انعقد أمس في العاصمة الأمريكية واشنطن أوّل لقاء رسمي مباشر بين ممثّل عن الدولة اللبنانية وممثّل عن كيان العدوّ الصهيوني، بإشراف أمريكي، منذ أكثر من ثلاثة عقود. وهو يحصل في نفس الوقت الذي ما زالت المقاومة اللبنانية تتصدّى فيه منذ شهر ونصف لغزو برّي جديد لجنوب البلاد.
تُقدّم السلطة اللبنانية هذا اللقاء كاستجابة لمبادرة التفاوض المباشر، التي دعا إليها الرئيس اللبناني جوزيف عون، بمعيّة رئيس حكومته نواف سلام. وهي الدعوة التي رفضتها، بعد تجاهل، حكومة العدو طيلة الأسابيع الماضية، قبل أن تقبلها إثر الإعلان عن وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، بما يشمل الحرب في لبنان. وحسب البيان الرسمي المنبثق عن هذه الجولة الأولى، فقد اتفق الطرفان على “إطلاق مفاوضات مباشرة في زمان ومكان يتم التوافق عليهما لاحقا”. أي من دون حتى حصول لبنان على وقف لاتفاق اطلاق النار، كان قد وضعه جوزيف عون شرطًا لمواصلة المفاوضات بعد أن رفض مع رئيس حكومته وضعه كشرط من إيران لبدء مفاوضاتها مع الولايات المتحدة.
وبغض النظر عن التبريرات الرسمية للسلطة اللبنانية أو لراعي المفاوضات الأمريكي، نحن إزاء تطوّر خطير قد يمثّل منعرجًا لمستقبل لبنان والمنطقة. وهو يأتي تتويجا لقرارات لبنانية رسمية أخرى تتالت منذ الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار إثر حرب الإسناد لغزة في أواخر نوفمبر 2024. وكان أوّلها قرار “حصر السلاح بيد الدولة” في أوت 2025، وآخرها إعلان “التنظيم العسكري لحزب الله خارجًا عن القانون” كردٍّ على قرار المقاومة الردّ على الاعتداءات الصهيونية بالتزامن مع بدء العدوان الأمريكي الصهيوني ضدّ إيران نهاية فيفري المنقضي.
في حقيقة الأمر، نحن إزاء جولة جديدة من الحرب الصهيونية الأمريكية، التي انطلقت غداة طوفان الأقصى، الهادفة إلى تغيير المشهد الاستراتيجي بالمنطقة. كان واضحًا منذ أواخر سنة 2024 أنّ محور الأعداء لن يتوقف عند تدمير غزة وإبادة عشرات الألوف من أهلها، بل سيحاول البناء على ما أنجزه لتحقيق تغيير جذري في الوضع الاستراتيجي، بما يضمن له ترسيخ الهيمنة الصهيونية على المنطقة برمّتها. وقد راوح العدوّ في ذلك بين القوة العسكرية والخداع السياسي، وهو ما تجلّى بوضوح في الساحة اللبنانية. إذ نجح العدوّ في الاستفادة لأقصى درجة من الخسائر القاسية للمقاومة خلال حرب الإسناد، رغم ما أظهره مقاتلوها من صمود أسطوري في التصدّي للغزو البرّي طيلة 66 يومًا.
ولا شكّ في أنّ السقوط المباغت لنظام الأسد في سوريا قد زاد من ارتباك القيادة الجديدة لحزب الله. اذ كان عليها أن تشرع في ورشة ترميم عميقة تحت القصف والاغتيالات المتواصلة طيلة خمسة عشر شهرًا، بالتوازي مع فقدانها طريق إمدادها بالسلاح وحليفها التاريخي وعمقها الحيوي في دمشق. وهو ما استغلّه المحور المعادي (اسرائيل، الولايات المتحدة، السعودية والإمارات) لتغيير المشهد السياسي لغير صالح الحزب عبر فرضه تنصيب جوزيف عون رئيسا ونواف سلام رئيسا للحكومة. وإن كان وصول الثاني مفاجئًا إثر مناورات غيّرت مجرى التصويت بالساعات الأخيرة، فقد كان وصول الأوّل متوقّعا ونتيجة لتفاهمات شارك فيها الحزب ومهّد لها حليفه نبيه برّي. إلّا أنّ عون خضع بدوره للضغوط الأمريكية والسعودية وتملّص من وعوده لقيادة الحزب بعدم معاداة المقاومة، فتبنّى بدوره خطاب “النأي بلبنان عن حروب الآخرين” وأنّه لا مكان للمقاومة وسلاحها بالبلاد.
يخبرنا تاريخ لبنان أنّ هذه ليست المرّة الأولى التي يحاول فيها اليمين الانعزالي اللبناني – من مختلف الطوائف – إبرام معاهدة استسلام للكيان الصهيوني والانضمام لمعسكر التطبيع. فقد حصل ذلك إبّان حكم حزب الكتائب عندما أبرم أمين الجميّل، الذي انتُخب رئيسا وقتها خلفًا لشقيقه بشير الجميّل (الذي اغتاله المناضل الحبيب الشرتوني بسبب تحالفه مع العدو الصهيوني)، ما عُرف باتفاق 17 أيار (ماي) 1983. سقط هذا الاتفاق قبل أقلّ من سنة من تاريخ عقده نتيجة لمعارضة جزء هام من الشعب اللبناني وقواه السياسية، بلغت ذروتها في انتفاضة 6 شباط (فيفري) 1984. وحينها لم يكن حزب الله سوى بعض خلايا مقاومة غير معروفة لا القوة السياسية الكبيرة التي قادت لاحقًا معسكر التصدّي للعدو الصهيوني.
صحيح أنّ التاريخ لا يعيد نفسه بالضرورة، وأنّ السياق الحالي أسوأ من تلك الحقبة. إذ لم يعد هناك في دمشق نظام معارض لمثل هذه الاتفاقات، ولم تعد بعض القوى السياسية اللبنانية التي مثّلت رأس حربة الحركة الوطنية وقتها بنفس صلابة الموقف من التطبيع (تحديدا الحزب الاشتراكي التقدمي بقيادة وليد جنبلاط، فضلا عن الحزب الشيوعي اللبناني الغائب عن الأحداث)، ونجح المحور المعادي في تحييد جزء هام من الطائفة السنّية عن الصراع ضدّ “اسرائيل” عبر الوصاية الخليجية والتجييش المذهبي المتواصل ضدّ حزب الله. لكن بالمقابل، راكمت المقاومة منذ ذلك الوقت خبرات قتالية وقدرات عسكرية كبيرة وباتت أكثر قدرة على الصمود – رغم الفارق الهائل في ميزان القوى – في وجه الآلة العسكرية الصهيونية فائقة القوّة والتطوّر.
من المحتمل أن تَمضي السلطة اللبنانية الخاضعة للعدو قُدُمًا في خطوات التطبيع الرسمي غير مبالية بدماء شعبها المسفوك ولا بالنوايا المُعلنة للعدوّ باحتلال ثلث مساحة لبنان. لكنّها تعلم، كما يعلم الجميع، أنّه لا قيمة فعليًا لما توقّع عليه من اتفاقات إذا لم تُسنده قوّة مادية على الأرض. وهو ما يجعل ترسّخ ما تقوم به مرهونًا بأحد أمرين: دفع الجيش الى مواجهة الحزب بهدف تجريده من سلاحه (وهو أمر مازال مستبعدًا لأنّه يعني ببساطة حربا أهلية مدمّرة للجميع)، أو التعويل على نجاح العدوّ الصهيوني في هزيمة المقاومة واضعافها تدريجيا إلى أن يتحقّق الهدف الصهيوني المُعلن من هذه المفاوضات: نزع سلاح حزب الله. والأرجح أنّ السلطة في لبنان، بتشجيع من رعاتها الدوليين والإقليميين، تعوّل على هذا السيناريو. وهو ما قد يعني احتمال انخراطها مستقبلا في التعاون الأمني والاستخباري مع العدوّ لتسهيل مهمّته. وهذا بدوره قد يؤدّي إلى سيناريو الحرب الأهلية الذي يسعى إليه العدوّ الصهيوني، لأنّه سيضعف لبنان ويستنزف مقاومته ويسهّل عليه التدخل العسكري المباشر. وبالتالي فإنّ السلطة اللبنانية بصدد انتهاج خيار لاوطني و”انتحاري” في الوقت الذي تزعم فيه أنّها تسعى لحماية البلاد وتجنيبها ويلات الحروب.
أمّا من جهة الحزب وأنصار المقاومة والخيار الوطني في لبنان، فإنّ الخيارات محدودة كذلك. إذ تنحصر في خيار وحيد: النجاح في الصمود أمام العدوّ وتكبيده خسائر جسيمة بما يكفي لمنعه من تحقيق أهدافه المُعلنة في هذه الحرب (إنشاء منطقة عازلة جنوب نهر الليطاني) وإجباره على وقف حقيقي ومستدام لإطلاق النار. بعد ذلك لن يكون صعبًا إجبار السلطة اللبنانية على التراجع عن جريمة التطبيع الغادر مع العدوّ.
بيد أنّ تحقيق هذا الهدف لن يكون سهلا على المقاومة. إذ سيتطلبّ الأمر معركة طويلة بما تتطلبّه من استمرار تزويد الجبهات بالسلاح والمقاتلين والمؤونة والخ. وهو ليس بالأمر السهل في ظلّ الموقف المعادي للسلطة وقطع خطوط الإمداد من سوريا. كما أنّ أصداء مسار التفاوض المتعثّر بين إيران والولايات المتحدة يدلّ على أنّ الإيرانيين تخلّوا عن شرطهم السابق بأن يشمل وقف إطلاق النار لبنان لبدء المفاوضات. ولا شيء يضمن أن يتمسّك الإيرانيون بهذه النقطة في بقية الجولات المحتملة للمفاوضات. وحتى إن تمسكوا ونجحوا في إقرارها، لا شيء يضمن عدم غدر الأمريكان، وخاصة الصهاينة، بما وقع الاتفاق عليه حول لبنان. فالتجربة علمتنا مرارا وتكرارا أنّه لا عهد ولا ميثاق لمحور الأعداء، وأنّهم لا يتراجعون الّا بفضل صمود المقاومة وتحت وطأة ما توقعه فيهم من خسائر.
نحن اليوم أمام لحظة مفصليّة، وإزاء مواجهة ستحدّد مستقبل إيران والمشرق وكلّ المنطقة العربية لسنوات قد تطول. فإمّا أن تنجح إيران ومحور المقاومة في الصمود ووقف النزيف الاستراتيجي، بما يسمح بترميم ما وقع خسارته والاستعداد لجولات قادمة من الصراع؛ أو ينجح الأعداء في تفكيك المحور وإشغال إيران بوضعها الداخلي وعزلها عن حلفائها في الإقليم، بما يسمح للمحور المعادي بتصفية سلاح المقاومة في لبنان ومواصلة الاستفراد بغزة ومقاومتها، وما يعنيه ذلك من تصفية فعلية للقضية الفلسطينية وبسط الهيمنة الكاملة على بقية شعوب الأمّة العربية.
بعبارة أخرى، لبنان، بل وكلّ منطقتنا، أمام خيارين: إمّا الاستلهام من نهج الصمود الذي يسطّره أبطال الجنوب في بنت جبيل وغيرها، أو مواصلة الغرق في مستنقع الاستسلام والتطبيع الابراهيمي والتبعية الذليلة التي تجسّدت في صورة لقاء واشنطن أمس.
