شهدت تونس خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظا في الأزمات الاجتماعية والسياسية، ومن بينها أزمة الهجرة غير النظامية القادمة من دول إفريقيا جنوب الصحراء. لم تقتصر هذه الأزمة على واقع المهاجرين فحسب، بل أثّرت أيضًا على طبيعة الخطابات المجتمعية بشأن العنصرية والتمييز، خاصة في ما يتعلق بالسود في تونس.
فقد أصبح نضال التونسيين السود من أجل العدالة والمساواة يُرى لدى البعض وكأنه امتداد لقضية الهجرة، ممّا أدّى إلى خلط مقلق بين الحقوق المواطنيّة والمطالب المرتبطة بالهجرة. بل وصل الأمر حدّ اتهام بعض النشطاء بالسعي إلى “تغيير التركيبة السكانية” أو “توطين المهاجرين”.
في هذا المقال أسعى إلى تحليل هذا التداخل المفاهيمي والخطابي وإلى فهم كيف تُستخدم تهمة “التوطين” اليوم لتجريم الخطاب الحقوقي، وإلى أي مدى يُزجّ بالسود التونسيين في هذا السجال رغم اختلاف موقعهم القانوني والاجتماعي والهويّاتي عن المهاجرين.
في تفاعل شخصي عبر شبكات التواصل الاجتماعي وجدت نفسي أمام موجة من الاتهامات حين عبّرت عن موقفي المبدئي بضرورة التثبت من صحة اتهامات طالت ناشطة تونسية سوداء قيل إنها “تدعو إلى التوطين”. لم يكن هناك أي إجراء رسمي ضدها في هذه المسألة، ومع ذلك حُكم عليها من قبل بعض المعلّقين بعبارات صادمة.
وقد وصلني شخصيًا تعليق يقول: “أنتِ أيضًا تشجعين على التوطين! عودي إلى حبشة أجدادك”. وعلّق آخر مقترحًا أن أقوم بتحليل جيني لأتأكّد من أصولي مستشهدًا بما زعم أنه “بيان علمي” يثبت أنني لا أنتمي إلى شمال إفريقيا.
هذه المواقف رغم عنفها الرمزي ليست سوى مرآة لحالة أوسع من الشكّ في انتماء السود التونسيين لوطنهم تونس. فمنذ اشتداد أزمة الهجرة يتعرض بعض المواطنين السود إلى إجراءات غير رسمية من التثبت في وسائل النقل والفضاء العام، وكأنّ لون بشرتهم يطرح تلقائيا تساؤلا حول تونسيّتهم.
هذا التشكيك، سواء أكان معلنًا أو ضمنيًا، يُعيد إنتاج عنصرية بنيوية تحوّل التونسي الأسود إلى “استثناء” في وطنه، رغم حمله الوثائق القانونية وانغراسه الثقافي في بلده.
ما نعيشه اليوم هو تفريغ مصطلح “التوطين” من معناه القانوني والسياسي وتحويله إلى أداة للتخويف الرمزي تُستخدم ضد كل من يناصر العدالة أو يطالب بحقوق المهاجرين أو حتى يتضامن إنسانيا معهم.
والأخطر أن هذا المصطلح بات يُقحم التونسيين السود أنفسهم في معركة لا تعنيهم من حيث موقعهم القانوني، ممّا يعمّق هشاشة وجودهم في المجال العام.
هذا الاستخدام المُضلّل غالبًا ما ينتشر في الفضاء الرقمي عبر صفحات مجهولة الهوية، أو ما أسمّيه “الصفحات الأشباح” التي تخلط بين الشعبوية والمغالطات القانونية.
فـ”التوطين” بوصفه مفهومًا يشير إلى سياسات منظّمة تتبناها الدول أو الهيئات عبر قرارات رسمية وإجراءات ميدانية. أما ما يُروّج له اليوم فلا يتعدى كونه تضليلًا تعبويًا يستهدف خلق عدو رمزي غير موجود فعليًا.
وللتوضيح: هل يجرؤ المواطنون الفرنسيون على اتهام بلدهم فرنسا بـ”التوطين” حين تستقبل ملايين المهاجرين، من بينهم تونسيون مقيمون منذ عقود؟ لماذا نقبل حينها استعمال مصطلحات مثل “إدماج” أو “هجرة نظامية” ونُحوّل الخطاب في تونس إلى محاكمة رمزية لفئات مهمشة أصلا؟
لا يمكن فصل تصاعد هذا الخطاب عن السياسات الدولية للهجرة، التي تمارس ضغطًا على دول الجنوب، ومنها تونس، لتحويلها إلى حواجز بشرية تمنع العبور نحو الشمال. وفي هذا الإطار تقوم الدولة التونسية اليوم بإجراءات “الترحيل الطوعي”. إذ عاد أكثر من 7,000 مهاجر غير نظامي إلى بلدانهم سنة 2024 بينما تستقبل تونس يوميًا مواطنيها المرحّلين من أوروبا.
فأين “التوطين” في هذا الواقع؟ وكيف يُوجَّه الاتهام للمجتمع المدني أو النشطاء في حين تقوم الدولة نفسها بإجراءات واضحة تتعلق بإدارة الحدود؟
الخطاب الرقمي الذي يتحدث عن “توطين” في تونس من هذه الزاوية يُمكن اعتباره تشكيكا ضمنيا في دور المؤسسات الرسمية، ما يطرح مفارقة محيّرة: يتم اتهام الحقوقيين في ظلّ إدارة الدولة لهذا الملف.
إن هذا الخلط بين المكوث الطوعي الناتج عن اندماج طبيعي للمهاجرين النظاميين، أيّ كانت أصولهم، والمكوث القسري المفروض سياسيا يُغذّي خطابا مُضلّلا. وحين يُستعمل مصطلح “التوطين” خارج معناه المؤسسي والتاريخي يتحوّل إلى فزّاعة تُشهر في وجه كل من يسعى إلى مناقشة قضايا الانتماء والمواطنة والكرامة.
من هنا فإن مسؤولية المجتمع الأكاديمي والمراكز البحثية في تونس اليوم تتمثل في تفكيك هذا الخطاب المفاهيمي، ومساءلة السياقات التي يُستعمل فيها مصطلح “التوطين” وضرورة توضيح الفرق بين الهواجس الأمنية من جهة والحقوق الأساسية للإنسان سواء كان مواطنا أو مهاجرا من جهة أخرى.
لذلك ندعو المجتمع الأكاديمي في تونس إلى الاضطلاع بدوره النقدي والتفكيكي إزاء هذا الخطاب الرّقمي. نحن بحاجة إلى بحوث علمية وندوات فكرية تُعيد التفكير في مفهوم الهجرة “والتوطين”، كما يُستخدم هذا الأخير اليوم في السياق التونسي، وتحلّيل كيفيّة توظيفه في مسارات خطابية تخدم تصورات ضيقة حول الأمن والهوية وتُوصّم النضالات الحقوقية وتُسهم في إدامة البُنى التمييزية بدل تفكيكها.
