سُجّل الهدف، رُفع القميص الأحمر، كُتب عليه: “تعاطفًا مع غزّة”…
لم تلقَ صورة أبو تريكة رواجًا على مواقع التواصل الاجتماعي، لأنّ من يحكمنا في 2008 لم يُبدِ أيّ تعاطف، لا مع غزّة ولا مع شعبه، فكان يتعقّب المتعاطفين على شبكات التواصل.
قبل ذلك، التحق ذو الشعر واللحية الكثيفين، وصاحب العصابة البيضاء، إلى نادي “أصحاب المواقف”، فألحق المستطيل الأخضر بمربّعات الفلسفة والسياسة: سقراط أيقونة عصره.
“ربما تُصلب أيامي على رؤيا مذلّة
يا عدو الشمس.. ولكن لن أساوم
وإلى آخر نبض في عرقي سأقاوم”
لم يكن صوت سميح القاسم…
لكنة إنجليزية تعلو خشبة المسرح لمن حمل غضبه من أرضية الملعب إلى “أرض الله الواسعة”..
الملك كانتونا يصدح بحرية شعب الخيام، ويحمل علم الجبّارين.
لا تنسَ وشم تشي على الكتف الأيمن، امتدادًا لنبض يساري يُدافع عن مُفقّري العالم ومسحوقيه..
من أحياء فيلا فيوريتو في بوينس آيرس وصولًا إلى مسرح السان باولو بنابولي، لم يُخفِ القصير انحيازه..
سيبقى دييغو أرماندو مارادونا في الأذهان.. أرجنتينيًا وبوليفاريًا وأمميًا…
اختلف الحدث هذه المرّة…
من أعلى المُدرّجات، سرق الأضواء من أحذية اللاعبين المُثيرين للاشمئزاز: أولئك الذين لا يلفت انتباههم اللون الأحمر القاني، ولا تُثير صرخات الأطفال ونديب الأمهات شيئًا في قلوبهم…
اعتلى المدرجات في الدار البيضاء ومراكش، ولكن ما زال الأمر تحت السيطرة.. فنحن في القارة الإفريقية، مجرّد ملحق بهذا العالم.
أمّا الآن، فقد عاد إليكم من جديد، باتريس لومومبا يُفسد بهجة الأوروبيين والأمريكيين باحتضان مونديال البيع والشراء.
ميشيل كوكا مبولادينغا، وقف في مباراة الكونغو الديمقراطية أمام منتخب كولومبيا بعد غيابه في المباراة الأولى أمام البرتغال، وقف رافعًا يده يحيّي من يستحق التحية ويُذكّر المجرمين بحقيقتهم التي لم تنجح ترسانتهم الإعلامية ولا نفوذهم المتصاعد في محوها من الذاكرة الجماعية لشعوبنا المنهوبة.. وبينما بحّت أصوات الكولومبيين ولم تهدأ حركة اللاعبين، ظلّ ثابتًا. 90 دقيقة من الثبات، بل وعقود من الثبات.
لم يأتِ من أجل التشجيع، ولا من أجل النتيجة النهائية للمباريات، ولا من أجل فوز أو خسارة…
فقط جاء ليحمل إرث الكونغو ومخلّفات الاستعمار وضربات السياط البلجيكية، وأحلام القارة بأكملها.
لم يكن من السهل بالتأكيد، على شبيه باتريس لومومبا، أن يدخل المعقل الإمبريالي الأمريكي، بسبب تعقيدات إدارية فرضتها السلطات الأمريكية احترازًا وخوفًا من فيروس إيبولا.
لم يدخل إلا بعد تدخّل سياسي رسمي ألحقه بالبعثة الرسمية الكونغولية.
الآن، ولأننا في أمريكا، وليس في المغرب أو بقية دول إفريقيا، سيعرف الكثيرون من “البيض” قصّة الاستعمار البلجيكي للكونغو، بل وسيبحث آخرون عن بلد اسمه الكونغو الديمقراطية ما زال يتعرّض لأنواع شتّى من الاستغلال والاضطهاد تحت يافطة الشركات متعددة الجنسيات التي تحفر في مناجم روبايا شرق الكونغو من أجل معدن الكولتان، ومن أجل هاتف ذكي وشاشة جميلة.
ألم يقولوا إنّه لم يبقَ من باتريس لومومبا إلا سنّه التي هرّبها شرطي بلجيكي كشف عن سرّه الدفين سنة 2022؟ لا، بل بقي إرث كامل من النضال من أجل مناهضة الاستعمار والعنصرية، وبقي تاريخ كامل من التطلّع إلى الحرية.
لن تُمحى كلّ تلك الجرائم المُرتكبة باعتذار بلجيكي متأخر أو باعتراف فرنسي يقطر فوقية، ولن تُمحى برسّام كاريكاتوري يقف ساكنًا في مدرّجات الملاعب، ولن تُمحى بلاعب ينحاز إلى جنوب العالم أو بشهداء يرفعون راية الكفاح… والسلاح.. ولن تُمحى وإن تحرّرنا بكل ذلك. ولكن سيكون الأمر أكثر عدالة، وسنسوّي الأمر بيننا على الأقل. وربما حينها سنرى لومومبا يرقص فرحًا بهدف، وسنذكر اسمه إرثًا إنسانيًا لا يبث الرعب في قلوب المُستعمِرين القُدامى.
