لليوم الثالث على التوالي تستمر تظاهرات شبيبة حضرية في مدن المغرب الكبرى. هذه هي السمة الرئيسية لنضالات شباب أطلق على حركته génération Z 212، والرقم يحيل إلى الترقيم الدولي للهاتف بالمغرب، تمييزا لحركات أخرى قد تحمل نفس الاسم من دول أخرى.
انطلاق التظاهرات من الشباب (أغلبه متمدرس أو عاطل عن العمل) ومن المدن الكبرى، هو ما يميِّز الدينامية النضالية المستجَدة بالمغرب، وليس استعمال الشبكات الافتراضية والشبكات الأفقية، كما يعتاد الإعلام التركيز عليه. فقد سبقت حَراكات من قبل إلى اعتماد هذه الآليات من الحشد و”التنظيم”، وضمنها نضالات قسم من شغّيلة البلد (مثل الطلبة الأطباء والمدرِّسين- ات منذ 2015 إلى حدود 2023، وحركة مقاطعة الشركات الاحتكارية سنة 2018). إغفال هذين السمتيْن قد يؤدّي، ليس فقط إلى عدم فهم الحركة الجارية، ولكن- وهذا هو الأسوأ- إلى تحميلها أكثر ممّا تستطيع، وتكرار سيناريو خفوت حركات سابقة لها، بسبب القمع والاحتواء.
شبيبة بدون أفق
ستتبارى الأقلام مرة أخرى لوصف ما يحدث بالمغرب على أنه تمرّد الجيل الجديد من الطبقة الوسطى، وذلك لنزع الطابع الاجتماعي عن حَراك جين- زد، وتسهيل تَقْنِيَتِها في ما تُعده الدولة من تكتيكات لردّ الحَراك على أعقابه. لكنّ الطابع الاجتماعي لا يمكن إخفاؤه، فالحَراك الحالي امتداد لنضال سكان القرى في هذا الصيف من أجل الخدمات الاجتماعية والبنية التحتية، وكانت الشرارة التي أطلقت الحراك الحالي هي النضال ضدّ رداءة الخدمات الصحية وما واجهها من قمع شرس.
علاوة على ذلك، فالشباب هو معضلة من معضلات المغرب الكبرى. هذا ما تضمنته بالتركيز تقارير عديدة صادرة عن البنك العالمي (2012، و2017)، تناولت حرمان الشباب من الشغل وإحساسه بالحيف والحرمان، خصوصا عندما يقارِن هذا الشباب أوضاع معيشته مع بلدان أخرى، بفعل ما توفره وسائل التواصل الاجتماعي من إمكانات لعقد تلك المقارنات. خلص تقرير البنك العالمي (2017) إلى أن هذه التحديات تشّكل تحدّيا لـ”التماسك الاجتماعي في البلاد”، والمقصود هنا أنّ الشباب قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أي وقت في وجه من يتعامل معهم البنك من حاكمي البلد، ما يعقّد مأمورية هؤلاء في تنفيذ برامجه في المغرب.
الدينامية الجارية، شأنها شأن الديناميات السابقة، هي انفجار غضب ضد نتائج سياسيات مطبَّقة منذ عقود. سياسات كانت تُغني الغنيَّ، بينما أفواج الشباب المكدَّسة في المدارس والجامعات، والمشتغلين في قطاعات التشغيل الناقص والمهدَّدين دوما بالطرد، وشباب يلاحظ كيف يطبِّع حاكموه بكل برودة دم مع عدو صهيوني يرتكب إبادة جماعية في غزة بدم أبرد… بينما كل هذا الشباب يحس بضنك العيش وانسداد الأفق… هذا هو أساس مزاج التمرد الذي كان يُعَدُّ في أحشاء المجتمع، ولم يكن أحد يلاحظه أو يتوقعه، شأنه شأن الحركات التاريخية الكبرى، التي تفاجئ تنظيمات النضال أكثر ممّا تفاجئ الأنظمة.
مدن متمرّدة
لعقود تمكَّنت الدولة من إخضاع المدن الكبرى. وكانت محاورُ النضال الكبرى هي القرى والمراكز الحضرية الصغيرة (طاطا، سيدي إفني، بوعرفة، الريف وجراد، فجيج، أزيلال… إلخ). النضالات في المدن كانت استثناء، واقتصرت على تظاهرات 20 فبراير سنة 2011، واحتجاجات سكان مدينة طنجة ضد غلاء الكهرباء سنة 2015.
لكن الدينامية النضالية الجارية من طرف شباب جين- زد كسرت ما تمكَّنت الدولة من فرضه على المدن الكبرى، منذ قمع آخر انتفاضة حضرية بمدينة فاس سنة 1991. من أعماق أحياء الرباط (عاصمة البلد الإدارية) والدار البيضاء (عاصمة البلد الاقتصادية) وأكادير (عاصمة البلد السياحية حيث رئيس حكومة الواجهة هو نفسه عمدة المدينة)… ومدن أخرى عديدة، انطلقت نضالات شبيبة متمرّدة تمثّل الوجه المشرق لتلك المدن المتمردة.
يشكّل إعادة تنظيم المدن إحدى مداخل أغنياء البلد لمراكمة المزيد من الثروة، عبر مشاريع الإعمار وإعادة الإعمار وتخصيص المناطق. السياسة الحضرية منذ عقود قائمة على منح العقود المربحة للشركات وإعطاء الأولوية للأنشطة الاقتصادية المُربحة ولكن غير المنتجة، على حساب القطاعات المشغِّلة والمصالح الاجتماعية لسكان المدن. جرى تفكيك القطاعات الصناعية بمدينة أكادير ونقلها إلى أماكن أخرى من أجل تحويلها إلى مدينة سياحية، والدار البيضاء يجري تحويلها إلى قطب مالي، أما الرباط فيجري حاليا إعادة هيكلتها لتكون صالحة لاستقبال كأس العالم، ما ترتّب عنه من تهجير سكان أحياء شعبية قطنوها لعقود.
هذا ما جعل هذه المدن، التي كان يُعاب عليها أنها مدن خاضعة، مدنًا متمرّدة. وهذا أكبر تقدُّم للنضال بالمغرب. فقد كانت عُزلة نضالات القرى والمراكز الحضرية الصغيرة عن المدن الكبرى هو سبب سهولة حصارها وقمعها. وسيكون لهذا التقدم شأن كبير في مستقبل النضال.
الجذور الاقتصادية للتمرد
منذ الاستقلال توالت انتفاضات ضد السياسات الاقتصادية ومستتبعاتها الاجتماعية بالبلد. ومنذ تولّي محمد السادس للحكم (سنة 1999) وارتخاء القبضة القمعية على البلد، كُبَّ فيض من التمويل الأجنبي (قروض واستثمار أجنبي مباشر وتحويلات العمالة المهاجرة). أمَّن هذا التمويلُ السيولةَ اللازمة لتجهيز البلد ببنية تحتية ضخمة (طرق سيارة ومطارات وموانئ كبرى ومناطق صناعية حرة وإعادة هيكلة المدن…). خُلق انطباع بأن البلد يتقدَّم وأنه يقطع مع ماضي التخلُّف. لكن كلّ ذلك كان استهلاكا لموارد البلد في استثمارات غير منتِجة، موجَّهة لإغراء الرأسمال الخاص (خصوصا الأجنبي) للقدوم من أجل تنمية البلد.
حمل مسثمرون حقائبهم وحوّلوا جزءا من صناعاتهم إلى المغرب، ما سمح للدولة بإدراج صادراتهم ضمن صادرات المغرب، والحديث عن تحوُّل هيكلي في النسيج الاقتصادي للبلد مع ارتفاع رقم المواد المصنَّعة ضمن صادراته. تبيّن بعد عشرين سنة من تبني هذه الاستراتيجية، أنها لا تخلق مناصب شغل ولم تُصنِّع البلد ولم تُنمِّ إنتاجية اقتصاده، في المقابل خلَّفت مديوينة ثقيلة ثلاثية: 1) على الدولة والمؤسسات العمومية؛ 2) مقاولات القطاع الخاص؛ 3) الأُسَر. وتبيَّن أن الطلب الاستهلاكي الذي حفِّز النمو كان كله هشا ومبنيا على تلك المديوينة. وظل الناتج الداخلي الإجمالي معتمدا، كما كان قبل عقود، على المواسم الفلاحية التي تصبح أسوأ مع موجات الجفاف.
عمَّقت جائحة كوفيد- 19 والإغلاق الاقتصادي أزمة كانت مُعَدَّة منذ عقدين: أكثر من 4 ملايين أسرة صُنِّفت فقيرة في حاجة إلى دعم، تدمير مناصب شغل هشة أصلا… كان الوقع على المزاج الشعبي قويا؛ فالدولة خصصت فتاتا لما أسمته حماية اجتماعية موجَّهة لملايين الأسر المصنَّفة فقيرة، بينما تُخصّص المليارات وتحفيزات جبائية وضريبية لدعم القطاع الخاص.
هذا التناقض بين وجه اجتماعي تدّعيه الدولة منذ عقدين (التنمية البشرية) وإنماء القطاع الرأسمالي الخاص، تجلَّى أكثر مع الإعداد لكأس العالم، من خلال توجيه أكثر من 24 مليار درهم لبناء الملاعب، بينما يموت المواطنون- ات في مستشفيات أطلقوا عليها “مستشفيات الموت”. هذا الاستياء هو الذي تحوّل إلى مزاج غاضب، وهذا الأخير انطلق في موجة نضالات متفرقة من أجل الصحة العمومية، وفي الأخير أطلق تمرّد الشبيبة الحالي تحت مسمى جين- زد.
سياق دولي محفّز
الأزمة عالمية والنضالات ضدّها مُعولَمة. تمكنت نضالات شباب النيبال تحت يافطة “انتفاضة الجيل Z” من إجبار رئيس الوزراء على الاستقالة، بعد احتجاجات قمعتها الشرطة بعنف. وتشهد كل بقاع العالم نضالات جبارة ضد صعود اليمين المتطرف وتدمير البيئة والتضامن مع فلسطين ضد العدوان الصهيوني المستمر.
شباب جين- زد بالمغرب، جزء من هذه الشبيبة العالمية التي ترى الكوكب يقاد إلى الكارثة، بينما أغنياء العالم المسؤولين عن هذه الكارثة يزدادون غنى ومحميّين من أية محاسبة. جيل يرفض أن يؤدي كلفة الأزمات المركَّبة لاقتصاد معولم وَعَدَهم بالمزايا والمتع، ولا يمنحهم سوى القمع والكبت والاضطهاد.
التسيس: نقطة قوة وضعف الحراك الحالي
“لا نريد استغلالا سياسيا”، “لسنا ضد المَلكية ومطالبنا اجتماعية وسياسية”، هذان هما الشعاران السياسيّان المؤطّران لحراك شباب جين- زد.
ظهر شباب يرفض التحاق زعيمة وبرلمانية الحزب الاشتراكي الموحد بالتظاهرات، بمبرّر رفض أي استغلال سياسي لنضالاتهم. لكن رفض الاستغلال السياسي لا يعني منع الأحزاب من ذلك. ظهر الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس حكومة الواجهة التي نصبتها المَلكية سنة 2011 في إطار مناوراتها لهزم حراك العشرين من فبراير، في شريط فيديو يتحدى منافسيه السياسين على الواجهة الحكومية قائلا: “أينكم كي تقوموا بإطفاء الحريق؟”. ويأتي الحراك الحالي في سياق انتخابي بامتياز، حيث أطلق الملك مشاورات مع الأحزاب السياسية برعاية وزارة الداخلية إعدادا للانتخابات المقبلة سنة 2026. لذلك فالتمرد الشبيبي الحالي يشكل رهانا لأحزابا تُعِدّ العُدّة للعودة إلى تدبير الواجهة الحكومية (مثل حزب العدالة والتنمية الإسلامي). إذا أردتَ أن تمنع الأحزاب من استغلال نضالك سياسيا فيجب أن يكون لديك أفق سياسي لنضالاتك. وهذا مُفتقَد حاليا، وليس عيبا بالطبع. فلا يمكن لحركة شبيبة نهضت للتو أن تملك ذاك الأفق السياسي. فذاك رهين بتطور النضال وتقدم التجربة السياسية والخبرة التنظيمية للمشاركين فيه.
لكن رفض الأحزاب السياسية القائمة حاليا يشكّل نقطة قوة الحركة. فالأحزاب (وملحقاتها النقابية والجمعوية) كانت طيلة النضالات السابقة تعمل دومًا على تَصريف النضالات في قنوات رسمية عبر “الحوار الاجتماعي” و”الشراكة الاجتماعية” مع الدولة، ما يؤدي إلى خفوتها وهزيمتها في النهاية. إلا أن رفض التسيس يشكّل نقطة ضعف من جهة أخرى. فالقضايا الاجتماعية الكبرى التي تطرحها النضالات على جدول الأعمال لا يمكن حلها إلا على المستوى السياسي. والرهان المطروح حاليا هو كيف يمكن تحويل الأزمة الاجتماعية وما ترتب عنها من نضال إلى أزمة سياسية، تشمل كل الدولة، وليس فقط واجهتها الحكومية. وهذا ليس مهمة حركة جين- زد، فكل ما تستطيعه هذه الحركة هو فتح ثغرة في جدار الاستبداد السياسي، ليتدفق منها النضال العمالي والشعبي المنظَّم كي يدكّ ذاك الجدار دكًا.
منذ عقود كانت استراتيجية المَلكية هي الحفاظ على واجهة مؤسساتية (وضمنها الحكومية) كي تقيها شر الاستياء والغضب الشعبيّيْن، إذ تحمِّلها وِزر السياسيات اللاشعبية التي تقررها الملكية، ما يضمن تداولا على تلك الواجهة بين أحزاب لا فرق جوهري بينها، وكلها تتبنى برنامج الملك.
لذلك فإن تقليدا سياسيا أُرسيَ في المغرب: تركيز النقد على من يوجد على رأس تلك الواجهة الحكومية وتفادي انتقاد الملك. كان السياق الثوري لسنة 2011 وامتداده المحلي بالمغرب (حراك 20 فبراير) هو من كسر ذلك التقليد. لكن تمكنَّت المَلكية، في سياق ثورة مضادّة إقليمية، من إحيائه من جديد. منذ 2021، سنة الانتخابات الأخيرة، والانتقادات تتركز على رئيس حكومة الواجهة، عزيز أخنوش، أحد المليارديرات والاحتكاريين الكبار، وتجنيب المَلكية كل انتقاد.
بالنسبة للأحزاب القابلة باللعبة، فهذا سلوكٌ سياسي غايته التناوب على تلك الواجهة ومساعدة المَلكية في اتقاء شر الغضب الشعبي. أما بالنسبة للحَراكات النضالية فشيء آخر: ما دمنا في موقف ضعف فيجب تجنبّ ما سيصبّ فوقنا القمع الأهوج، في انتظار فرصة أفضل. هذا ما يفسر ما تبنته حركة جين- زد في بياناتها من أنها ليست ضد المَلكية. وهو ما يمثل تراجعا سياسيا مع سابقاتها من نضالات، وأهمها حركة 20 فبراير، التي كان مطلبها الفعلي هو مَلكية برلمانية. لكن هذا ليس عيبا جينيا/ وراثيا في النضالات. سيدفع تقدُّمُ النضال والتجربة الشباب الحالي إلى التجذر سياسيا، والأوفر حظا للاستفادة من هذا التجذر هي الأحزاب التي ترفع شعار “المَلكية البرلمانية”، وآنذاك ستلتقي حركة جين- زد مع الحزب الاشتراكي الموحَّد وفيدرالية اليسار الديمقراطي، كما حدث سنة 2011. وسينقلب شعار “لا نريد استغلالا سياسيا” إلى نقيضه. وهذا في حد ذاته تقدُّم كبير، من حركة ترفض السياسة إلى حركة ترفع مطلبا سياسا واضحا.
الغائب المنتظَر: دور اليسار
النقاش الاستراتيجي غائب حاليا، كما كان من قبل. من يسيطر على السلطة؟ ومن يقرّر الخيارات الاقتصادية والاجتماعية؟ ما السبيل لإحداث تغييرات جذرية في تنظيم المجتمع تضمن العيش الكريم للجميع، وضمنهم الشباب؟ كلها أسئلة غير مطروحة حاليا.
حراك شباب جين- زد مقتصر على ملف مطلبي قصير يتضمن أربع نقاط (التعليم والصحة والتشغيل وإصلاح العدالة)، والنقاش على منصات التواصل (ديسكورد وتليغرام) مقتصر على خطوات النضال وتفادي القمع والتضامن مع المعتقَلين… وسيؤدي هذا- ضمن أسباب أخرى- إلى تبخُّر الحراك مع المدة. فقوة الحراك الحالي هو مزاج وغضب. لكن المزاج والغضب مشاعر قد تزول بسرعة اتقادها، ما لم يجرِ تنظيم ذاك المزاج والغضب بشكل يضمن ليس فقط استمرار الحَراك في الزمان وامتداده في المكان وتوسيع نطاق الاحتجاج ليشمل الشرائح الشعبية القادرة على فرض ضغط أقوى؛ أي قوّة العمال- ات المأجورين القادرين على وقف آلة الإنتاج والتداول والجهاز الإداري للدولة.
هذا النقاش الاستراتيجي مهمة اليسار. لكن اليسار ضعيف إلى درجة الهزال الشديد. وقد يكون من مآثر هذه الحركة أن تهزّه هزًا كي يدرك نقاط ضعفه ويتداركها. وأهم نقطة ضعف لدى اليسار حاليا هي تشتته وعصبويته الفائقة. يمكن لتعاون رفاقي أن يؤدي إلى وحدة فعل اليسار المغربي. وحدة فعل وليس وحدة تنظيمية شروطها غائبة حاليا.
ما لم يتقدَّم اليسار المغربي بأفق سياسي ويتحول إلى قوة سياسية توحي للشعب بأن النضال قادر على النصر بأقل كلفة، فسيكون مصير حراك جين- زد الحال كمصير سابقيه من نضالات أخرى (20 فبراير، وحراك الريف، نضالات شغيلة الدولة من تعليم وصحة… إلخ).
هذا هو الرهان… وهو رهان المستقبل. وقد يكون حراك جين- زد رجَّة في صفوف اليسار المغربي كي يعي مهمته الأولوية… وستكون تلك هي المأثرة التاريخية لجين- زد.


