيطة ليست مجرد تذكير بتاريخ قريب، بل هي ملامح قراءة لحالة العدوى الجماهيرية وحركتها العفوية. هي ليست مجرد حالة عاطفية هلامية، بل معطى مادي ملموس: الجماهير تستفزها الانتصارات الجزئية، وربما حتى الآنية، وتشحنها، وتكسرها الهزيمة وتُفقدها حيويتها وجرأتها.

الآن ومع ما يحصل وحصل في غزة، من تراجع للزخم الثوري نتيجة الإبادة الحاصلة، رغم بطولية المقاومة الغزاوية ومسنِديها، يسعى العدو الإمبريالي، الأمريكي خاصة، وحليفه الصهيوني، إلى الإجهاز على كل الممكنات التي أقلقت سكينته طيلة العامين الماضيين. فالمقاومة في جنوب لبنان تقع بين فكّي العدو والعمالة الداخلية، التي تضيّق الخناق على استعادة البعض من جهوزيتها التنظيمية والعسكرية، والمقاومة في اليمن العزيز تتأهب لضربات أمريكية وخليجية رجعية مرة أخرى، وسوريا تدخل بيت الطاعة الأمريكية من أكثر الأبواب إذلالاً، والسودان المُنهَك يتلقى الضربات الإماراتية الصهيونية الساعية إلى مزيد تخريبه، ومصر السيسي تواصل إهانة تاريخها وشعبها وخذلان كافة الأمة، مستفيدة من البروباغندا الرائجة ومن التحولات الأخيرة في سوريا المحذّرة من عودة الإخوان إلى سدّة الحكم، لتبقى الطغمة العسكرية الحاكمة منفردة بمُلكها لأن “لا بديل للسيسي وجماعته إلا مخرّبي الأوطان”.

وفي تونس، لا تدعو الأمور إلى التفاؤل، إلا عن طريق المقارنات المتحذلقة ببقية الأقطار المدمّرة. إذ تستمر السلطة السياسية القائمة في تسويق وهم حرب التحرير ضد الفاسدين والمحتكرين، وفي إسداء الوعود بالبناء والتشييد. وبعد أكثر من أربع سنوات من 25 جويلية، بداية هذا المسار الهلامي، ما زلنا نسمع الجعجعة ولا نرى الطحين.
ومع السلطة السياسية الحاكمة المُفعمة بالحسّ المؤامراتي والشعاراتي في آن واحد، وفي تناقض معها في بعض اللحظات، ما زالت أجهزة الدولة، أو ما يُسمى بالدولة العميقة، تعمل بكدّ من أجل إعادة بسط نفوذها وإسداء خدماتها دوليا لصالح الولايات المتحدة وفرنسا وغيرهما، أو إقليمياً،  لصالح الإمارات أو لصالح قطر أو غيرهما من بيادق الإمبريالية.

هذه الماكينة الاستغلالية التي لا تتوقف عن الدوران، أو هذا “الباكمان” الذي لا يشبع من اصطياد فرائسه العربية والجنوبية عامة، يسعى بالتأكيد، منتشياً بما حققه في الحرب الأخيرة، إلى كسر شوكة المقاومة أينما كانت، وكيفما كانت، سواء مسلحة منظمة أو مدنية شعبية، ليعزز الفوارق بين المتصارعين، وليسترجع وينشر حقنة “نهاية التاريخ” بشكل أكثر وضوحاً وبشاعة.

في نص سابق للرفيق غسان بن خليفة، نُشر على موقع انحياز بتاريخ 5 نوفمبر 2025 تحت عنوان من أجل غزة والسودان وكل الأوطان: «كتلة تاريخية ضد الطغيان»، ورغم اتفاقي الإجمالي مع الجزء الأول من النص، استوقفتني بعض الأمور في جزئه الثاني، والمتعلق بـ”الحوار الجاد والصريح” داخل وبين مختلف التيارات السياسية الكبرى المتوافقة سلفاً على بعض المبادئ العامة التي طرحها لاحقاً، وهي جديرة بالتفكير وبتعميق النقاش حولها.

أولاً، وفي علاقة بالمبادئ التي طرحها: هي ليست محل اتفاق بالأساس، وربما الآن أكثر من أي وقت مضى. خاصة بعد تصفية الخط الجذري في المقاومة الإسلامية في العدوان الأخير (والمتمثل في السنوار والضيف والعاروري وغيرهم…) وبقاء خط آخر أكثر صلابة داخل ديناميكية الإسلاميين في الوقت الحالي متمثلاً في خالد مشعل وموسى أبو مرزوق وغيرهم، والمرتبطين بالموقف القطري أكثر من أي موقف آخر. أي أن الخط الأول مثّل استثناءً لرؤية الإسلاميين في الفترة المنقضية وخلق شرخاً وتناقضاً يبدو أنه بصدد الخفوت. فإذا كانت هذه وضعية التيار الإسلامي الفلسطيني، فكيف ستكون وضعية الإسلاميين في بقية الأقطار الساعية إلى إعادة تموقعها والمستعدة للإيغال في المهادنة حسب الظرف؟

هذه المهادنة مرتبطة أساساً بالنقطة الثانية التي طرحها الرفيق بن خليفة، وهي الإقرار بالحد الأدنى الاقتصادي والاجتماعي لصالح الطبقات الشعبية. إذ لا بد لحليف كالذي نبحث عنه أن يعي ارتباط الاستعمار بسياسات النهب الرأسمالي، وأن يُقر بأن العدالة الاجتماعية أَفضل الأسس لبناء جبهة داخلية تصمد في وجه العدوان والتوحش الليبرالي وعولمة السوق.

أما بالنسبة للنقطة الرابعة في المقال، وهي نبذ الاستبداد والاحتكام سياسياً إلى الصناديق المُحصّنة من تأثير رأس المال والتدخل الإمبريالي، فهي رؤية تدنو إلى المثالية أكثر منها إلى الواقع الراهن. ولا علاقة للأمر بأن نكون إصلاحيين في بعض اللحظات والتكتيكات، ولكن شريطة أن تكون الأسس المادية ملائمة لذلك.
فأيّ انتخابات في الدول التابعة والمنهكة ستكون مُحصّنة من التدخل الإمبريالي في ظل موازين مختلّة لصالحه؟ وأيّ تجربة ستصمد وإن نجت آنياً من هذا المأزق؟
ها نحن نرى أوضاع أمريكا اللاتينية التي أرست تقاليد انتخابية، وانقلابات مباشرة وغير مباشرة أيضاً. مخبول يحكم الأرجنتين، وشعبية متراجعة للولا في البرازيل، وسعي محموم للانقلاب الأمريكي في فنزويلا وكولومبيا…
هل يعني ذلك الاكتفاء بالفرجة والرضوخ للاستبداد السياسي؟ بالطبع لا، ولكن دون أوهام عن تغيير، ولو إصلاحي ممكن، عبر صناديق اقتراع تخلو من “اليد الأمريكية أو الفرنسية غير البريئة”.

إن أكثر ما راودني من هواجس في المقال المنشور ليس كل هذه النقاط، بل اختزال التحليل في التناقض الرئيسي دون قراءة الوضع الذاتي لليسار أو للقوى المقاومة أو للشيوعيين أو أيّ من يُطلقون على أنفسهم.
تحالف ماو تسي تونغ مع الكوميتانغ سنة 1937، أي تحالف مع البرجوازية، من أجل دحر الغزو الياباني للصين، واعتبره ماو التناقض الرئيسي آنذاك. بل وحرص على عدم انخراط الشيوعيين في أي قتال ضد الكوميتانغ (خاصة في المدن) أثناء الحرب لتجنب إضعاف الجبهة الداخلية. ولكن ماو في الآن ذاته خاض تحالفاً مشروطاً بـ”أن لا يذوب الشيوعيون داخل هذا التحالف”.
هذا المنهج الجدلي في الممارسة السياسية الثورية لا يكتفي فقط بتحديد التناقضات وترتيبها، بل أيضاً بالاستتباعات التكتيكية لها وقراءة أطراف التناقض ووضعها وتنظيمها. فالشرط الوحيد لعدم الذوبان هو الجهوزية الدنيا والتعامل الندي مع أي حليف.
غير ذلك، لا حديث عن كتلة تاريخية ممكنة، ولو كان الشعار العام الذي ترفعه هو مواجهة الإمبريالية ذاتها.
ففي ظل الموازين الحالية، قد يكون التناقض الرئيسي هو الأصعب في الحل، وقد تتعفن بقية التناقضات لنلقى أنفسنا أمام وضع أكثر عسراً.

مالعمل: السؤال الأزلي

في مواجهة التمدد الصهيوني، والإمبريالية الأمريكية من ورائه، يبدو أن هوامش الفعل السياسي بصدد التقلص تدريجياً، مع الحالة الجماهيرية المتوقعة التي تحدثنا عنها في الأعلى، ويبدو أن حجم المهام الموكولة إلينا، خاصة في الدول التي لم تتضرر مباشرة من الحرب الأخيرة، سيكون أكبر بكثير من أجل تفادي الانهيار.
ولا يمكننا بالتأكيد انتظار هذا المولود المسمّى بالحزب في كل شبر ليُنظّم الجماهير وليقودها.
هذا الوضع المعقد سلفاً يقتضي، حسب رأيي المتواضع، بناء تحالف يساري واسع، ولا أقول حزباً يسارياً كبيراً، يسمح بمواصلة البناء الذاتي لمكوناته، وينطلق من واقعه المحلي نحو أفق عربي أوسع وجنوبي أرحب، على قاعدة:

النضال ضد الاستعمار والتوسع الإمبريالي وحلفائه في الداخل، وهو ما يعني:

رفض أي تدخل أجنبي في المسائل والشؤون المحلية تحت يافطات حماية الشعوب المسكينة من الاستبداد السياسي، لأنه مدخل لإعادة لعب أوراق الاستعمار داخل بلداننا وتأبيد حالة التبعية الاقتصادية.

رفع وإيقاف التنسيق العسكري، في مرحلة أولى، مع العدو الأمريكي الذي يمثل العدو الأول، مع وكلائه وحلفائه لشعوبنا المضطهدة، ناهيك عن دوره الدموي في غزة في الحرب الأخيرة، كمطلب سياسي عاجل يقطع مع أوهام «عدم التهور» والصبيانية التي يتهمنا بها كبار الليبراليين.

مواصلة النضال من أجل وقف قطار التطبيع مع العدو الصهيوني من خلال قوانين تُجرّم التعامل معه، والمطالبة بتعديل المناهج التربوية لتعميق فهم الصراع مع الكيان الصهيوني.

المطالبة بإصلاحات عاجلة لفائدة الطبقات الشعبية والطبقات المتضررة من سياسات التبعية في بلداننا، وباقتصاد ذي توجه وطني يضع السيادة الغذائية والطاقية وسيادة الشعوب على مقدراتها على سلّم أولوياته. هذه المطالب وإن تحقق منها الشيء القليل يمكن أن تعطي دفعاً للجماهير من أجل المزيد من النضال.

الربط الجدلي بين المطالب الاجتماعية المعادية لسياسات الخصخصة والتقشف المفروضتين من قبل دوائر النهب والرأسمال العالمي وقضية التحرر الوطني، وضرورة حد أدنى من الحريات السياسية لبناء جبهة داخلية متماسكة ضد قوى الاستعمار الساعية إلى تفتيتها.

هذه المطالب القديمة المتجددة التي يجب ترجمتها مادياً إلى فعل ملموس، قد لا تؤتي أُكلها بشكل عاجل يتماشى مع بشاعة ما نشهده، ولكنها خطوات ضرورية من أجل تقليص الهوة واسترداد موقعنا في سيرورة التحرر.
وهي خطوات قد تُخرجنا من مأزقنا الحالي، الذي يحصره البعض في ضعف الإمكانيات وتشتت المجهودات، وقد تعطي جرعة أوكسيجين إضافية لمن مازال يطرح على نفسه مشروعا اشتراكيا يُناهض التوسع الرأسمالي وامتحانا آخر لجدية الخطاب الثوري.
الامبريالية في حالة حركة دائمة وسريعة. وإن كانت تسعى إلى تأبيد حالة الردة، فإن هذه الأخيرة تتغذى من عجزنا ومن ترف انتظارنا، فإما أن يبقى سؤال مالعمل سؤالا فلسفيا يتمحور حوله النقاش المُجرد، أو أن يتحول إلى خطة عملية، أو ملامح خطة، تربط هوامش تونس المسحوقة، بساحات اليمن العزيز، وبحارات مصر المسحوقة وبجنوب لبنان الشامخ وبخنادق غزة المُقاتلة.
ربما علينا النهل مرة أخرى من شعار “من الرديف حتى لغزة… القضية لا تتجزأ”، أو ما يقابله اليوم “من قابس حتى السودان، هو نفسه العدوان

مقالات ذات صلة

  • من أجل غزة والسودان وكلّ الأوطان: “كتلة تاريخية” ضدّ الطغيان!

    تتسارع الأحداث في المنطقة العربية بالفترة الأخيرة، وتصبّ جميعها في اتجاه أساسي: محاولة العدو الأمريكي الصهيوني الاستفادة استراتيجيا لأقصى حدّ…

    بلا حياد

    Whatsapp image 2025 11 05 at 19.56.34
  • رأيْ | عن اليسار التونسي وفخّ “الهُويّة”

    رأي - خاصّ - قضايا فكريّة المولدي بن عليّة (*) يقول ميشيل فوكو :"النقد يعني تلك الحركة التي من خلالها…

    رأي