عن الغناء للصمود والأمل.. مجسَّدًا في جورج عبد الله !

02/11/2025
Whatsapp image 2025 11 01 at 14.54.01

البعض يسألني عن إطار اللقاء بالمناضل الثائر الأممي جورج عبد الله بعد مشاهدة فيديو أغني له فيها “لن نموت”، قصيدة معين بسيسو. 

تردّدت في الكتابة، ولم أنشر الفيديو، ثم توصّلت إلى نتيجة أنّ مأزقي ذهني فحسب، وأنّ تلك الدقائق ليست لي بل تعبير على مكسب لنا جميعا. ولذا، ها أنا أشارككم هذه الكلمات العاجزة عن احتواء كلّ المعاني.

كلّ ما يسعني قوله هو أنّ لقاءه وعناقه كانا استمدادًا لقوّة الثبات بين الأحضان.  إذ أنّ جورج عبد الله هو تجسيد حيّ لأهمية العمل من أجل قلب موازين القوى ، ولأهمية وواقعية الأهداف والمطامح التحرّرية في العالم. فهو وحريّته المنتزَعة مثال على أنّ الأهداف لا تُحقَّق باستجداء “العدالة”، بل بتغيير موازين القوى. 
سُجن لأجل الحرية وصمد بقوة قناعاته ومقاومته للعدوّ. رافقه المتضامنون في الغرب والشرق، وحرّرته غزّة فعاد شامخا بفضل صموده وثباته.

في عناق هذا الرجل المحبّ والصادق الصامد، عناق لحقيقة أنّ العدو سيسقط أينما كان، وستُقطَع كلّ الأيادي التي يحرّكها لاضطهاد الشعوب وبسط هيمنته عليها.

هو الذي أمضى في السجن من السنين عمري على هذه الارض، لم يساوم وقاوَم. رسالته اليوم هي أنّه لن تكتمل حريته إلا بتحرير كلّ الاسرى وبدعم المقاومة،  تحديدا من أجل تحرير فلسطين، المعركة الأساسية والأخيرة لسقوط الإمبريالية. هذا نداءه وقناعته وواجبنا جميعا: بمساندة الاسرى والضغط لتحريرهم نساند ذخيرة ومستقبلا، الحاجة ماسة ولا وقت للانتظار، إذ العدوّ يعمل على تدمير النفسية والعقول بأبشع صور التعذيب والتنكيل والاهانة والاغتصاب والقتل، .

كان اللقاء في إطار الملتقى العربي الأوروبي المقاوم في بيروت ودام على ثلاثة أيام، في التاريخ السنوي ذاته الذي كان يتظاهر فيه رفاقه لمدى سنوات أمام سجنه بفرنسا ليطالبوا بتحريره. نفس التاريخ نعم، لكن غزّة قلبت الموازين وهو الآن حر يبرز للأوربيين الوجه الحقيقي للمقاومة، بعيدا عن شيطنة الإعلام الغربي له.

ثلاث أيام تلاقينا خلالها بفضله بأمّهات شهداء رافعات رؤوسهنّ، فخورات بالتضحية من أجل الكرامة والحرية، تعبّرن للعالم على أنّ التضحية ليست حبّا في الموت بل في الحياة. 
وقفنا الى جانبه في مقبرة شهداء مذبحة صبرا وشاتيلا، ومشينا في أزقّة فلسطين المُهجّرة التي تنتظر العودة في المخيّمات، حيث صور الشهداء والأبطال هي وجه الجمال الوحيد في أزقّة الانتظار التي لا ترى الشمس. إذ طال الانتظار وارتفعت البنايات لتسع في كل طابق أجيالًا من اللاجئين، وكٌلٌ يؤمن ويقسم : سنعود.

تحت ركامٍ مات السيّد الشهيد، يزوره الرجال والنساء ويتبادلون العزاء، ليخرجوا من مرقده مشحونين بالقوة والعزيمة بعد دموع الحرقة على فقدانه. قدّموا أعزّ وأغلى ما لديهم، فهل يبخلون بعده على المقاومة بأقلّ من قيمته في قلوبهم؟ 
مات الرمز لينشر بغيابه واستشهاده ثباتا لدى الجميع، لدى كل الأطياف والطوائف.

الصمود والمقاومة في فلسطين ولبنان حبٌ، حبٌ للحرية والحياة. 

تختلف التسميات وباطن الحقيقة هو ذاته: لا حرية دون تضحيات، لا صمود دون مقاومة، ووحدة الصف هي الأهمّ لأنّ الحرّ حرّ مهما كان دينه ومذهبه أو توجهاته الأيديولوجية، ومهما كان لون العَلم الذي يرفعه، فالمقاوم يموت من أجل علم واحد.

جورج الثائر الأممي الأسير المحرّر ينادي بالضغط لإطلاق سراح كل الأسرى والمعتقلين، ذخيرة الثورة، الأحرار في قلوبهم وعقولهم، المقاومون من أجل حريتنا جميعا. فلسطين ولبنان ليسا بلدين أو قضيتين، بل القضية هي اخضاعنا جميعا لنفس الهيمنة، وهم يقاومون ويدفعون ثمن حريتنا جميعا في ساحة أم المعارك، ولكلِ منّا أن يقدّم ما استطاع لا من اجل فلسطين فحسب، بل لأننا وإن لم تُهتك أجسادنا ولم يُقتل أبناؤنا ولم تهُدم بيوتنا في بلداننا التي لا تعرف واقع الحرب الدموي، إلا أنّ إنسانيتنا تموت فينا مع كل طفل ورضيع يُقتل، وتهوي أسقف المنطق والعقل على رؤوسنا بسقوط كل بيت دُفن أصحابه بين أنقاضه. 

هم أصحاب الأرض وكلّنا نفس القضية.

أبرز الملتقى الذي رعاه جورج للأوروبيين من اليساريين، الذين يهاب بعضهم اللحية الإسلامية واللونين الأصفر والأخضر، أنّ المقاومة فكرة وفلسفة وواقع وهدف وضرورة لونها واحد :أبيضٌ بياض حبّ الحياة، يقف الأحمر إلى جانبها رفيقا، والصفّ يجب أن يُوَحَّد.

الاسم: أخ/رفيق 
اللقب: مقاوم
الطائفة: الحبّ
العنوان: الحرية

تتالت عشرات الخطابات خلال الملتقى، وإن لم تعرف أسماء المتحدثين أو لم ترى أشكالهم، بل أصغيتُ اليهم فحسب،  يصعب التمييز في المرجعية حيث  الأهداف هي نفسها. تصغي إلى المقاومة الإسلامية تتحدث عنها والماركسي فلا يختلفان، المقاومة عزة وكرامة، دفاع عن الارض والحق والعدالة والحرية ووقوف في وجه المعتدين،  سواء كانت هي القوى الإمبريالية أو القوم الظالمين، لا تختلف الحقيقة باختلاف التسميات.

جورج إبراهيم عبد الله، رمز في نضاله ثمّ رمز في سجنه ورمزٌ بعد تحريره. على عهد مع نفسه وبوصلة، يوحّد بهيبته الصفوف ويبعث في النفوس قوة وعزيمة لننهض، كلُّ منّا من موقعه وكلٌ منّا بامكانياته، بواجب دعم قضية الأسرى، كل الأسرى. 
علّ ما جعلني أفقد صوتي حماسا وأنا أغنّي هي تلك النار الهادئة المنبثقة منه، والتي ملأت عيناي وهو أمامي، نابعة من قلبٍ محبٍّ صادق.

رعى الرفيق هذا اللقاء من اجل وضع ملف الاسرى على رأس قائمة  المهام التضامنية داعيا للعمل والضغط لتحريرهم من سجون الكيان الصهيوني، والحث على مزيد العمل و التنسيق بين مختلف المكونات، حيث مُسحت ملامح الإنسانية في سجون الابادة التي تحولت إلى مسالخ بشرية. مساجينٌ هم الجلّادون في أذهانهم المريضة بداء لا شفاء منه. فان لم نقاتل ولم نحارب، فلنحرّر الاسرى ليحرّروننا.

منذ معانقته للحرية ووصوله لبيروت، وما بعدها، ثمّ على مدى أيام الملتقى، ذلك الرجل الذي كان يعيش وحده في زنزانة لواحد وأربعين عاما تكلّم واستمع إلى الكثيرين وأعطى كُلّ وقته وجهده للحاضرين. أطلق عليه أحدهم اسم “القدّيس جورج”، ولعلّ هذه التسمية لماركسي هي صورة معبّرة لتلاشي حدود المفاهيم الضيقة والألوان والأعلام، إذ تضفي على العمق عُمقا وللصدق صدقا، وتؤكد على وحدة الحقيقة في عالم نِلنا فيه من التقسيمات ما فيه الكفاية. وقد كشفت حرب الإبادة في غزة كلّ وجه على حقيقته ومازال عرض الحقائق متواصل حتى يهوي قصر الإمبريالية الورقي ويسقط.

بدا لي أنّ الرفيق لا يحب المجاملات ولا تعابير الإعجاب والشكر، يجيب عليها بابتسامة مؤدبة صامتة، ولا يرى في الطريق إلا ما وجب قطع مسافته والبقية تفاصيل دنيوية شبيهة بغشاء. كان هذا شعوري.
حين تراه يأتيك يقين بأنك في حضرة رجل أدرك البصيرة، له من الوضوح زادٌ وثروة لنا ما دام بيننا، ينفر الانهزامية والانهزاميين، ويرى بوضوح فيه درسٌ وخريطة ورؤية للمستقبل.

سُرقت منه سنواتٌ أبعدته عن العمل من أجل ما لا معنى لوجوده من دونه: المقاومة والنضال والثورة، ممارسةً لأسمى مفاهيم الُحب.
كان لغيري من الرفاق قسط أوفر للحديث معه، ولكل في بيته مكان مخصّص لصورة معه، أنصتّ له كثيرا واكتفيت بالقليل، سعيدة بوجوده بيننا، أملأ عيناي بالمشهد ولا يغيب عن ذهني رفاقه الذين رحلوا وغابوا عن اللقاء المنشود. لم أشعر بالحب إلا في حضرته وإن لم أكلّمه، فماذا لي أن أقول له؟ وأحسست في كل مرة عانقته فيها بأنها الأخيرة ولم تكن.

تحوّل الأمل إلى حّجة يا رفيق.

رأيت بعيني، فهمت وفهمنا، لابدّ للقيد ان ينكسر. انّي أعلم وأبشّرك بأنك ،أنت، لا تموت.

مقالات ذات صلة

  • فيديو | اعتصام “المعارضة النقابية”: فرصة “لإنقاذ الاتحاد” أم “تدميرٌ” له؟

    تقرير لإياد بن مبروك بمساهمة غسان بن خليفة يتواصل اعتصام "المعارضة النقابيّة" منذ يوم 25 جانفي الجاري في بطحاء محمد…

    الأخبار, عمّالية, هام

    اعتصام المعارضة النقابية
  • سبعة أيام من الاعتصام : ساحة موحلة… وقلوب معلّقة

    غربت الشمس سريعا وحلّ وقت حظر التجوّل، ومطمح القبلة التي حلم بها يوسف طوال العشية لا يزال بعيد المنال، بسبب…

    أدب وفنون

    WhatsApp Image 2026 04 07 at 21.16.34
  • لا يجب أن تقف آخر قلاع مقاومة أمريكا وحيدة

    إن المرحلة الجديدة من الإمبريالية التي تقودها مستوطنتا الشر الصهيو-أمريكية قد أماطت اللثام عن نتائج عقود من العمل الأيديولوجي والتوسعي…

    رأي

    WhatsApp Image 2026 03 30 at 15.26.35
  • سبعة أيام من الاعتصام: أوتاد في مهبّ الريح

    شرعت الرياح تعصف بشدة، فأطارت في الحال الأوتاد التي كانت تشد الخيام إلى الأرض، وقوّضت عن بكرة أبيها الأسس الهشّة…

    أدب وفنون

    Capture d’écran du 2026 03 26 18 37
  • حول أسطول الصمود.. اغتيال جديد للرمز والذاكرة

    تتميّز سياسات الدولة التونسية منذ عقود باغتيال الرمزيات ومحوِها، وطبعت بذلك سلوكاً لدى شريحة واسعة من الأفراد، لتُختَزَل في الممارسة…

    بلا حياد

    مقال حول اسطول الصمود