أعاد موقع الكتيبة منذ أيام نشر مقال حول تأثير المكيّفات على العجز الطاقي في تونس. أو فلنقل بالأحرى أعاد نشر مقتطف من ذلك المقال يلخّص أزمة الستاغ في الامتيازات التي يتمتّع بها موظّفو وموظفات الشركة بمجانية الكهرباء. وركّز القائمون على هذا الموقع على ما يرونه مفارقة بين الأزمة المالية التي تعيشها الشركة التونسية للكهرباء والغاز وكلفة هاته الامتيازات. ويأتي هذا المنشور على مسافة أيّام من إضراب تنوي نقابة الشركة تنفيذه. رسالة المنشور واضحة: تحميل العاملين/ات في الشركة المسؤولية الأساسية في ما آلت إليه الأوضاع في الستاغ. ورغم أنّ موقع الكتيبة يعتبر نفسه من الأصوات البديلة في المجال الإعلامي، إلاّ أنّ هذا الخطاب ما هو إلاّ رجع صدى للمقولات البالية بوسائل الإعلام المهيمنة، والتي صدّعت آذاننا قبل 25 ج وبعدها. كما أنّه خطاب لا يختلف كثيرا عمّا يردّده المسؤولون، تقريبا في جميع المجالات، كلّما تعلّق الأمر بالحالة المزرية أو الأزمة المالية لمؤسسة ما أو في قطاع ما.
قد يبدو الأمر غريبا من مؤسسة إعلامية تقول عن نفسها “بديلة” و”جادّة”، وهي حقا في مجالات معيّنة يُمكن أن تُعتبر كذلك. فهي، وغيرها من المؤسسات الإعلامية التي تتعرّض إلى نيران توابع السلطة لما تقوم به من أعمال استقصائية جدّيّة حول التضييقات التي يتعرّض لها مهاجرو أفريقيا جنوب الصحراء في تونس أو فيما يخصّ ما سُمّي بقضية التآمر على أمن الدولة وغيرها من المواضيع التي تهمّ حريّة الرأي والتعبير في تونس. إلاّ أنّ نقد السلطة يقف عند هذا الحدّ بالنسبة لهاته المؤسسات. ولئن يتطلّب هذا العمل الصحفي شجاعة وجرأة لا يمكننا إلاّ أن نحيّيها في سياقنا الحالي، الذي يتميّز بتضييق متزايد على الحريّات وعلى العمل السياسي، إلاّ أنّ ما يقومون بها في المجال الاقتصادي والاجتماعي والخطابات التي يجترّونها كلّ مرة تضعهم في خانة الحلفاء الموضوعيين للنظام القائم، أي نظام التبعية والتوافق الاستعماري الجديد الذي تعيشه تونس وسائر بلدان الجنوب العالمي.
يجب أن نتفق أوّلا حول ما نقصده بهذه المصطلحات. المقصود بالتبعية ليس كما يمكن أن نفهمه بأنّنا مرتهنون للخارج في أساسيات عيشنا، فسائر بلدان العالم يمكن أن تعتبر اليوم كذلك ولم يعد هناك دولة تعتمد على نفسها في جميع أساسياتها، وما مثال الدول الأوروبية المرتهنة للغاز الروسي أو النفط من البلدان المصدّرة للبترول إلاّ خير دليل على ذلك. لكن المقصود بالتبعية هو ارتهان كافة البنى الاقتصادية للبلاد لمتطلبات السوق العالمية وفقدان أيّ نوع من السيادة في السياسات الزراعية أو الصناعية أو الطاقية أو غيرها، حيث يتمّ تحويل وجهة جميع البنى الاقتصادية والزراعية وحتى التعليمية من أجل الاندماج في السوق العالمية وتحصيل عملات التجارة العالمية (أي ما يُسمّى بالعملة “الصعبة”). فتتحوّل مثلا الأراضي المخصصة لزراعة الحبوب إلى زراعات زياتين وقوارص ويتمّ إنشاء مناطق صناعية وتخصيص كمّ هائل من اليد العاملة لصناعات النسيج والكابل الموجهة للتصدير ويخضع جهاز التعليم العالي لـ”نصائح” و”توجيهات” البنك العالمي من أجل إنشاء مسارات وإلغاء أخرى وتحديد محتوى البرامج للإيفاء بمتطلبات “سوق الشغل” (العالمية بطبيعة الحال)، وتجدنا نخصّص موارد هامّة لتكوين المهندسين/ات في الإعلامية والبرمجة ونهمش اختصاصات مثل الهندسة المدنية والفلاحية والمائية. وهذا ما يدخل البلاد في دوّامة أبدية من الاستغلال لقوّة عملها ومواردها من بلدان الشمال. ومن جملة الموارد الثمينة التي صرنا “نُصدّرها”: تأمين مصالح بلدان الشمال، أي تأمين استثماراتها، تأمين الطرق التجارية، وأخيرا تأمين حدودها الجنوبية لمنع موجات الهجرة غير النظامية من الوصول إلى شواطئها.
وأمّا عن التوافق الاستعماري الجديد فالمقصود به هو جملة المفردات والشعارات والخطابات الليبرالية التي تعمل على تأبيد نظام التبعية هذا. هذه المفردات والشعارات صارت تشكّل معجما بسيط الملامح يستقي منه الخبراء والمعلّقون (الكرونيكورات) والمحلّلون ويطلقونه في مونولوجات رنّانة على جميع المنابر بوثوقية وعنجهية تجعلنا نكاد نصدّق أنّهم أوّل من قال ما يقولون لولا تشابههم علينا…. فنحن دول “غير منتجة”، يستشري فيها “الفساد” و”المحاباة” و”المحسوبية”، ونحن كدولة “نستهلك أكثر ممّا ننتج” ونقترض من الخارج “لنسدّد الأجور”، ويجب أن “نشجع الاستثمار” وأن “نقضي على البيروقراطية” و”نُفجر الطاقات”… هذا دون أن ننسى ذلك الشعار الذي صار يرفعه الجميع من موزاييك وآكسبراس وصولا إلى موقع الكتيبة، ألا وهو شعار “مناهضة الريع”… شعارات وتأطير للظواهر تتناسب مع طرح الامبريالية وأذرعها التمويلية في أنّنا مسؤولون عن وضعنا المتردّي وكأنّنا معزولون عن العالم الذي يتحكّم فيه رأس المال العابر للقوميات ولا يتميّز بهيمنة دول الشمال على الجنوب العالمي، وكأنّنا في عالم لم يعرف استعمارا مباشرا ولا تواصلا لهذا الاستعمار، في شكل دول “مستقلّة” بموجب اتّفاقيات حافظت على امتيازات الاستعمار من استغلال ونهب للموارد وللعمل وأمّنت للقوى الاستعمارية مساراتها التجارية وحدودها. من أهمّ آثار تلك الخطابات والشعارات المستوردة من “أدبيات” مؤسسات التمويل الدولية هو إضفاء الشرعية اللازمة لإجراءات قاسية مثل التقشف والخوصصة وتراجع الدولة في مجالات الإنتاج وتحرير سعر العملة وكسر الاحتكارات في القطاعات المنتجة وتفكيك قوانين الشغل والحماية الاجتماعية. وهي العلاجات المثالية لـ”سوء الحوكمة” و”البيروقراطية” و”الفساد” و”كلفة الأجور المرتفعة” و”ركود الاستثمار”…
وهكذا “تتفجّر الطاقات” و”يتشجع الاستثمار المحلّي والأجنبي” و”يرتفع مستوى الإنتاج” ويتحسّن بذلك مستوى عيش الجميع… وأساطير أخرى يروونها لأنفسهم ولنا… أما النتيجة العملية هي بكلّ بساطة تعميم الهشاشة لتنخفض كلفة العمل وفتح مجال الربحية لرؤوس الأموال في أكبر عدد من القطاعات الحياتية والمربحة من صحة وطاقة وزراعات تصديرية وتعليم، وتتفاقم الحاجة للعملة الصعبة ونقبل بمزيد من الاتفاقيات وآخرها اتفاقية “التنسيق الأمني” مع إيطاليا لحماية الشواطئ الأوروبية من المهاجرين. يقول تميم البرغوثي في معرض حديثه عن اتفاقيات أوسلو: هي اتفاقيات تمكّن المُستعمر من ثمار الاستعمار دون أن يتحمّل تكاليفه العسكرية…
نكاد نجزم أنّ الجميع يتبنى اليوم هذه الشعارات من الإعلام الرسمي وشبه الرسمي والإعلام “البديل” في سمفونية من التوافق والإجماع… شعارات أثبت الواقع وأثبت الاقتصاديّون والأكاديميّون الجدّيّون زيفها، من سمير أمين بحديثه عن التبادل غير المتكافئ وصولا إلى جازون هيكل ومجموعة من الباحثين الذين قدّموا دراسة مهمّة حول حجم النهب الحاصل لبلدان الجنوب من بلدان الشمال وقدّره بما يساوي 23% من الناتج المحلّي الخام لدول الجنوب مجتمعة من 1960 إلى 2015. وقد تفاقم هذا النهب منذ بداية الثمانينيات وانطلاق ما سُمّي ببرامج “الإصلاح” الهيكلي. نحن دول منتجة. لكنّ إنتاجنا موجه للخارج ونحن نكرّس جميع مواردنا لهذا الهدف. حاولنا بدورنا مرارا وتكرارا في موقع “انحياز” أن نكون منبرا لهؤلاء. لكن لا حول ولا قوّة للخطاب العقلاني ضدّ الأيديولوجيا وضدّ هذا الإجماع والتوافق الاستعماري.
لنعد الآن إلى ما قام به موقع الكتيبة. هو للأسف لا يشذ عن ممارسات الإعلام السائد كلّما تعلّق الأمر بإضرابات أو أيّ نوع من الأزمات. الحديث عن أزمة مالية، البحث عن بعض الأرقام بعينها، غالبا ما تكون أرقاما تخصّ الأجور، الاكتفاء بهذه الأرقام كمعلومة، ثم تقديم استنتاج غالبا ما يكون مزيجا من الصدمة والأسف فيما يشبه ما درجت على القيام به صفحات الإثارة (“البوز”) والفضائح -لكن “بديلة” و”جادّة”-. سنأخذ منشور موقع الكتيبة حول الستاغ كعيّنة لذلك لما تتكثف فيه من شعارات وأفكار يتمّ ترويجها تحت عنوان “الجديّة” و”الاستقلالية” و”الحياد” و”الموضوعية”، ولما فيه من توجيه للأنظار ولأصابع الاتهام للحلقات الأضعف ولما يتميّز به من تغييب للأسباب الهيكلية والتاريخية لأزمة الستاغ.
يقول المنشور ما يلي:
“
في الوقت الذي تتكبد فيه #الشركة_التونسية_للكهرباء_والغاز “الستاغ”
خسائر فادحة تجاوزت 4153 مليون دينار خلال العقد الأخير، وتتفاوض حاليا حول قروض بقيمة 3.5 مليارات دينار للمساهمة في تمويل استيراد #الغاز_الطبيعي، تواصل المؤسسة نفسها تمتيع موظفيها بامتياز مجانية استهلاك الكهرباء بقيمة قدّرت سنة 2014 بـ 11.4 مليون دينار، في مفارقة تثير أسئلة ملحة حول أولويات الإصلاح والحوكمة في مؤسسة عمومية تواجه صعوبات مالية كبيرة فاقمها الطلب المتزايد على الطاقة وتراكم الديون وتضخم تكلفة الأجور.”
هذا المنشور كان مرفوقا برسم بياني حول تطوّر عدد أعوان الشركة و”كلفة” الأجور:

يتضمّن المنشور بعض الكلمات المفاتيح الأساسية: “خسائر فادحة”، “قروض”، “تمتيع موظفيها بامتيازات”، “الإصلاح والحوكمة”… أي زبدة الفكر الببغائي الليبرالي والذي يمكن تلخيصه في فكرة ساذجة: تتكبّد الشركة التونسية للكهرباء والغاز خسائر فادحة جرّاء الامتيازات التي تُمتّع بها موظّفيها وعليه يجب الإصلاح. من أين يبدأ هذا الإصلاح؟ من قطع دابر هذه “الامتيازات”!!
فلنبدأ أوّلا بعملية حسابية بسيطة يمكن حتى لكاتب ذلك المنشور أن يقوم بها: وهي أن نقوم بعملية تعداد أرقام. من 1 إلى 11.4 مليون (أي حجم “الامتيازات”). إن افترضنا أنّ تعداد كلّ عدد يستغرق ثانية واحدة، فإنّ هذه العملية ستدوم تقريبا 132 يوما. أمّا إذا قمنا بالتعداد من 1 إلى 4153 مليون، فإنّ العملية هنا ستستغرق تقريبا 132 سنة… لا ننصح من يريد فهم معنى كلمة “تناسب” أن يتوجّه إلى الكتيبة، فلديهم إشكال واضح في فهم الأرقام وحجمها ولا نفهم كيف حصروا مشاكل الستاغ المالية الكبيرة في خانة الامتيازات التي يتحصّل عليها الموظفون/ات وهي لا تمثل حتى 0.3% من حجم “الخسائر”. سيقولون بنفس الوثوقية أنّ حجم “الخسائر” بلغ “10 مليون دينار” أو “10 مليار دينار”. المهمّ هنا ليس الرقم بل النبرة والمعجم والإيموجي الأحمر والأسود والذي لا يمكن لجالس في أمان الله إلاّ أن يتأثر بها فيهتزّ لحجم الفضيحة. “عيطة وشهود على ذبيحة قنفود” -رغم حبّنا لتلك الكائنات اللطيفة-. وهذه خاصيّة أولى من خصائص الفكر الليبرالي وببغاءاته: منطق الفضيحة المتواصلة والتي تخدّر آليّا أيّ قدرة على التفكير الرصين… تَسقط الحقيقة أمام الفضيحة!
يمكن أن نقول كلمة أخرى في مسألة الامتيازات هذه. يتمتّع أعوان الستاغ بمجانية الكهرباء المنزلي مثلما يتمتّع أعوان شركات النقل العمومية بمجانية النقل وأعوان الصحة العمومية بمجانية العلاج في المستشفيات العمومية وغيرها من القطاعات الأخرى. هذه امتيازات مكتوبة، والعيب فيها أنّها مكتوبة ويمكن حتى حصرها مادّيّا، وعليه يسهل توجيه أصابع الاتهام لهؤلاء “المتمعّشين” “دون وجه حقّ”. وكثيرا ما يُلام كذلك على هؤلاء آلية تمكين أبنائهم وبناتهم من تعويضهم في نفس الوظائف عند خروجهم للتقاعد… بينما لا توجّه مثلا أصابع الاتهام لا للأساتذة ولا الأطباء ولا المهندسين ولا المهن ذات الشأن اجتماعيا لما يتمتّعون به من امتيازات رمزية واجتماعية. يفسّر بورديو وباسّرون في كتابهما “إعادة الإنتاج” (La Reproduction) كيف أنّ المدرسة هي جهاز لإعادة إنتاج التراتبية الاجتماعية وكيف أنّ ثقافة النجاح (La méritocratie) ما هي سوى وهم أنتجه المجتمع لإضفاء شرعية لهاته التراتبية. فأبناء المدرّسين والأطباء والمهندسين والإطارات العليا في البنوك غالبا ما تكون لهم الامتيازات الثقافية والرمزية والمالية الكافية، والتي ورثوها عن عائلاتهم، كي يتموقعوا اجتماعيا في نفس مواقع والديهم. كذلك فإنّ أصحاب هذه المهن يتمتّعون بأرصدة مالية وثقافية ورمزية واجتماعية تمكّنهم من الولوج لشبكة علاقات اجتماعية تمكّنهم من امتيازات لا تُحصى ولا تُعدّ: من سهولة العلاج وصولا إلى أبسط الخدمات الإدارية. هذه الامتيازات لا يمكن أن تُقاس “ماديّا”، ولا يمكن لأصدقائنا في الكتيبة أن يَرَوها. وهذه خاصيّة ثانية من خصائص الفكر الليبرالي وببغاءاته: ليس هناك مجتمع يشتغل بقوانين، سهلة المنال بالنسبة لصحافة “جادّة” تبحث حقّا عن الحقيقة لكن عصيّة عن الفهم لمن أعمته الأيديولوجيا. بالنسبة لهم هناك فقط أفراد يتصارعون من أجل البقاء ولا تُقاس أحقيّتهم إلاّ بمدى “نجاحهم”. وإن تحصّلت مجموعة ما على امتياز معيّن، فبالنسبة إليهم هذا امتياز سيدفع ثمنه “دافع الضرائب”، أي ذلك الكائن الفرداني “صاحب الحقّ”. والغريب هنا أنّ معجم الحقوق الكونيّة يختفي ليحلّ محلّه معجم الأطفال المدلّلين ولم نعد نتحدّث لا عن “مواطن” ولا “إنسان” بل عن “دافع الضرائب” الذي ينتظر مقابلا مباشرا لما يدفعه مثل أيّ حريف في متجر… أخي في الكتيبة، ما دفعته وما ستدفعه طيلة حياتك المهنيّة من الضرائب لن يغطّي ما تمتّعت به من تعليم مجاني ورعاية صحيّة -حتى أطبّاء القطاع الخاصّ هم أبناء المدرسة العمومية- وتلاقيح -والتي اختفت اليوم تقريبا- واستثمارات ضخمة طيلة عقود أتت لك بالطرقات والكهرباء والماء والصرف الصحّي حتى باب منزلك -مع تمتّعك بأسعار “شعبيّة”- وما وفّرته لك من غذاء متوازن عبر دعمها لمنظومات الحبوب والألبان والبيض واللحوم البيضاء والحمراء طوال عشرات السنين… أي بالضبط ما تدعو لمواصلة تفكيكه! نحن مجتمع ولسنا مجموعة أفراد، لكن ما يريده الفكر الليبرالي ودعاته هو بالضبط تفتيت المفتت وعزل الناس بعضها عن بعض وكسر كلّ إمكانيات العيش المشترك.
ثالثا: التركيز على “الخسائر”. وهذا أمر صار يشبه القاعدة في تناول المسائل المتعلّقة بالمؤسسات العمومية بصفة خاصة، وكلّ ما يخصّ المشترك الذي تعبّر عنه الخدمات العمومية و“اليد اليسرى للدولة“ بصفة عامة. ما لا يذكره هؤلاء هو أنّ الستاق حققت مثلا رقما استثنائيا في نسبة الكهربة في البلاد التونسية (100% تقريبا) ويتمّ فقط التركيز على الخسائر كما لو كانت القطار الوحيد الذي لا يأتي في موعده. ما لا يمكن أن يفهمه هؤلاء أن الولوج للطاقة الكهربائية صار من الحقوق الأساسية لكلّ إنسان، مثله مثل الحقّ في الصحة والتعليم والماء والنقل. ولهاته الحقوق بطبيعة الحال كلفة نقديّة يجب أن تتحمّلها المجموعة، وهو أمر عاديّ وعلى الدولة أن تقوم بالمجهود المالي اللازم لتحقيق هذا الحق عبر تمكين الشركة من السيولة للقيام بالاستثمارات اللازمة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة الكهربائية من ناحية والحفاظ على أسعار معقولة في متناول الجميع… بكلّ بساطة لأنّه حقّ!!
لكن لا تتساءل الكتيبة ولن تتساءل يوما مثلا عن “الخسائر” التي يمكن أن تتكبّدها المنظومة التعليمية (وهي أصلا لا تدرّ أي مداخيل!!)، على الأرجح لأنّ نجاحهم في مسيرتهم التعليمية هو الذي يُعطيهم “شرعيّة القول”، أيّ أنّ نجاحهم في “مسابقة التعليم” هو الذي يعطيهم الحق أن يستووا على عرش المعرفة ليطلقوا أحكامهم على مختلف الظواهر الاجتماعية. وشرط أنّ يسمّى هذا “نجاحا” هو المساواة الشكليّة في نقطة الانطلاق، وهذه المساواة تتلخّص ببساطة في مجانية التعليم. لكن لن نرى مانعا لديهم في الحديث عن خسائر كلّما تعلّق الأمر بالماء أو النقل أو الكهرباء أو حتى الصحة، لأنّها بالنسبة لهم قابلة للسلعنة؛ وسلعنة هذه المجالات لا تؤثر في تفوّقهم وفوقيّتهم ووثوقيّتهم في قول ما يقولون… وهذه خاصيّة ثالثة من خصائص الفكر الليبرالي وببغاءاته: كلّ شيء قابل للسلعنة ولا يُنظر إليه إذن إلاّ من زاوية الربحية (ما عدى التعليم بطبيعة الحال!)
نواصل الحديث عن “الخسائر”: يقول منشور الكتيبة أنّ الشركة التونسية للكهرباء والغاز تكبّدت خلال العقد الماضي “خسائر” قدرها 4153 مليون دينار. والرقم الوحيد المرافق هو “كلفة الامتيازات” التي تمّ تقديرها ب11.4 مليون دينار. إذن ننظر إلى “الخسائر” بكلّيّتها ولا ننظر إلاّ لسطر واحد من جدول “التكاليف”. يمكن مثلا أن نقدّم بعض الإضافات لهاته الأرقام، علّنا ننير بصيرتهم: نقرأ في التقرير السنوي للمنشآت العمومية الصادر عن وزارة المالية لسنة 2025 أنّ رصيد مستحقات الشركة لدى الدولة سنة 2023 بلغ 3974 مليون دينار و مستحقات الشركة تجاه الدولة والمنشآت العمومية الأخرى بعنوان استخلاص الفواتير 921 مليون دينار (أي ما يغطّي تقريبا كافّة تلك “الخسائر”). نقرأ مثلا في تقرير 2020 أنّ الأعباء المالية الناتجة عن خسائر الصرف بلغت 635 مليون دينار سنة 2016 و 1039 مليون دينار سنة 2017 و 1543 م.د. سنة 2018، وهي خسائر نتجت عن تدهور قيمة الدينار على إثر تمرير قانون ما يسمّى “استقلالية” البنك المركزي سنة 2016، أي مسائل خارجة عن نطاق الشركة… هذه أرقام عابرة لا تُغطّي كلّ ما يتعلّق بموازنات الستاغ، ومنها وأهمّها تأثير أسعار الغاز والبترول العالمية خصوصا زمن الأزمات، وهي أرقام كفيلة لوحدها أن تنبّه القارئ/ة بأنّ مشاكل الخسائر المالية للستاق لا تُفسّر بتاتا بالامتيازات الضئيلة للعاملين/ات بها بل أنّ هناك أرقام أخرى أهمّ بكثير من ناحية الحجم تُفسّر هذه “الخسائر”… لمَ لم تتحدّث الكتيبة عن تلك الأرقام الأخرى؟ بكلّ بساطة لأنّهم لم يبحثوا عنها! لأنّ التفسير لديهم يسبق البحث والتقصّي والتفسير جاهز لكلّ من أغشت الايديولوجيا بصيرته: هناك “فساد” و “سوء حوكمة” و”تمعّش” للعاملين/ات، إذن فلنبحث عن هاته الأرقام، و أيّ رقم يُسعد المؤدلج ويغمره نشوة أكثر من رقم “كلفة الأجور” و”الامتيازات” التي “يتمتّع” بها الأعوان. وهذه خاصيّة رابعة من خصائص الفكر الليبرالي وببغاءاته: التغييب الممنهج -وليس بشرطه مقصودا-، لأنّهم لا يرون إلاّ ما يريدون رؤيته. ليس لأنّهم “خونة” أو “إعلام عار” كما كان يردّد أتباع سلطة الأمس، بل لأنّهم مؤدلجون ولأنّ موقعهم الاجتماعي الحالي أو المُتخيّل أو المنشود (ها نحن لم نقل موقعهم الطبقي لعدم خدش حيائهم) يجعلهم في صفّ المُهيمنين والمتفوّقين لأنّهم يتمثّلون أنفسهم من بين المهيمنين والمتفوّقين. هذا ما يقوله عالم الاجتماع آلان أكّاردو في مقال بعنوان “ما وراء ذاتيّة الصحفييّن” والذي يفسّر فيه الأسباب التي تجعل أغلب العاملين بميدان الصحفي يلتقون في إضفاء الشرعية للنظام القائم.
كلّ هذا ولم نتحدّث بعد عن الأسباب. لأنّ الأسباب واضحة وجليّة بالنسبة لهم مثلما أشرنا إلى ذلك أعلاه: هي “الفساد” و”سوء الحوكمة” و”كلفة الأجور” و”الامتيازات” وجميع المفردات التي تقع في المعجم اللغوي لدعاة الخوصصة والتقشف. وليس هناك لا سياق محلّي ولا دولي ولا سياسات تقوم بها الدولة خضوعا للإملاءات يمكن أن تؤثر على الستاغ أو أيّ شركة عمومية أخرى. هناك فقط المسؤولية الفردية: المسؤولية الفردية للعاملين/ات بالستاق اللذين تسبّبوا بـ”جشعهم” في تأزيم الشركة والمسؤولية الفردية للستاق كشركة لا بدّ لها أن تكون رابحة، بقطع النظر عن المسؤولية الاجتماعية الموكلة على عاتقها أو السياق الذي تتحرّك فيه أو السياسات الخارجة عن نطاقها والتي تؤثر مباشرة على موازناتها وعلى استراتيجياتها. ولا يمكن أن ننظر إلاّ لمحاسبة. فلا نتحدّث عن سياسات التقشف التي تنتهجها الدولة خصوصا منذ 2014 وحكومة التكنوقراط وعلى رأسها مهدي جمعة وبتنفيذ “الرفيق” حكيم بن حمودة والتي أوصلت مديونية الدولة تجاه الشركة إلى مستوى يقارب 4 مليار دينار، ولا نتحدّث عمّا قامت به تلك الحكومة من إجبار المنشآت العمومية على الاقتراض مباشرة من البنوك بالعملة الصعبة لاقتناء الغاز الطبيعي. في هذا السياق، يقول إلياس بن عمّار، النقابي بالستاق وعضو مجموعة العمل من أجل ديمقراطية الطاقة:
“ضّربت الموازنات المالية للشركة التونسية للكهرباء والغاز سنة 2014 بقرار الفصل في شراء المحروقات مع الشركة التونسية لصناعات التكرير (الستير). قبل ذلك، كان كلّ ما يتعلّق بتوريد حاجيات المحروقات يتمّ شراءه من الستير بالدينار التونسي بأسعار تفاضلية باعتبار أنّ الدولة تتحمّل كلفة توريد الغاز الطبيعي وتكتفي الستاق بعملية إنتاج الكهرباء وكان ذلك بعد توصيات صندوق النقد الدولي بذلك مع اتفاق 2013. وبعد هذا الفصل، صارت الستاق مجبرة على شراء الغاز الطبيعي بنفسها. ومن أجل شراء الغاز، يجب للشركة أن تكون لها المبالغ الكافية بالعملة الصعبة. وبما أنّ مداخيل الستاق جميعها بالدينار التونسي، فإنّ الستاق أجبرت على اقتراض المبالغ اللازمة من البنوك التجارية التونسية، وهو ما أدّى إلى تكبّدها أعباء التمويل وخسائر الصرف خاصّة بعد تدهور قيمة الدينار الذي تسبّب فيه قانون ما سمّي باستقلالية البنك المركزي سنة 2016“.
هذا باقتضاب ما حدث للشركة التونسية للكهرباء والغاز. لا يمكن أن نقرأ الأزمة المالية للشركة دون العودة إلى ما حصل في تونس منذ 2014 وحكومة التكنوقراط والاتفاقيات مع صندوق النقد الدولي وتدهور قيمة الدينار وتعميق سياسات التقشف التي دفعت إلى مزيد ارتفاع مديونية الستاغ. إلاّ أنّ كلّ هذا لا يعتبر من العوامل الأساسية للتحليل، وكأنّها أمور طبيعية عاديّة لا يجب أن تؤثر على الشركة، أو كأنّها السياسة الوحيدة الممكنة وما على الستاق إلاّ أن تتأقلم مع الوضع… وهذه كذلك من خاصيّات الفكر الليبرالي وببغاءاته: نفي السياسة بما هي تحليل الظواهر في سياقاتها وفي تاريخيّتها والنظر إليها وكأنّها جامدة سرمدية: من الـ”طبيعي” أن تكون الستاق في هذه الحالة بما أنّه “الفساد” و”سوء الحوكمة” و”كلفة الأجور” و”الامتيازات”…
ركّزنا في هذه الأسطر على منشور من منشورات إحدى المؤسسات الإعلامية “البديلة”. ليست الفكرة أن نرجم هذه المؤسسات، خصوصا في سياق التضييق الذي نعيشه اليوم. إلاّ أنّ هذا السياق لا يمكن أن يبرّر سكوتنا عن تواصل الانخراط الأعمى للبعض من هذه المؤسسات في الهجمة الليبرالية التي تعيشها تونس وسائر دول الجنوب؛ هجمة شعاراتها الأساسية هي التقشف والخوصصة ومزيد “الانفتاح” على الاستثمار الأجنبي دون التطرق إلى مخلّفات هذه السياسات على بلادنا اليوم في شتّى الميادين والاكتفاء بالتطبيل مع جوقة أشباه الخبراء والمحلّلين. وإن كانت هناك مفارقة ما، فهي في تزامن نقدهم لسلطة قيس سعيّد في كلّ ما يخصّ التضييق على الحقوق والحريّات وتجاهل أحد أهمّ أعمدة هذه السلطة، وهو الانخراط المتواصل في السياسات الاقتصادية التي تفرضها مختلف مؤسسات التمويل الدولية ودول الشمال. فتونس اليوم من التلاميذ النجباء في العديد من الجوانب المطلوبة: تواصل سياسات التقشف وبل حتى تعميقها، وما خير دليل على ذلك إلاّ التقرير الذي أصدرته وزارة المالية بداية 2024 حول إطار الميزانية متوسّط المدى للفترة 2024-2026 والذي بموجبه سيتواصل التضييق على الانتدابات والضغط على كتلة الأجور والعمل على النزول بها إلى مستوى 12.6% من الناتج المحلّي الإجمالي. وتُفتح أبواب البنك المركزي ووزارة المالية لسفير الولايات المتّحدة مرفوقا بنائب مساعد وزير الخزانة الأمريكية لاعطائهما “لمحة” عن سير “الإصلاحات” في تونس. كما تُعتبر تونس عنصرا “فاعلا” في المخطط الأوروبي RepowerEU وهو الذي يهدف للاستعاضة عن الغاز الروسي بالهيدروجين الأخضر الذي ستتحمّل تونس تكاليف إنتاجه المالية والبيئية والذي سيستحوض على مساحات واسعة من أراضينا…
ليس الإشكال الأساسي هنا هو أن ترفع مؤسسة إعلامية مثل تلك الشعارات وتتبنّى تلك الخطابات، فهذا الخبز اليومي لموزاييك وآكسبراس وغيرهم من الإعلام الرسمي وشبه الرسمي. الإشكال في موضوع الحال هو مشاركة مؤسسات إعلامية تقول عن نفسها “بديلة”، بل ومحسوبة على “اليسار”، في نفس الممارسات وبذلك تكرّس فكرة ألاّ خطاب آخر يمكن أن يوجد، وتكرّس في نفس الوقت ذلك التوافق الاستعماري الجديد والذي لا يمكن إلاّ أن يزيد في توريط تونس وغيرها من بلدان الجنوب في التبعية وينزع عنها ما تبقّى من سيادة في بعض المجالات الحيوية. والسؤال الذي يمكن أن يطرحه على أنفسهم هؤلاء: كيف يمكن أن ندّعي البِدالَة ونحن نبتنّى نفس خطاب وزراء قيس سعيّد ومسؤوليه؟ هي أزمة في مجال الإعلام. لكنّها أزمة أعمق في السياسة: ألا يمكن نقد قيس سعيّد إلاّ من زاوية الحقوق والحريّات؟ أليس اجترار خطاب وزرائه دعما لنظامه؟ وهل انتفى “البديل” لدرجة ألاّ يمكن تجاوز قيس سعيّد إلاّ من يمينه؟