تدلّ جلّ الوقائع على أنّ ما يجري في سوريا حاليا (هجوم قوات الجولاني على “قسد”) هو بالأساس صفقة أمريكية تركية. الولايات المتحدة تسمح لحليف أنقرة بالسيطرة على مناطق أوسع ذات أهمية اقتصادية من سوريا، بما يسمح له بتحسين الوضع الاقتصادي وادعاء تحقيق انجازات، كما يتيح له تمرير القبول بالأمر الواقع الصهيوني في جنوب سوريا (احتلال جبل الشيخ ومناطق أخرى وخروج السويداء عن السيطرة). المقابل من الجولاني دُفع مسبقًا ومازال يُدفَع (اخراج ايران وقطع طريق الإمدادات عن الحزب وبناء علاقات تطبيعية مع العدو الصهيوني). ماهو ليس واضحا بعد، المقابل الذي وافقت تركيا على دفعه، والخشية أن يكون الثمن رأس ايران.
إلى ذلك، ما يحصل للأكراد محزنٌ بكلّ الأبعاد. هذا شعب أصيل من شعوب المنطقة، وليس مجرّد أقلّية اثنية، تلاعبت بمصيره الخرائط الاستعمارية (اتفاقية سايكس بيكو 1916 واتفاقية لوزان 1923) وحرمته من حقّه في تقرير المصير. ولم تعرف الأنظمة العربية التي تعاقبت على العراق وسوريا كيف تحتوي المطالب الُمحقّة للمكوّن الكردي وتُقنعه بأنّ البقاء ضمن حدودها أفضل من الإصرار على خيار الاستقلال المستحيل، أو أن تتوصّل مع قياداته إلى استقلال لا يكون معاديًا لمصالح العرب.
لا شكّ أنّه لا يمكن اختزال تاريخ الأكراد وعلاقتهم بأنظمة المنطقة (التي تقلّبت بين الصراع والتحالف) في سطور قليلة، أو إغفال خصوصية كلّ حالة، وما يشقّ صفوفهم من اختلافات، وحتى تناقضات. إذ لطالما كانت قيادة حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل بتركيا، ولاحقا فرعها السوري ممثّلا في حزب الاتحاد الديمقراطي (الذي يقود قوات سوريا الديمقراطية “قسد”)، في خلاف حاد مع أحزاب كردستان العراق، وصل إلى التقاتل في بعض المراحل. وقد كان من أهمّ أسباب ذلك، مراهنة كلّ طرف على دول إقليمية ودولية ذات مصالح متباينة، بعد أن كانا متّحدين في بداية الثمانينيات على هدف محاربة الامبريالية الأمريكية بسبب دعمها لنظامي العراق وتركيا.
في كلّ الأحوال، أدّى فشَل أنظمة المنطقة وحساباتها الضيّقة، معطوفا على انتهازية وضيق أفق بعض القيادات الكردية، إلى أن تحولت المسألة الكردية المشروعة إلى ورقة بيد أعداء شعوب المنطقة (الأمريكان والصهاينة بالأساس)، يناورون ويساومون بها بما يتوافق مع أهدافهم. وها نحن نرى كيف أنه بعد أن انتهت الأدوار المطلوبة من أكراد العراق (في اضعاف وحدة العراق وتوفير قاعدة ارتكاز للموساد) وأكراد سوريا (إضعاف نظام الأسد ومحاربة داعش)، مازال جزء من أكراد ايران منخرطين في الأجندا الأمريكية والصهيونية لضرب نظام طهران وإلغاء دورها المتحدّي للهيمنة.
من الغباء أن يشمت بعض العرب فيما يحصل مع الأكراد، لأنهم بصرف النظر عن كلّ شيء أحد شعوب هذه المنطقة ولن يرحلوا عنها. بل يجب التفكير في بناء علاقات مستقبلية تضمن مصلحة الأُمّتيْن (وهو ما يتطلب أوّلا أنظمة عربية متحرّرة من الهيمنة). في الأثناء، يقدّم لنا الأكراد – رغمًا عنهم – درسًا جديدًا عن النتيجة الحتمية للمراهنة على الأمريكان والصهاينة.
