سقط الجدارُ في المزّونة، وراح ثلاثة من فلذات أكبادِنا ضحيّةً للإهمالِ الرّسمي. وتفاعُلاً مع فاجِعة الأهالي، سارعت أجهزة الدولة بتقديم واجِب العزاء عبر الغاز المُسيل للدّموع وعبر حصار المدينة لأيّام…
انقطع الكهرباء في حرّ قيْظ الصّيف، وراح ضعاف الحال ممّن ارتبطت حياتهم بأنابيب الأوكسيجين ضحيّةً للإهمال. غابت الأرقامُ الرّسمية عن عدد الضحايا وعن عدد المُتضرّرين من هذا الانقطاع ممّن خسروا بضائعهم ومعدّات تبريدهم وسِلعهم التي راهنوا على بيْعها لتعديل كفّة العجز التّجاري. ولكن يبدو أنّ الدّولة أقرّت ” عدم ثُبوت الضرر”، مثلما أعلنته المحكمة في قابس التي اختنق أهلها، ولا يزالون…
في بنڨردان، أعلنت مجموعة من شباب البِلاد النّفير، هربًا من العطشِ ومن الفقر ومن البطالة، فقرّرت”تخفيف الأحمال” عن البلد وأهله، والسّفر إلى أرْض الله الواسعة. علّهم يجدون في بلاد العكري ما لم يجدوه هُنا من كرامة وعيش كريم، وعلّهم يهربون من بلد الفجائع، والنتيجة؟ صاروا فاجِعة البلاد. فلم تتحّرك لممن يحكُمُ قَصَبة.
من يعرف “الحرقة”، وقد صاروا كثيرين في هذا البلد، يعلَمُ تمَامًا عُمق الحكاية من ورائها، يعرف تلك الجلسة الجماعيّة تحت أسوار المبكى الموجودة في كلّ قريةٍ، وفي كلّ مدينةٍ وفي كلّ ركنٍ شعبيّ منها. يعرفُ تلك النظرات الحاقدة النّاقمة عمّا آلت إليْه الأمور، ويعرف تلك الخُلاصات المُشتَرَكة عن أمل الحياة على هذه الأرض، وخاصّة عن جودتها.
لم يعد النّاس “يهربون” من الفقر أو من الجوع أو من البِطالة، بما تعنيه الكلمات من معاني صرفة، ولم تعد أحلام تحسين الأحوال وحدها دافِعًا لهذا الهرب الجماعيّ. صار ما يُحرّك الناس في بلدي هو العثور على إنسانيتهم المُبعثرة على قارعة الطّرقات، وعلى كرامتهم التي مزّقها الأوغاد.
من كان يرفُض الهجرة غير النظامية، لما تحمله من أخطارٍ على أصحابِها، صار يتتبّع الحرّاڨة ويجمع الفِلس فوق الفِلس لتأمين الرحيل، ومن كان له قدرة على إقناع الأصدقاء وأبناء العمومة بالبقاء صار لا يجرأ على الكلام.
تصوّر أن تقِف وسَط الجماعة، وفي ظلامٍ مُخيف، وأن تُحدّثهم عن الأحلام الجماعيّة وعن نبذ كلّ ماهو فرديّ في هذا العالم، وأن يجفّ حلقُك لتُكمل حلقتك الدعوية، فلا تجد شربة ماء لتتركهم وتعود إلى بيْتك تلعنُ “الهاربين الضعفاء”..
وتصوّر أن تموت الجماعة، فتُسائلُ موتهم بالحديث عن أولوية بعث المشاريع الصُغرى عوض اختيار البحر سبيلًا. يحدُث كلّ هذا حين لا يرى الجمل حدبة الامتيازات على ظهره، فيختارُ الأضعف فريسةً لهُ.
وبعد أن نموتُ من يُعزّينا؟
أ تُعزّينا حكومات الغرب المسؤولة عن عذاباتنا، ناهبة الثروات ومُشرّدة الشعوب، من أقرّت حق التنقّل في دساتيرها ومن خطّت أناملها هذا الحقّ على ورقات المعاهدات وترسانة الحقوق الكونيّة؟
أ تُعزّينا حكوماتنا الطّاعنة في السنّ والمنتهية صلاحيتها، حامية حمى الحدود الأوروبية البيضاء والساهرة على الأمن الغربيّ الذي نُخلّ به؟
أ تُعزّينا بيانات الرئاسة والوزارة، وأيّام الحداد الوطنيّ ومراسم الدّفن الرسمية والشوارع الحاملة لأسماء الرّاحلين؟
وبعد العزاء، الذي لم نعد نراه، أ يُواصل إعلامنا الحكوميّ بثّ تقاريره عن جودة الحياة في تونس، وعن ارتفاع عائدات السياحة وتحسّن القُدرة الشرائية؟
أ تُواصِلُ وحداتنا الأمنية نشاطها الأخّاذ في القبض على قُصّرٍ يحملون في جِرابِهم “سيقارو زطلة” وسكّينًا حافيًا كإنجازٍ لا نظير له؟
أ تتوالى الزيارات والخطابات والكلمات ؟
تتوالى مراسِمُ العزاء عندنا، ويتحوّل الحزن إلى قاعدة والفرح إلى استثناء سريعٍ ومُخيف ننتظر بعده العوْد إلى الفقد والفجائع، وتتهاوى البلاد وتذوب المُدن كأنها “مُدن الملح”، ويتحوّل الأمل إلى ضرورة لا إلى ترف والتغيير إلى حتميّة لا إلى إرادة، من أجل ضحايا بنڨردان، والمزّونة وسليانة، وتالة، وسيدي بوزيد، وجرجيس، وڨابس وكلّ الأموات الشهداء، ومن أجل الذين لا يزالون على قيْد حياة، ينتظرون الحياة…
