لحظة حياة من قلب الدمار: حوار مع المخرجة ميّ سعد

16/01/2026
WhatsApp Image 2026 01 05 at 16.32.08




على هامش أيام قرطاج السينمائية، في دورتها الـ36، التقى موقع انحياز بالمخرجة المصرية ميّ سعد في حوار حول الفيلم الوثائقي “ضايل عنا عرض”، من إخراج مصري فلسطيني مُشتَرك بين ميّ سعد وأحمد الدنف، ومن إنتاج باهو بخش وصفيّ الدين محمود عن شركة ’ريد ستار‘.

يتتبع الفيلم ويوثق رحلة أعضاء فرقة سيرك غزة الحرّ، التي اختارت مواصلة عروضها في غزة تحت وابل الرصاص والقصف، وبعد عام كامل من بداية الإبادة الجماعية المُرتكبة من قبل الاحتلال الصهيوني.


انحياز: بعد عام من بداية الإبادة الجماعية في غزة، بدا العالم بأسره فاقدا لصوابه، وكنّا نتخبّط داخل هذا الجنون دون أن ندري ماذا نفعل، وكثيرا ما يُصاب الفنّان الملتزم بقضايا شعبه بحالة من الإحباط والاكتئاب في مثل هذه اللّحظات، بما يحمله من حساسية وهشاشة الفن إن صحّ التعبير، ولكنكم عرفتم ماذا تفعلون بالكاميرا، واخترتم الاشتباك من موقعكم لتأريخ هذا الألم هل كان ذلك خيارا واعيا أم ضرورة؟

ميّ سعد: كنت أتابع الإبادة الجماعية “الإسرائيلية” في غزة لحظة بلحظة على شاشة التلفاز. كان الشعور بالعجز طاغيا، خانقا، وكأنّ كلّ ما يحدث أكبر من القدرة على الاستيعاب أو الفعل. من هنا بدأتُ أبحث عن مشروع في التاريح الشفهي، يوثّق حياة الناس خلال الإبادة، لا بوصفها أرقاما أو أخبار قصف عابرة، بل كشهادات حيّة تحفظ تفاصيل اليومي، ما قبل الضربة وما بعدها.

في القاهرة، التقيت بمصوّر من غزّة أخبرني بإمكانية التعاون مع مصوّري أفلام داخل القطاع لتنفيذ الجانب البصري من المشروع. في تلك الفترة كنت أتابع عن قرب سيرك غزة الحر عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وهي فرقة تقدّم عروضا للأطفال وسط القصف والتهديد المستمر.ّ شجاعتهم وصمودهم جعلا ما يفعلونه يبدو أقرب إلى الخيال، إلى فعل شبه مستحيل، وشعرت أنّ ما يقوم به أفراد الفرقة لابدّ أن يُوثّق: يومهم العادي، قبل العروض وأثناءها وبعدها، في محاولة لانتزاع لحظة حياة من قلب الدمار.

من خلال المصور محمد سالم، تعرّفت على أحمد الدنف، الذي تحمّس للفكرة فورا. وبمساعدة الأصدقاء، وصلت إلى الفريق. وما إن رأى المدير الإداري صورتي على واتساب بأنف المهرّج الأحمر حتى وثق بي مباشرة. وعندما شرحت له أني التحقتُ سابقًا بورش في التهريج، ابتسم وقال ” إذن أنت منّا”.

لاحقا، تعرّفت على أبطال الفريق: محمد أيمن ويوسف خضر، مؤسسي مركز سيرك غزة الحر، إلى جانب جاسر، إسماعيل، بطوط، تركي وأشرف. ثم تواصلت مع شركة ريد ستار، وقُوبلت الفكرة بحماس فوري من باهو بخش وصفيّ الدين محمود لإنتاج الفيلم، قبل أن ينضمّ محمد حفظي لاحقا للتوزيع والإنتاج المشترك. وتولى أحمد الدنف إدارة التصوير، بمشاركة يوسف المشهراوي ومحمود المشهراوي.

انحياز: لم يختر الفيلم التركيز على مأساوية الوضع، فرغم الأشلاء المتناثرة في أرجاء التصوير، كان النزوع للحياة واضحا عند الشخصيات، إضافة إلى عنوان الفيلم “ضايل عنا عرض” . هل اخترتم هذه الزاوية كمنهج لإيصال رسالتكم إلى العالم ؟

ميّ سعد: لم تكن هذه الزاوية خيارا جماليا بقدر ما كانت امتدادا لاختيار فريق سيرك غزة الحر أنفسهم. هم قرروا منذ البداية أن يستمروا، وأن يواجهوا الإبادة عبر السيرك الاجتماعي، بمحاولة إسعاد الأطفال ودعمهم نفسيا في محيط ينهار بالكامل. الفيلم ببساطة تبع هذا القرار منذ اللحظة الأولى. كانت فكرتنا عدم التدخل: لا في ما يقولونه، ولا في توجيه مسار حياتهم، ولا في إدخال أحداث أو مواقف مصطنعة خارج واقعهم اليومي. ما نراه على الشاشة هو حياتهم كما يعيشونها، بكلّ ما تحمله من خطر وتناقض. رغم المأساة يقول أفراد الفريق إنهم لا يملكون رفاهية الجلوس والمشاهدة، لأن التوقف يعني الغرق في الاكتئاب، وربما ماهو أسوأ. بالنسبة لهم، الاستمرار ليس خيارا بل وسلة للبقاء. هم يقاومون عبر الحياة نفسها: عبر العروض، عبر الضحك، وعبر الإصرار على الوجود في مكان يُراد له أن يخلو من أي مظهر للحياة.

انحياز: سيرك غزة الحر لا يبدو كتجربة معتادة ومألوفة تتمثل في تقديم عروض للأطفال يُجازى عليها الفريق مُقابلا ماديا، وهو أقرب إلى السيرك الاجتماعي أو سيرك الشوارع .. هل هو خيار فني، ظرف حرب، أم فلسفة عمل متجذرة في تجربة سيرك غزة الحر ؟

ميّ سعد: هذا ليس خيارا فرضته الإبادة، ولا حلًا مؤقتا فرضته الظروف، بل هو فكرٌ متجذّر في تجربة سيرك غزة الحر نفسها، وفي الرؤية التي أسّس لها يوسف خضر ومحمد أيمن منذ البداية. الفريق يؤمن بالسيرك الاجتماعي كأداة عمل وموقف، لا كمنتج ترفيهي فقط.

حتى قبل الإبادة، كان السيرك جزءا من مشروع مجتمعي أوسع: ورش تدريب مكثفة للأطفال، تعليم فنون الجمباز وبعض تقنيات السيرك، والعمل مع فئات تعيش تحت ضغط نفسي واجتماعي مستمر. لم يكن الهدف تقديم عرض ناجح فقط، بل بناء مساحة آمنة، وتمكين الأطفال من التعبير عن أنفسهم واستعادة شيء من السيطرة على أجسادهم وحياتهم. ما نراه اليوم هو امتداد طبيعي لهذا المنهج. لم تُنشئ الإبادة هذا الخيار، بل كشفت عمقه. السيرك الاجتماعي وسيرك الشوارع ليسا بديلا اضطراريا، بل الطريقة التي اختار بها الفريق أن يكون حاضرا في مجتمعه، وأن يعمل من داخله، وبشروطه، وبما يملكه من أدوات، حتى في أقسى اللحظات.

انحياز: ميّ، لقد كان التأثّر باديًا على مُحيّاكِ بعد العرض الأول في تونس، بمناسبة أيام قرطاج السينمائية، وقد نجحتِ في نقل أحاسيس زميلك أحمد وكل فريق العمل. ماذا تمثل لكم هذه اللحظة ؟

ميّ سعد: مهرجان قرطاج السينمائي مهرجان عريق وله ثقل رمزي كبير، وكان العرض هناك لحظة مؤثرة بالنسبة لنا جميعا. تفاعُل الجمهور، وأسئلته بعد العرض، كان ملهمًا ومهما جدا لنا، وأكّد أنّ الفيلم وصل بصدق.

انحياز: عن ظروف إنتاج الفيلم، وتلك التفاصيل التقنية الشاقة من داخل القطاع وتحت القصف، الجميع كان يغامر في هذه التجربة. كيف عشتِ هذا الضغط، وأنت تعلمين مسبقا أنّ المشروع نفسه مهدد بالانقطاع في كل لحظة ؟

ميّ سعد: كان التفكير منصبًا على على حياة الناس، لا على المشروع نفسه. الأهم بالنسبة لنا طوال الوقت كان أبطال الفيلم وفريق العمل، لا الفيلم كمُنتج نهائي. هم كانوا، ومازالوا، في خطر دائم. فمثلا، أحمد الدنف لم يكن شخصا يأتي ليصوّر ثم يغادر، بل كان يعيش الخوف نفسه والوجع ذاته، وفي كثير من اللحظات كان عبء التصوير يفوق طاقته النفسية. كان يصوّر وهو منهَك، محاطا بأصوات الخطر والقلق. كان يضطر أحيانا إلى إنزال الكاميرا للحظات، لا ليستسلم، بل ليلتقط أنفاسه ويستعيد هدوءه قبل أن يُكمل. لم يفعل ذلك بدافع القوة، بل بدافع الإحساس بالمسؤوولية: ضرورة إظهار الحقيقة، ونقل ما يعيشه الناس، والتأكيد على أنّ هذا الشعب يحب الحياة ولا يسعى إلى الموت. كان الخوف الدائم على عائلته من أقسى ما واجهه أحمد. كان يبتعد عنهم لأيام وأسابيع بسبب العمل، وكل دقيقة تمرّ كانت مُحمَّلة بالقلق من أن يصيبهم مكروه وهو بعيد عنهم. هذا الشعور، كما يصفه، كان يكسره من الداخل. ورغم كل ذلك، واصل أحمد العمل. فالتوثيق بالنسبة له لم يكن مجرد مهنة، بل شكلا من أشكال الصمود، ومحاولة للحفاظ على ما يحدث من الضياع أو النسيان.

انحياز: ربما تحول الفلسطيني إلى أسطورة في الذهنية العامة، وهو كذلك من حيث صموده في وجه الآلة الهمجية بالتأكيد، لكننا لم نشعر بهذه الأسطَرة في الفيلم، بل أن الكاميرا نقلت لنا كل الأحاسيس المتناقضة والمتضاربة، وكل الأحلام الجماعية بانتهاء الحرب، أو الفردية برؤية الأب لابنه، أو بالعودة إلى ألمانيا، أو بالعودة إلى “باب الدار” وإلى الغرفة الخاصة.. يبدو أنكم لم تطلبوا من أعضاء السيرك سوى العفوية؟

ميّ سعد: نعم، العفوية كانت الأساس. لم نطلب من أعضاء السيرك أن يكونوا رموزا أو أبطالا بالمعنى الأسطوري، بل أن يكونوا أنفسهم. ما يهمنا كان الاقتراب منهم كما هم. دورنا كان أن نترك المساحة مفتوحة، وأن نصغي أكثر مما نتدخل. الكاميرا لم تكن أداة توجيه، بل شاهدا يحاول أن يكون أمينا على هذه اللحظات، بكل تناقضاتها، من دون فرض سردية جاهزة أو بطولات مصطنعة.


انحياز: كلمة أخيرة عن هذه الشراكة بينكما، أحمد وميّ، كيف تلخصينها في كلمة أو في لحظة مشتركة بينكما؟

ميّ سعد: أحمد من أكثر الأشخاص الذين عملت معهم إحساسا بالمسؤولية، ومن أكثرهم شغفا بما يفعل. رغم الخطر والتعب والخوف الدائم، استمراره وإصراره على العمل، وحبّه الحقيقي للتوثيق، كانوا مصدر إلهام كبير لي. هذه الشراكة بالنسبة لي لم تكن مجرد تعاون مهني، بل تجربة إنسانية علمتني الكثير عن معنى الالتزام، وعن الإيمان بما نفعله حتى في أقسى الظروف. 



أجرى الحوار إياد بن مبروك

مقالات ذات صلة

  • هل تغيّر موقف السلطة من قضية إسناد فلسطين؟

    ربما كانت نيّة بن علي سنة 1987 إنقاذ البلاد من فوضى قادمة... وربما كان بورقيبة، من قبله، معنيًّا بفلسطين إلى…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 03 09 at 16.48.42
  • مخططات ترامب.. وسياسة فرض السلام من خلال القوة وخططه المفخخة

    منذ اللحظة التي اندلعت فيها الحرب على قطاع غزّة، بدا واضحًا أنّ دونالد ترامب، الرئيس الأميركي العائد بقوة إلى المشهد…

    رأي

    WhatsApp Image 2025 12 05 at 18.36.49(1)
  • من أجل غزة والسودان وكلّ الأوطان: “كتلة تاريخية” ضدّ الطغيان!

    تتسارع الأحداث في المنطقة العربية بالفترة الأخيرة، وتصبّ جميعها في اتجاه أساسي: محاولة العدو الأمريكي الصهيوني الاستفادة استراتيجيا لأقصى حدّ…

    بلا حياد

    Whatsapp image 2025 11 05 at 19.56.34
  • صوت الحصار: حين يصبح الصّمود وحده الحرب الممكنة

    1 هل هذه القضيّة جديرة منّي بتضحية مثل هذه؟ سؤال بحجم جريمة، يفرش ممرّا فسيحا للخيانة، طرحه على نفسه "رازوموف"…

    رأي

    Whatsapp image 2025 11 04 at 14.15.41