ليس شعب الصحراء الغربية من انهزم، ولا الشعب المغربي من انتصر

03/11/2025
Whatsapp image 2025 11 03 at 13.21.34

مساء الجمعة 31 أكتوبر 2025 صوَّت مجلس الأمن على قرار رقم 2797 (2-25) بشأن الصحراء الغربية، وهذه نقطته الرئيسية: “يدعو الطرفين إلى المشاركة في هذه المناقشات دون شروط مسبقة، على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، بهدف التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول للطرفين، يكفل تقرير مصير شعب الصحراء الغربية، ويقر بأن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل النتيجة الأكثر جدوى، ويشجع الطرفين على تقديم أفكار لدعم حل نهائي مقبول للطرفين”.

كانت الآلة الدعائية للنظام المغربي على أهبة الاستعداد لإعلان القرار نصرا تاريخيا لـ”المغرب” وهزيمة تاريخية لأعدائه من جبهة البوليساريو وداعمها الرئيسي، النظام العسكري الجزائري. لكن في الحقيقة لا الشعب الصحراوي انهزم ولا الشعب المغربي انتصر.

ليس الشعب الصحراوي من انهزم

الذي انهزم ليس هو الشعب الصحراوي، فهذا الأخير جزء منه يوجد في مخيَّمات تندوف تحت سيطرة ومراقبة عسكرية مطلقة من طرف عسكر الجزائر، وهم لاجئون لا حول لهم ولا قوة. أما الجزء الآخر فموجود في الصحراء الغربية، وكان آخر نضال جماهيري انخرط فيه هو مخيم إكديم إزيك قبيل اندلاع السيرورة الثورة العربية نهاية 2010 ومطلع 2011، والأصوات المنادية باستقلال الصحراء الغربية تتعرض لقمع شرس.

الذي انهزم هو الخط السياسي لمن اعتبر نفسه قيادة الشعب الصحراوي، أي الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (المعروفة اختصارا بالبوليساريو). منذ وقف إطلاق النار سنة 1991، وضعت جبهة البوليساريو كل بيضها في سلة المنتظم الدولي والنظام العسكري الجزائري.

اعتقدت البوليساريو أن مجلس الأمن سينفذ التزامه الوارد في مقرر 27 يونيو 1990 القاضي بتنظيم “استفتاء حر ونزيه بعد 24 أسبوعا من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ”. وكان هذا التعويل على المنتظم الدولي عقب أخيل جبهة البوليساريو، فمجلس الأمن تتحكم فيه القوى العظمى، ولهذه الأخيرة مصالحها مع النظام المَلكي المغربي، أكثرُ من تمسًّكٍ مثالي بحق واردٍ في ميثاق الأمم المتحدة مثل “حق تقرير المصير”. كما أن الحاسم كان هو من يملك القوة على أرض الواقع، وبإمكانه دوما تخريب التسويات الأممية؛ والمقصود هنا الدولة المغربية التي حسمت الصراع عسكريا لصالحها، إذ أصبحت معترفا بها دوليا كـ”إدارة للإقليم المتنازَع عليه”. وكان هذا يمنحها إمكانية تخريب الاتفاقات، وهو ما تجلى منذ وقت مبكر بعد توقيع اتفاق إطلاق النار، وباعتراف من الأمين العام للأمم المتحدة نفسه إلى رئيس مجلس الأمن (رسالة 25 مارس 1992): “… ولكن تعذَّر المضي في الالتزام بالجدول الزمني الأصلي بسبب الخلافات المستمرة في ما يتعلق بتفسيرات تنفيذ الخطة”… وسيكون هذا مصير “لحكم الذاتي”، إذ ستؤدي “الخلافات المستمرة في ما يتعلق بتفاصيل الحكم الذاتي” إلى تعذُّر الالتزام بتتفيذه.

ومن جهة أخرى، ولأن الظروف الموضوعية (العسكرية) فرضت على جبهة البوليساريو وقسم من الشعب الصحراوي الهارب من آلة الحرب المغربية اللجوء إلى أرض دولة أخرى، هي الجزائر، فقد ظلت الجبهة وقرارُها السياسي والعسكري، رهينة بالنظام العسكري الجزائري. هذا الارتهان جعل الجبهة تسكت دوما عن الطابع الدكتاتوري للنظام الجزائري وقمعه واستبداده بالشعب الجزائري ذاته. حتى في تصويت مجلس الأمن على القرار، لم يمتلك ممثل الجزائر شجاعة التصويت ضد القرار، وفضل الانسحاب من الجلسة! بينما اكتفت روسيا والصين بالامتناع على التصويت، في الوقت الذي كان بإمكانهما استعمال حق الفيتو، لكن يبدو أنهما يريدان قطف الثمار الاقتصادية لـ”السلام” على ظهر الشعب الصحرواي، من أن يعاكسا ما يُعتبَر أمرا واقعا.

لقد فوتت جبهة البوليساريو فرصة تضمين اتفاقِ وقف لإطلاق النار سنة 1991 عودتَها واللاجئين الصحراويين إلى الإقليم المتنازَع عليه، لبدء نضال سياسي هناك، بدل البقاء على أرض دولة أخرى، ما فتح المجال فسيحا أمام النظام المغربي للتحكم في خيوط اللعبة على أرض الواقع، وجعل من جبهة البوليساريو أكثر ارتهانا بأنظمة تُعارض المَلكية المغربية بناء على مصالحها الخاصة.

المسيرة الطويلة إلى الوراء: من حركة تحرر وطني إلى جهاز دولة

بدأت جبهة البوليساريو كحركة تحرر وطني تستلهم المُثل العالم- ثالثية، مدعومة من أنظمة حملتها إلى السلطة حركاتُ التحرر الوطني ونزع الاستعمار في أفريقيا بالأساس. تغيَّر السياق العالمي منذ انهيار الكتلة الشرقية بدايةَ تسعينيات القرن العشرين. ووصل إلى سدة الحكم في أفريقيا أنظمة تعمل على القطع مع ماضيها الوطني وصراع الكتل، وهو ما سهَّل أمام النظام المغربي العودة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017. ما بقي من داعمي البوليساريو هي أنظمة ديكتاتورية، وضمنها نظام القذافي الذي أطاحت به انتفاضة الشعب الليبي سنة 2011، ثم عسكر الجزائر. وكلا النظامين كانا يدعمان الجبهة “نكاية” في المَلكية المغربية، وليس إيمانا صادقا بحق الشعوب في تقرير مصيرها.

تحولت البوليساريو من حركة تحرر وطني إلى جهاز دولة (الجمهورية العربية الصحراوية) بجهاز بيروقراطي متضخم من شرطة وجيش وسلك ديبلوماسي، يعيش على الإعانات الخارجية وتابع بشكل شبه كلي لنظام الجزائر. تشبه تحولات الجبهة تلك التي وقعت داخل منظمة التحرير الفلسطينية (نهاية ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن العشرين)، فكلاهما أصبح جهاز دولة بدون أرض، ويسعى للحصول عليها لممارسة تلك السلطة، حتى وإن اقتضى الأمر مراجعات سياسية واستراتيجية واعتمادا شبهَ كليٍّ على ما يُطلق عليه “المنتظم الدولي وشرعيته”، مع تفادي أي نضال ميداني قد يُعقِّد الحصول على هذا التعاطف.

تلخص مسيرة جبهة البوليساريو قصة جبهات تحرر وطني مثيلة في المنطقة العربية؛ حركات تحرر بقيادة مدينية، أغلبها تمركسَ في سياق عالمي مؤاتٍ، لكن بقاعدة جماهيرية قَبلية، وهو ما أشار إليه فواز طرابلسي في كتابه عن ثورة ظفار. هذا التناقض بين الأيديولوجيا المتبناة من طرف جبهات التحرر وقاعدتها الاجتماعية، يجعلها تبحث عن دعم خارجي، عندما تحدث تغيرات اجتماعية (تفكك المجتمع القبلي) أو عسكرية (الخروج من أرض المعركة)، وكلاهما تحوّلان شهدتهما حركة البوليساريو.

جبهة البوليساريو: هي التي انهزمت في تصويت مجلس الأمن على القرار رقم 2797 (2-25) بشأن الصحراء الغربية يوم 31 أكتوبر وليس الشعب الصحراوي. وليس لدى الجبهة أي قوة لفرض أي حل آخر، خصوصا بعد موقف الجزائر وروسيا والصين، ويمكن أن يؤدي المعطى الجديد إلى خلافات في صفوفها، قد يفجّرها من الداخل.

ليس الشعب المغربي من انتصر بل المَلكية المغربية

حتى قبل التصويت على القرار في مجلس الأمن، جرى الإعداد للاحتفالات “الشعبية” بالنصر التاريخي للدبلوماسية المغربية. ومباشرة بعد التصويت انطلقت الاحتفالات وكأنها كانت تنتظر كبسة زر. لكن لتصويب الأمور، ليس الشعب المغربي من انتصر بل المَلكية المغربية هي التي انتصرت على جبهة البوليساريو وداعمها نظام الجزائر.

عكس البروباغندا الإعلامية، التي تصوِّر المَلكية تاريخيا على أنها محققة الإنجازات الوطنية، فإن التاريخ ينطق بعكس ذلك. لم يكن الاستقلال السياسي للمغرب نتاج انتصار حركة التحرر الوطني للشعب المغربي، بل نتاج هزيمتها.

منذ فرض الاستعمار سنة 1912، كانت المَلكية حليفة الدولتين الاستعماريتين ومُضفية الشرعية على الاحتلال. وبعد أن تأكد للجميع قرب زوال الاحتلال، مع تداعيات الحرب العالمية الثانية وانطلاق عملية نزع الاستعمار عالميا، التحقت المَلكية المغربية بالحركة الوطنية البرجوازية المغربية داعمةً مطالبها. كانت المَلكية مُدركة أن الاستمرار في التحالف مع الاستعمار سيؤدي إلى زوالها مع زوال الاحتلال. وكانت الحركة الوطنية البرجوازية تبحث عن سند في المَلكية لأنها لم تكن تملك سندا شعبيا حقيقيا في المجتمع. نتج عن ذلك تسوية، وراء ظهر الشعب المغربي وعلى حسابه، بين الأطراف الثلاثة: الحركة الوطنية البرجوازية (ممثلة في حزب الاستقلال) والمَلكية (محمد الخامس) وفرنسا. أقرت التسويةُ إعلان استقلال المغرب سياسيا، مع الحفاظ على العلاقات الاقتصادية مع فرنسا وبقاء قوات هذه الأخيرة في المغرب. كان ذلك في سياق استمرار الثورة الجزائرية، وقد اعتبر المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي، من منفاه في مصر، ذلك ضربة في خاصرة الثورة الجزائرية.

كان همُّ المَلكية المغربية طيلة العقدين التاليين لإعلان الاستقلال السياسي (سنة 1956) هو حسم السلطة السياسية على حساب شريكها آنذاك، أي الحركة الوطنية البرجوازية (حزب الاستقلال ثم حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية). لذلك تحالفت مع الجيشين الإسباني والفرنسي من أجل اجتثاث جيش التحرير الوطني في الجنوب، الذي أصر على استمرار الكفاح المسلح حتى زوال كل أشكال الاحتلال، بما فيها الاحتلال الإسباني للصحراء الغربية. نفذ الجيشان الفرنسي والإسباني عملية “إكوفيون” سنة 1958، حيث هوجمت القبائل الصحراوية بالقنابل، وجُرِّد جيش الجنوب من أسلحته، وازداد القمع الإسباني في المنطقة ضراوة. كافأ دكتاتور إسبانيا فرانكو التعاون المغربي بالتخلي له عن منطقة طرفاية سنة 1958. هذه هي حقيقة استعادة طرفاية التي يُحتفل بها على أنها إنجاز وطني للمَلكية المغربية.

وفي 1972 نظم بعض الشباّن الصحراويين تظاهرات ضد الاحتلال الإسباني، فقمعتها شرطة النظام بقوة. وأمام هذا الواقع، تأسست الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب في 10 ماي 1973، وفي العشرين منه أطلق الشهيد الوالي السيد أول رصاصة في الكفاح المسلح ضد الاحتلال الإسباني.

أمام هذا الواقع وخوفا من أن تتجاوزه الأحداث، وسعيا إلى حسم صراع سياسي شرس بين كل من المغرب وإسبانيا وموريتانيا والجزائر عشية انكباب الأمم المتحدة على الحسم في الخيار المستقبلي لاقليم الصحراء الغربية بعد الانسحاب الإسباني، دعا الحسن الثاني- الذي تخلى سابقا عن كفاح الصحراويين ضد الاحتلال الإسباني بل وقمَعهم- إلى مسيرة خضراء “لاستكمال الوحدة الترابية”، والتي نُفِّذت في نوفمبر 1975.

المَلكية المغربية: هي التي انتصرت في تصويت مجلس الأمن على القرار رقم 2797 (2-25) بشأن الصحراء الغربية يوم 31 أكتوبر وليس الشعب المغربي. وأصبح المجال مفتوحا أمام المَلكية كي تبتز البوليساريو بدعوة اللاجئين للعودة إلى المغرب، وادّعاء التعقل والرصانة بدعوة نظام الجزائر إلى التعاون.

ما يقع وراء ظهر الشعبين

ليس القرار الأخير سوى نقطة ختام لمسار بدأ منذ عقدين، وشهد انعطافته بعد إغلاق معبر الكركرات واعتراف ترامب بسيادة المغرب على الإقليم. توازى تقديم المغرب لمقترح الحكم الذاتي سنة 2007، مع الأزمة العالمية الاقتصادية التي بدأت بوادرها في نفس السنة، وأصبحت شاملة بدءا من سنة 2008. تحت وقع الأزمة أصبحت قارة أفريقيا محط أطماع وتنافس القوى العظمى، خصوصا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة، والصين الصاعدة بقوة من جهة أخرى.

يشبه النظام المغربي ربّان سفينة أصبحت رياح السياق العالمي مواتية له، فأبحرت سفينته حتى وضعت مرساتها على شاطئ قرار مجلس الأمن يوم 31 أكتوبر. أضحت القوى الإمبريالية أكثر ضيقا بنزاعات موروثة عن عصر الصراع بين الكتل، وعلى رأسها القضية الفلسطينية وقضية الصحراء الغربية. وليس صدفة أن تصويت مجلس الأمن على قرار مؤيد للمغرب جاء بعد الإبادة الجماعية لغزة وفرض استسلام مهين على حركة المقاومة الإسلامية حماس.

تريد القوى الإمبريالية تصفية ما تعتبره نزاعات سياسية تعرقل تمددها بأفريقيا ويتيح لها استغلال ثرواتها، وعلى رأسها المعادن النادرة. المَلكية المغربية واعية بهذا التنافس، وهي قانعة بدورها المحدود كمنصة إطلاق للرساميل الإمبريالية تجاه أفريقيا، لكنها تستعمل ذلك الدور المحدود من أجل إحراز انتصارات دبلوماسية، مثل الأخير في مجلس الأمن. والمَلكية المغربية لا تضع بيضها في سلة واحدة، فرغم أنها حليف استراتيجي للإمبريالية الأمريكية، إلا أنها لا تسدّ الباب على الامبرياليات الأخرى، وضمنها الصين وروسيا، إذ دخلت في شراكات كبيرة مع الرأسمال الصيني من أجل استغلال المعادن النادرة وتصنيع البطاريات الكهربائية، وهذا ما يبرّر اكتفاء الصين بالامتناع عن التصويت في مجلس الأمن، بدل استعمال حق الفيتو.

من أجل وحدة نضال الشعبين في أفق وحدة مغاربية

الخاسر الأكبر من مآل القضية الصحراوية، هما الشعبان المغربي والصحراوي، والرابح الأكبر هما المَلكية والإمبرياليات بصنوفها.

الاحتفالات الأخيرة، التي جرى تصويرها على أنها احتفالات شعبٍ مغربي بانتصار دبلوماسي لـ”ملكه”، لم تكن احتفالات تلقائية تماما، فقد كان وراءها إخراج وتدخل قَبْلي من طرف أجهزة الدولة. عمق الأزمة الاجتماعية وتفجيراتها تجعل أي التقاء لجماهير الشعب، حتى وإن كان احتفالا بنصر دبلوماسي، محفوفا بمخاطر تحولها إلى شيء آخر مناهض للنظام، خصوصا إذا استحضرنا أن نضالات شباب- جيل- زد وما فجّرها لم تغب بعدُ عن الصورة.

ستستعمل المَلكية نصرها الدبلوماسي من أجل تعميق الإجماع الوطني حولها. الملك محمد السادس بحاجة إلى نصر وطني على غرار سلَفيْه، حسب الدعاية الرسمية طبعا: محمد الخامس الذي حقق الاستقلال سنة 1956، الحسن الثاني الذي استكمل الوحدة الترابية (1975- 1979)، والآن محمد السادس الذي ضمن سيادة المغرب على الصحراء الغربية إلى الأبد. ونتذكر ما قاله الحسن الثاني لابنه آنذاك (محمد السادس حاليا)، بعد المسيرة الخضراء: “إن عرفت كيف تسوس، فإنني منحتك قرنا من الهدوء”، ولا بد أن هذا هو ما سيقوله محمد السادس لولي عهده ليلة 31 أكتوبر. ومن جهة أخرى سيُطلق هذا النصر الدبلوماسي يدي المَلكية للاستمرار في التطبيع مع الكيان الصهيوني، فهذا الأخير جرى تبريره بإقرانه باعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء.

سيعمل الزهو الوطني على ملء صدور الجماهير المغربية التي خرجت للاحتفال بالنصر الديبلوماسي، وسيُنسيها هذا خواءَ معدتها وفراغَ جيوبها… ولكن إلى متى؟ فحدّة الأزمة الاجتماعية وما تُعدّه الدولة من سياسات لاشعبية، تجعل جمرة الاستياء الشعبي والكمون النضالي متقدا. وقد يكون من حسنات هذا النصر الدبلوماسي أن الشعب المغربي سيتخلى عمّا كان يجعله قابلا لأوضاعه الاجتماعية: كل ما يقوم به تضحية من أجل استرجاع الصحراء واستكمال الوحدة الترابية، وقد يؤدي النصر الدبلوماسي اخير إلى استنفاذ مفعول تلك القضية.

إن وحدة الشعبين ضرورية من أجل النضال ضد الاستبداد السياسي. لكن قيادة البوليساريو عملت على تأبيد الانقسام باستراتيجيتها السياسية القائمة على التعويل الكلّي على نظام الجزائر، مانعة أي مشاعر تعاطف بين الشعبين، بل ووصف المغاربة العاملين في الصحراء بـ”المستوطنين”، في استعارة غير صائبة لسردية الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. بينما أجّجت المَلكية المغربية مشاعر الوطنية في غير اتجاهها الصحيح؛ بدل النضال الوطني ضد الإمبريالية (وضمنها استرجاع الثغور المحتلة من طرف إسبانيا)، تتحالف المَلكية المغربية مع الامبرياليات كسند لحسم ادعاءاتها بشأن السيادة على الصحراء الغربية… وفي هذا تتساوى المَلكية المغربية وجبهة البوليساريو.

ليس هناك من شعب يمكن أن يكون حرا بينما “حكومته” تضطهد شعبا آخر. يصدق هذا على الشعب المغربي الذي تضطهد دولته شعب الصحراء الغربية كما تضطهده هو أيضا. كما يصدق على جبهة البوليساريو التي تعتمد من أجل تقرير مصير شعب الصحراء الغربية على عسكر الجزائر الذي يضطهد الشعب الجزائري.

سيضمن التحرر من أنظمة الاستبداد، للشعبين المغربي والصحراوي تقرير مصيريهما بكل حرية، بما فيها ما ورد في مقرر مجلس الأمن (27 يونيو 1990): “تمكين شعب الصحراء الغربية من ممارسة حقه في تقرير المصير، والاختيار بين الاستقلال أو الاندماج مع المغرب”، مع تحبيذنا للاندماج، فلا يمكن مواجهة المعضلات الكبرى المطروحة على البشرية حاليا (الأزمة المناخية، التنمية الاقتصادية والاجتماعية، القطع مع التبعية…)، إلا في اقتصادات حجم كبير. وسيكون الإطار المغاربي الإطار الأفضل لتحرّر شعوب المنطقة، بدل التقوقع داخل الحدود القومية الضيقة.

———————————————————————————————————-


م: لا تعبّر الآراء الواردة في هذا المقال بالضرورة عن موقع إنحياز، وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصرًا.

مقالات ذات صلة

  • المشروع الأمريكي حول الصحراء الغربية: تقنين الاحتلال، وسلب الامبريالية لتقرير المصير

    تستفيد الإمبراطورية الاستيطانية الاستعمارية المسماة “أمريكا” من هيمنتها العالمية ورأسماليتها الاحتكارية، وتمارس دون أي رادع محاولاتٍ ممنهجة لمصادرة حق شعوب…

    رأي

    Whatsapp image 2025 10 31 at 17.31.22
  • خمسة أيّام هزّت المغرب

    استمرت الاحتجاجات التي دعا إليها شباب جيل- زد212 بالمغرب طيلة خمسة أيام (من 27 سبتمبر حتى 1 أكتوبر 2025). اتخذت…

    بلا حياد

    Capture d’écran du 2025 10 05 19 52 09
  • المغرب: جيل ز – 212 ، هل هي بداية كرة الثلج؟

    لليوم الثالث على التوالي تستمر تظاهرات شبيبة حضرية في مدن المغرب الكبرى. هذه هي السمة الرئيسية لنضالات شباب أطلق على…

    رأي

    Whatsapp image 2025 09 30 at 15.52.46
  • النزاع في الصحراء الغربية و طقس استحضار البعبع الإيراني

    يسود اعتقاد بين السياسيين الجدد في المغرب، ومن دعاة التطبيع مع الكيان الصهيوني، أنّ خير وسيلة للتقارب مع الولايات المتحدة…

    رأي

    Whatsapp Image 2024 12 02 At 19.00.03 (1)