تُقدّم “مدينة الأغالبة الطبية” في القيروان، بوصفها مشروعًا استراتيجيًا ضخمًا، يَعِدُ بتحويل الجهة إلى قطب صحي واقتصادي متكامل، وبإحداث نقلة نوعية في التنمية الجهوية. غير أنّ القراءة المتأنية لتفاصيل المشروع وتصريحات المسؤولين تكشف عن مساحات رمادية تطرح أكثر من سؤال حول طبيعة هذه المدينة، ومدى استفادة الصحة العمومية منها.
مشروع بأبعاد كبرى
وفق ما أعلنه وزير الصحة مصطفى الفرجاني خلال جلسة استماع بلجنة المالية والميزانية، فإن المشروع سيقام على مساحة تناهز 553 هكتارًا بمعتمدية منزل المهيري، وبكلفة أولية تقدّر بـ 3 مليارات دينار، تموَّل جزئيًا عبر هبات صينية، في حين يُعوَّل في القسم الأكبر على الاستثمارات الخارجية.
وحسبما ما ورد في بعض التقارير الصحفية :
سيضمّ المشروع مكونات متشعبة: أربعة عشر قطبًا استشفائيًا، مصحة عسكرية متعددة الاختصاصات، مراكز طبية تابعة للقطاع الخاص، فضاء صناعي مخصص للمنتجات الصحية، ومركب جامعي متكامل يضم أكاديمية عسكرية للطب، ومعهدًا عاليًا لعلوم الطب، ومدرسة للهندسة البيوتقنية، فضلًا عن مركز محاكاة ووحدة للإخلاء الصحي الجوي. كما يضم فضاءات سكنية وسياحية وترفيهية وتجارية، لتكوين ما يشبه “مدينة متكاملة” داخل ولاية القيروان.
كما يتضمن المشروع فضاء سكنيا على مساحة 50 هكتارا يتكون من 100 فيلا فردية فخمة و1000 شقة، وفضاء للخدمات العمومية بمساحة 42 هكتار ويضم معاهد ومدارس وبنوك ومؤسسات أمنية وادارية وفق معطيات نشرتها رئاسة الجمهورية، في وقت سابق.
الثغرة الجوهرية: غياب الصحة العمومية
رغم الحجم الضخم للمشروع وتنوع مكوناته، فإن المتابع للنصوص الرسمية والتصريحات الوزارية يلاحظ غياب أي تفصيل واضح حول نصيب القطاع العمومي من الخدمات الصحية المزمع تقديمها.
لم يُذكر عدد الأسرّة المخصصة للعلاج المجاني، ولا نوعية التخصصات الطبية التي ستُتاح للمواطنين غير القادرين على دفع كلفة العلاج، في حين تكررت في الخطاب الرسمي مفردات مثل “الاستثمار”، “القطاع الخاص”، “الفضاء الصناعي”، “الفضاء السياحي”، وهي مؤشرات تُحيل على طابع رأسمالي استثماري أكثر من كونها رؤية اجتماعية للصحة.
هذا الغموض يجعل المشروع أقرب إلى نموذج السياحة الطبية الموجّهة للمرضى الأجانب أو للميسورين من داخل البلاد، منه إلى مستشفى جامعي عمومي يقدّم خدمات مجانية أو مدعّمة لعموم المواطنين.
بين التنمية والعدالة الصحية
لا شكّ أنّ مدينة الأغالبة، إذا أُنجزت وفق المعايير التقنية المعلنة، قد تخلق ديناميكية اقتصادية في الوسط التونسي، وتفتح آفاق تشغيل جديدة في مجالات الطبّ والصناعة والخدمات.
غير أنّ التنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد الفيلات أو الفضاءات الترفيهية، بل بمدى إنصافها للمواطن البسيط وقدرتها على تقليص الفوارق الجهوية في النفاذ إلى العلاج.
فالقيروان، رغم رمزية موقعها، ما تزال تعاني من هشاشة المنظومة الصحية العمومية ومن نقص فادح في أطباء الاختصاص والتجهيزات الأساسية. ومن ثمّ، فإن تحويلها إلى واجهة استثمارية صحية من دون بُعد اجتماعي واضح، قد يعمّق التفاوت بدل معالجته.
الشفافية المطلوبة
حتى اللحظة، لم تُنشر دراسة الجدوى المفصلة ولا دفتر الشروط الذي يحدد التزامات المستثمرين تجاه الدولة والمواطنين. كما لم تتضح آليات التمويل، ونسب الشراكة بين العمومي والخاص، ولا طبيعة العلاقة الإدارية بين وزارة الصحة والجهات الصينية.
ومن دون هذه الشفافية، سيبقى المشروع معلقًا بين الحلم والريبة: حلم تنموي يَعِدُ بإحياء القيروان، وريْبة من أن يتحول إلى “مدينة طبية مغلقة” لا يطأها إلا من يملك ثمن الدخول.
ما لم يُذكر بوضوح
لا وجود لأي إشارة صريحة إلى مستشفى عمومي أو أقسام مجانية تابعة لوزارة الصحة مخصّصة للمواطنين العاديين.
لم يُحدّد عدد الأسرّة العمومية ولا نسبتها من إجمالي الطاقة الاستشفائية.
لم يُذكر أي بند يتعلق بالعلاج المجاني أو التغطية الصحية العمومية داخل المدينة.
ما يمكن استنتاجه من “ثنايا السطور”
من تكرار الكلمات مثل:
“الاستثمارات الخارجية” – “القطاع الخاص” – “فضاء صناعي” – “فضاء سياحي” – “مصحة عسكرية”، يمكن قراءة المشروع على أنه مشروع رأسمالي استثماري بواجهة صحية، لا مشروع عمومي في خدمة المواطن التونسي البسيط.
بمعنى آخر، قد يكون التركيز على:
السياحة الطبية (استقبال أجانب أو تونسيين ميسورين للعلاج المتطور بمقابل)
التكوين والبحث العلمي (للأطباء والطلبة، خصوصًا في الشراكة مع الصين)
خلق فرص شغل غير مباشرة (خدمات، إيواء، نقل، صيانة…).
وفي الناحية الأخرى، ثمة غياب شبه تام للشفافية الاجتماعية: لم يُطرح بعد أي تصور لتوزيع الخدمات بين العمومي والخاص.
تضخيم الأرقام التشغيلية: الحديث عن “200 ألف موطن شغل” يبدو أقرب إلى الدعاية السياسية منه إلى التقدير الواقعي.
خطر التهميش المحلي: المشروع قد يتحول إلى “جزيرة استثمارية” داخل ولاية القيروان دون انعكاس فعلي على صحة سكانها.
وما لم تُعلن وزارة الصحة نسبة واضحة من الخدمات العمومية المجانية وعدد الأسرّة والتخصصات الموجهة للمواطنين، يبقى المشروع في صورته الحالية مدينة طبية خاصة بطابع استثماري أكثر منه مرفقًا عموميًا صحيًا.
نداء إلى الناس البسطاء
ليس في الأمر دعوة إلى التشاؤم، بل إلى اليقظة. فالمشاريع الكبرى التي تُقام باسم التنمية صارت تُدار غالبا بروح السوق لا بروح الإنسانية، وبمنطق الربح لا بمنطق الحق.
ولذلك، فإنّ السؤال الحقيقي اليوم ليس عن موعد انطلاق الأشغال ولا عن كلفة الهكتار، بل عن مكان المريض الفقير في هذه المدينة: هل سيكون مريضًا يُعالج، أم “زبونًا صحيًا” يُحاسَب على كلّ جرعة دواء؟
إنّ الخطر ليس في بناء مدينة طبية، بل في بناء مدينة بلا ضمير.
حين يصبح العلاج امتيازًا، والوجع سلعة، يموت الفقير مرتين: مرة حين يمرض، ومرة حين يُغلق الباب في وجهه لأن جيبه فارغ.
وما لم يتحرك وعي الناس — أولئك المغلوبين على أمرهم — للدفاع عن حقهم الطبيعي في العلاج، فستتحول مشاريع مثل “ مدينة الأغالبة الطبية” إلى قصور صحية شاهقة تُطلّ على مدنٍ عليلة، تُقيم حولها الأسوار وتترك المرضى خلفها، في صفّ الانتظار الطويل… انتظار الرحمة لا الموعد الطبي.
