الأدب كوثيقة: صنع الله إبراهيم ورواية الواقع المصري

17/08/2025
Whatsapp image 2025 08 17 at 17.32.48

عندما يرد ذكر اسم صنع الله إبراهيم، فان أول ما يتبادر إلى الذهن  هو استحضار  موقفه الشهير الذي سجله له التاريخ بحروف بارزة في سجلات الفعل المقاوم، عندما رفض جهارا قبول جائزة دولانية سمينة، احتجاجا على السياسة الانبطاحية المتخاذلة لتلك الدولة. ورضي بحياة الفقر والكفاف على أن يدفع ثمنا للرفاهية التي كانت معروضة عليه لخيانة المبادئ التي عاش حياته كلها مدافعا عنها. 

واحقاقا للحق، فإن جميع ما كتبه صنع الله إبراهيم من أدب لم يكن أكثر من امتداد لذلك الموقف الصارم الرافض لمهادنة وضع الانهيار الذي انجرّ إليه الوطن العربي بسبب مواقف الخيانة والعمالة وقبول الارتهان لمشيئة الأجنبي.

***

” أيها الخجل.. أين حمرتك؟” 

هذه الصرخة التي أطلقها صنع الله إبراهيم في روايته” ذات” في وجه موجات العبث التي طالت كافة أوجه الحياة في مصر ، انطلاقا من مرحلة الانفتاح في السبعينيات التي شهدت ظهور ما كان يعرف ب”القطط السمان”، وهي النخبة التي تغذت على الفساد والاستيلاء على المال لتكوين ثروات خيالية، ومن ثم تشكيل مراكز ضغط أتاحت لها التحكم في القرار السياسي وتوظيفه بما يتلائم مع مصالحها، عقب وفاة عبد الناصر وإعلان السادات القطيعة مع إرثه الاشتراكي.

في رواية “ذات” يرصد صنع الله إبراهيم، في نص يتعاقب فيه حتى النهاية، فصل سردي وفصل إخباري يمثل الخلفية العامة للوقائع التي قرأناها في الفصل السردي، وبالتالي يمنحنا ميزة الرؤية عبر عينين اثنتيْن؛ واحدة روائية- وإن تكن درجة المعالجة فيها ومستوى أدبيتها غير مقنعيْن إطلاقا- يروي فيها التفاصيل المتعلقة بعائلة مصرية تقليدية تعيش ذروة البهرج الاستهلاكي الذي طبع تلك المرحلة. ويتركز التحليل فيها على شخصية ” ذات”، المرأة التي مثلت نموذجا بشريا محبطا في الساحة المجتمعية التي تعيش جميع تلك التحولات وتئن تحت وطأة اشتراطاتها وثقلها الرهيب. والثانية عين صحفية توثيقية ذات منحى واقعي صرف كدس فيه صنع الله إبراهيم الشهادات الموثقة في الصحف عن وقائع لا حصر لها لفساد ضرب أطنابه في البلاد وملأ البر والبحر. تشمل الوقائع التلاعب بالمال العام والعبث بمصائر البشر والاستخفاف بالحرمة الإنسانية والسرقات الكبيرة والصغيرة والنهب والاعتداءات و استيراد الماكينات الفاسدة التي تتحول إلى خردة حال شروعها في العمل، وتغلغل النفوذ الأجتبي وتحكمه في القرار الوطني، والانبطاح الذي مارسه النظام المصري في  عهد السادات ومبارك وخضوعه للإملاءات الامريكية، وكذبة المساعدات التي كانت أمريكا تسترد أضعافها عبر استثمارات شركاتها في مصر واستفادتها من رخص العمالة المحلية والاعفاءات الضريبية، وبيعها أسلحة فاسدة أو متحكم فيها عن بعد.

***

يراوح صنع الله إبراهيم بين سرد روائي تغلب عليه السمة الواقعية لتفاصيل فارقة في حياة “ذات” التي استهلها  بثلاث وقائع موحية، تعطي لنظرة القارئ  امتداداً نافذا يقف به على العقلية التي كانت سائدة آنذاك في المحتمع، الخبط  على إليتها لحظة ولادتها، كأنها كانت تُعاقب  على مجرد مجيئها للحياة وبسبب رغبة والدها في إنجاب الذكور على حساب البنات، ثم تعرّضها للختان، وأخيرا الوضع الصادم الذي وجدت فيه نفسها مع  زوجها عندما اكتشفت في ليلة دخلتها أنها لم تكن عذراء. تستولي عليها نوبة بكاء وهي تقسم لزوجها أنه لم يمسها قبله بشر ولا تعرف كيف حدث لها هذا الأمر. الثمن الذي لم تدفعه ليلتها بعد الانكشاف، دفعته فيما بعد على أقساط، تجسم في علاقة مضطربة مليئة بالتوترات مع زوحها عبد المجيد، البرجوازي المتكبر الذي يعمل في أحد البنوك. مع الجشع الذي استحوذ على الطبقة الوسطى المصرية وجوعها للرفاهية على المثال الأمريكي، لم تفلح المقتنيات ولا الحمام العصري ولا السيراميك ولا فرش الشقق وامتلاك التلفزيون الملون وربطه بالفيديو والتفرج على أشرطة الدعارة بعد منتصف الليل، وهي الممارسة التي أدمنها زوجها بمعية جار له، في غير تنمية ثقافة ” البلاسيبو”  الشهيرة ، والتي ترجمتها أنه عبر تكديس المقتنيات والانخراط في البهرج السلعي سيعثر المرء على السعادة.

***

” ذات” تمثل الرمز المجتمعي الدال الذي حاول صنع الله إبراهيم من خلاله رسم صورة للمجتمع المصري أثناء فترة تحوله لمجتمع استهلاكي فرداني لامبالي. الفترة التي أطلقتها موجة الانفتاح الساداتي وقبر التجربة الناصرية وتدمير قيمها. غطى بها طيفا واسعا من الممارسات والأفكار والمعتقدات والاخلاق في بلاد كانت ولا تزال تتقاذفها الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي نشأت بفعل تلك التحولات أو أفضت إليها.

ثمة عدستين استخدمهما  صنع الله إبراهيم في رسم صورة ” ذات” شخصيته الرئيسية: عدسة تتجه نحو الداخل تقرأ التداعيات النفسية والذهنية التي هبت رياحها على كيان  المرأة  بفعل التجارب التي خاضتها والاستحقاقات التي واجهتها.  وعدسة خارجية ترصد الجو العام الذي تأطرت في خضمه أحداث روايته وتحكم في مصائر شخصياته.

***

 هي إذن رواية مراوحة بين الداخل البشري والخارج المجتمعي.  شخصية “ذات” التي لن نصل لتقرير نهائي حول أي ذات هي،  أو أي ذات كانت المرأة تخوض صراعها اليومي لاكتسابها. وهي بين مد وجزر بفعل اللهفة الطاغية عليها لامتلاك اسباب الرفاهية، والأثمان المتوجبة عليها مقابل ذلك، ناهيك بالمآل الذي ستصير إليه والشخصية الجديدة التي ستكونها ثمرة وضع التفسخ القيمي الذي طمر المجتمع في أوحاله. هي رمز وضحية، بين تطلعات لا يحكمها مبدأ وواقع كله قيود واشتراطات، يسير طبقا لعقلانية مغشوشة. بين متخيل بعيد وحقيقة قريبة دامية، بين ما يراد للإنسان ليكون جزءا من القطيع والمصير الذي يلقاه إذا خرج عن القوالب المعدة له سلفا. لا تختلف ذات عن غيرها من النساء في أنها كانت كسولة وتخيرت أسهل وأكسل السبل لبلوغ أهدافها. فتركت دراستها وآثرت عليها الزواج، بحثا عن ” قَصّة عربي” تؤمن لها وصولا سريعا وآمنا لضفة الرفاهية. لكن بعد زواجها، وعندما لم يعد راتب زوجها كافيا لهما لدفع بدل الايجار ومصاريف المعيشة، عثر لها على عمل في الصحافة وصار عالم الرفاهية  الأمريكي الذي تاقت نفسها إليه، عبارة عن ركض جهنمي تمارسه الطبقة الوسطى خلف كل ” برستيج” مجتمعي، فيه جميع النذالات والخيانات مغفورة لحساب ذلك الارتقاء الوهمي في المنزلة الاجتماعية.

كما كشف ذلك الركض عن الهوان الذي يعيشه الانسان وهو في قبضة نظام ينهشه الفساد، والهوان الذي يلاقيه عندما يبيعه ذلك النظام مواد غذائية منتهية الصلوحية، معتبرا قيام الناس باستهلاكها سلوكا حكيما، بدلا من رميها في مصب الفضلات الذي سيُعد علامة على سلوك تبذيري.

***

عصارة الفصول التوثيقية في الرواية تشمل الآتي:

الأكاذيب التي يروجها السياسيون وتنتهي بهم فارين إلى الخارج يبحثون عن الحماية تحت جناح رعاتهم واولياء نعمتهم، بعد تخريبهم  لميزانيات بلدهم بإيداعهم مبالغ فلكية من المال العام في حسابات في الخارج.

العقود الفاسدة  التي تتدخل لإبرامها الشخصيات النافذة وتمنحها للأكثر ولاء لها. دون نظر في الكفاءة أو الجدوى الاقتصادية، أو استيراد الآلات  والأدوات منتهية الصلاحية التي تتسبب في قتل الأطفال وتلوث التربة وتتلف المحاصيل الزراعية.

المشاريع التي تقام وتهدر فيها الأموال الطائلة، دون تخطيط أو متابعة ولا يحاسب أحد بعد انكشاف حقيقتها، لأن أجهزة المراقبة هي بدورها حزء من ماكينة الفساد العاملة.

التعصب الديني الذي قاد لواءه الشيخ الشعراوي.. وحدا بالجمعية التي انتمت إليها  “ذات” إلى طرد  إحدى المنتسبات  بعد اكتشاف أنها كانت مسيحية. والخطاب الذي كان يروجه الشعراوي ويحمد الله على أن عبد الناصر ومن وراءه السوفيات الملاحدة انهزوا في  الخامس من يونيو 67، مصورا المعركة على أنها ليست معركة تحرر من قوى الهيمنة والاستعمار، بل صراعا بين ايمان وإلحاد.

المؤامرات الداخلية التي كانت تنفذها لوبيات السوق لحماية مصالحها ومدّها أكثر، وتشمل أعمال الاحتكار والنهب وتلفيق التهم لكل من يقف في وجهها، وتدمير مقومات الصناعة الوطنية لحساب نمو طبقة من الكمبرادور الطفيلي تتربح من تدمير النسيج الصناعي المحلي وفتح السوق في وجه السلع الأجنبية.

جميع هذه النقاط أتى عليها المؤلف في قالب قصاصات صحفية غلب عليها طابع المفارقة والسخرية. ونثرها في روايته عبر فقرات قصيرة شكلت فصولا تتناوب مع الفصول السردية المتعلقة بحياة ” ذات” والواقع الذي كانت تعيشه، وجاءت سطورا جافة مباشرة خلت من المحسنات الأدبية ليضعنا وجها لوجه أمام الحقائق البشعة التي سادت المرحلة التي غطتها الرواية.

***

رواية صنع الله إبراهيم هذه، هي العصير المر لزمن من الكآبة المجتمعية المغطاة بقشور الترقّي الشكلاني على المثال الأمريكي، أو هي التصوير الساخر  لمآل النسخة المشوهة للحلم المريكي المراد استنساخه في بر مصر من قبل أبناء الطبقة الوسطى، بعد انتشار الأوهام حول ما ستصنعه معجزة الانفتاح الذي عطلت قدومه طويلا سياسات عبد الناصر المنغلقة، منذ ثورة 52 وامسكت بخناق المجتمع في مرحلة الانبطاح الساداتي.

***

هي رواية يأخذنا خلالها صنع الله إبراهيم، بكيفية تعبر عن مهارة في فهم تقنيات تبليغ الفكرة عبر تقليبها سرديا على أكثر من وجه، لفترة من التاريخ المصري تموج بالتحولات. ولا يخلف صنع الله عادته التليدة في إسناد كل تحول اجتماعي يسرده أو يؤرخ له بخلفية سياسية تتيح له الحصول على تبرير وجيه لضرورة إعطاء سرديته صبغة الموقف من تلك التحولات، وتوجيه أصابع الإدانة وتصفية الحساب مع الفاعلين فيها، أكثر منها رسما فنيا لمجموعة من المشاهد الحياتية المراد منها قراءة للاستماع بقدر ما هي قراءة للفهم.

***

كان لحُمّى  الوصول للوجاهة الاجتماعية في عهديْ السادات ومبارك أثرا هزليا تناوله صنع الله إبراهيم بدقة ساخرة عبر تتبعه لما كان يسمى ب”مسيرة الهدم والبناء”.. هدم جميع بقايا المرحلة الناصرية المنتجة، والبناء على هدي الرؤية البرستيجية المقتدية بالروح الامريكية الاستهلاكية القائمة على حُمّى الشراء وحيازة الأشياء، إذ كان يتم استبدال التجهيزات القديمة في بيوت الطبقة الوسطى وحيطان الحمامات والمراحيض المنزلية بجدران سيراميك مستوردة، والغسالات القديمة بأخرى أحدث منها. انخرطت “ذات” في حمّى التحديث الظاهري، وصار أساس السعادة هو تكديس الأجهزة والتسابق في اقتناء الأحدث منها. في الوقت ذاته الذي كان فيه الخطاب الفكري والسياسي السائديْن يمضيان حثيثا نحو احتضان كل ما هو رجعي وماضوي وخياني.. متظافرا مع شيوع مظاهر الأنانية والانغلاق. وهكذا وُلد وضع غريب تتنافر فيه المظاهر التحديثية المبهرة، مع الباطن الذي لا تزال تهيمن عليه روح الخرافة والارتداد نحو الماضي. أو الانبهار الأحمق بكل ما ينتجه الغرب، والاعتقاد أن بوسع مجتمعنا أن يحذو حذو مجتمعاته بمجرد امتلاك القدرة على شراء منتوجاته. التصورات والاعتقادات كانت في واد بعيد جدا عن الواقع الذي كان يتأسس على نحو سريع.

***

هل كان صنع الله إبراهيم يريد من وراء كل هذا أن يقول لنا: كم أنتم حمقى ومغرر  بكم.. الحقيقة في مكان آخر بعيد جدا عن الحمى الاستهلاكية التي أخذتكم في غمرتها. نعم .. بذل الكاتب جهدا مشكورا لتعرية الاختلالات التي أصابت الذهنية المصرية جراء صدمة الانفتاح. لكنه كذلك لم يرحم المرحلة الناصرية وأتى على الكثير من نقائصها وعيوبها. في الحقيقة، تؤرخ الرواية للمرحلة التي تبدأ من ثورة 52 التي هي كذلك تاريخ ولادة ” ذات”  وتنتهي بوضع التفسخ الكامل على مختلف الأصعدة  في عهد مبارك مرورا بالمرحلة الساداتية. وفي كل مرحلة هناك نشعر بأننا تعيش تغييبا متزايدا لوعي البشر، وتضاؤلا لقدرتهم على فهم واقعهم، كأن هناك ماكينة خفية بصدد ابتلاعهم في جوفها، صاروا معه  يمارسون ضروبا من التأويل لذلك الواقع تتفق مع وضع العجز الذي  صاروا إليه، يضعهم على مسافة شاسعة من الإدراك السليم للواقع والقوى التي كانت تحركه وتتحكم فيه… وبحيوية كبيرة نجح صنع الله إبراهيم في التقاط عدد لا يحصى من الصور التي أرّخت بوضوح لجميع تفاصيل النخر الذي أصاب بنيان المحتمع. وتمكن عبره الكاتب بذكاء نادر، من تحويل الكلمة والصور المرسومة في روايته إلى سلاح حاد في وجه السلطة وأجهزتها الفاسدة.

***

لا ينغي لقارئ رواية ” ذات” أن يتوقع تصاعدا خطيا في مسار أحداث الرواية، كأنّ الحبكة بدورها جاءت تجسيما  فنيا للحلقة المفرغة التي كانت تدور فيها شخصيات روايته. ” تدور تدور وترجع لقعر الحانوت”. ليس هناك من مَخرج للشخصيات من أزماتها، لأنها لم تكن أزمات ذات أسس نفسية تجد جذورها في طبيعة التكوين النفسي لكل شخصية، وتُفهم على نحو ذاتي، بل ذات أساس سياسي صنعته الخيارات العامة التي غيبت الانسان ولم تستحضر منه غير نزعته الاستهلاكية التي سعرتها فيه لتلهيه عن بقية أبعاده الأخرى. وعند مستوى آخر بوسع القارئ أن يضرب صفحا عن كون نص ” ذات”  هو رواية لها حبكة تقليدية وتصاعد درامي للأحداث، ويستبدله برؤية قوامها أننا أمام نص يمزج بين السرد الصحفي التوثيقي الذي غطى مساحة كبيرة من الرواية، والسرد القريب من الأدبي، الذي يمثل البنية الفوقية أو الوضع الباطني الذي آل إليه البشر وماتداعي إليه عالمهم من خراب بسبب البشاعات التي سردها في الفصول التوثيقية. فنكون بذلك أمام نص ذي طبقتين، طبقة ظاهرة  يراها الجميع، وطبقة كامنة  لابد من مشرط الروائي لتعريتها وكشف الدمالات التي أصابتها بالتشوه.

***

قد لا تمتعك قراءة صنع الله إبراهيم، لكن هنا، قسوة الواقعية وأمانة التوثيق غطت إلى حد بعيد على فشل النص على المستوى الفني، فهو نص بصفر خيال وصفر استعارات. لغته جافة عارية مباشرة اقتحامية ، وفي أحيان كثيرة بذيئة، تغوص اصبعه في الوسخ وتفقع الدمالات دون تمهيد أو استئذان، وتفضح كل ما هو شائن وتعري كل ما هو زائف.. صنع الله إبراهيم هو ثائر صاحب موقف مهتم بتشريح الواقع المريض، يتخذ الكتابة وعاء لذلك الموقف أكثر منه أديبا يكتب للمتعة الأدبية وتخليدا للأثر الفني.

***

تركيز صنع الله ابراهيم على سيطرة الرتابة والروتين على حياتنا، وخلوّها من الإيقاع المؤثر، جعل ايقاع روايته شبيها بها، فبدت مقاطع كثيرة منها سردا رتيبا مُمِلا يدور حول نفسه. لا يعيد له حيويته غير ذلك الانتقال بين السرد الروائي على جفاف عبارته، والتوثيق الصحفي المأخوذ من قصاصات صحافة ذلك العهد.  وظل وفيا له على مدار كافة فصول روايته. ما أمّن للقارئ إحاطة بالجو العام الذي دارت في إطاره حوادث روايته وفهما أفضل لخلفياتها. الرواية هنا مثلت موقفا لصنع الله إبراهيم، الثوري صاحب المواقف الصلبة التي عكسها  تحديه لنظام بلاده الخائن، أكثر منها عملا أدبيا يحمل  في طياته روح الاستعراض الذاتي للقدرات الإبداعية لمؤلفه. 

***

ولا أعرف إن كان بالوسع غفران ضعف أدبية النص وفقر خيال المؤلف وجفاف اللغة، لحساب صدقه ومبدئيته التي لا تقبل المساومة، كما أنني أجد نفسي مترددا حيال فكرة أن النقل الحرفي تقريبا للوقائع، مهما كانت صادمة، هو كاف ليصنع عملا أدبيا مقنعا لقراء من ذوي المشارب المتعددة، وفيهم من يريد فعلا التركيز على قضايا ملحة في الواقع، لكن مع اعتماد أسلوب أدبي أكثر رقيا وأقلّ مباشرة، الأمر الذي  لا أكاد أعثر منه إلا على النزر اليسير في مختلف  الأعمال التي قرأتها لصنع الله إبراهيم.

***

لكن مع ذلك، يكفي صنع الله إبراهيم، رحمه الله رحمة واسعة، شرف أنه كان إنسانا له موقف، في ساحة غلبت فيها الرخاوة والاستسلام، لا يدعك أبدا على حيادك، بل سريعا ما  سينغص عليك استمتاعك بالقراءة الكسولة التي لا يترتب عليها اتخاذ موقف من قبل القارئ، رجل آمن بالكتابة  كأداة مقاومة ونجح في تحويل أفكاره ومواقفه لحياة كاملة نحياها مع أصحابها ونتفاعل معهم. قلم صنع الله إبراهيم شديد الشراسة في فضح خطوط الارتباط والعمالة، وشديد الصلابة عند تحديد الخط الذي يقف عنده، نفتقد تلك الصلابة في زمن غلبت فيه روح المهادنة وتهاوت معه أغلب الخطوط.

***

عادل حامدي

16 أوت 2025

 حي النصر

مقالات ذات صلة

  • فيديو | اعتصام “المعارضة النقابية”: فرصة “لإنقاذ الاتحاد” أم “تدميرٌ” له؟

    تقرير لإياد بن مبروك بمساهمة غسان بن خليفة يتواصل اعتصام "المعارضة النقابيّة" منذ يوم 25 جانفي الجاري في بطحاء محمد…

    الأخبار, عمّالية, هام

    اعتصام المعارضة النقابية
  • الدرس الكردي

    تدلّ جلّ الوقائع على أنّ ما يجري في سوريا حاليا (هجوم قوات الجولاني على "قسد") هو بالأساس صفقة أمريكية تركية.…

    افتتاحيّة, الموقف

    افتتاحية الدرس الكردي
  •           لحظة حياة من قلب الدمار: حوار مع المخرجة ميّ سعد

    على هامش أيام قرطاج السينمائية، في دورتها الـ36، التقى موقع انحياز بالمخرجة المصرية ميّ سعد في حوار حول الفيلم الوثائقي…

    أدب وفنون

    WhatsApp Image 2026 01 05 at 16.32.08
  • الجبهة الإعلامية في الحرب الأمريكية على فنزويلا

    منذ انطلاق الثورة البوليفارية لم تكن المواجهة مع واشنطن على النفط وحده كما يتجلّى اليوم، وإنما على حق دولة في…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 01 12 at 19.55.13
  • سلسلة «العدوان الأمريكي على فنزويلا: مدخل لفهم التجربة البوليفارية» – ج1 – مقدّمة: الظرف الراهن في فنزويلا

    هذا النص تمهيد لسلسلة تضم خمس مقالات تتناول الإعلام والسياسة والاقتصاد والكوميونات والنهج التشافيزي في فنزويلا. إن ما ستعالجه مقالات…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 01 11 at 15.13.13