قطاع الفسفاط في تونس-1: أزمة إعادة الإنتاج

10/12/2025
FOSFAT2

نتناول في هذا المقال الأول، أزمة إعادة إنتاج النشاطات المتعلقة بالفسفاط وذلك على المستوى الاقتصادي/التقني البحت أولا، قبل التطرق إلى تداعيات هذا المستوى على المجتمع والطبيعة الذي يستمد منهما هذا القطاع شروط اشتغاله والموارد اللازمة لذلك.

أزمة إعادة الإنتاج اقتصاديا

من أجل ضمان استمراره، أو بعبارة أدقّ إعادة إنتاجه، يتطلّب من أي نشاط إنتاجي رأسمالي، يسعى إلى تحقيق أرباح، الإيفاء بالشروط التالية1:

  • تعويض المواد الأوّلية التي تمّ استهلاكها في عملية الإنتاج السابقة،
  • صيانة الآلات أو اقتناء غيرها بالإضافة إلى تزويدها بمصادر الطاقة إثر استعمالها في دورة الإنتاج السابقة،
  • دفع أجور اليد العاملة التي توجهها هذه الأخيرة نحو تلبية حاجياتها الحياتية حتى تبقى قادرة على الاستمرار في الإنتاج في الدورة الإنتاجية الموالية2.

عند تنزيل هذا التجريد إلى أرض واقع قطاع إنتاج الفسفاط وتحويله في تونس، نجد، أولا، أنه بالنسبة للمواد الأولية، فهي متأتية من مورد محلي تشرف على إنتاجه مؤسسة عمومية، وهي شركة فسفاط قفصة، توفره إلى مؤسسة عمومية أخرى متخصصة في تحويله، أي المجمع الكيميائي التونسي. بالإضافة إلى كون المؤسستين عموميتين أصلا، فإنه قد تم، علاوة على ذلك، إدماجهما إداريا منذ سنة 1994. بناء على ما سبق إذن، نفترض أن العلاقة التجارية بينهما فيما يتعلق بالفسفاط كمادة أولية للإنتاج تتمتع بمستوى معين من الاستقلالية عن أي تدخلات خارجية في القطاع. بالتالي، فإن عنصر إعادة الإنتاج هذا مضمون إلى حد ما.

في المقابل، لا يتحقق شرطا إعادة الإنتاج المتعلقان بالآلات وباليد العاملة داخل حدود قطاع إنتاج الفسفاط نفسه أو حتى بين أسوار السوق المحلية، بل إنهما شديدا الارتباط بعوامل اقتصادية-سياسية خارجية. فالموقع الطرفي للتشكيلة الاجتماعية التونسية داخل التقسيم العالمي للعمل، يؤدّي إلى تبعية تكنولوجية على مستوى الآلات والتكوين التقني، من جهة، وتبادل غير متكافئ3 يضغط على الأجور، من جهة أخرى. كل هذه العوامل خنقت قطاع الفسفاط نفسه بالتوازي مع خنق السكان المحاذين لمنشآته.

فعلى صعيد أول، خلقت التبعية التكنولوجية لوسائل الإنتاج – التي تحتكر الدول الصناعية إنتاجها وملكيتها الفكرية – نوعا من الحلقة المفرغة يدور فيها الاقتصاد التونسي. إذ أن تشغيل المنشآت الصناعية التحويلية لا يتحقق بدون آلات ولا بلا معرفة تقنية بطريقة عملها وصيانتها. وبما أن النسيج الاقتصادي التونسي لا ينتج أدوات الإنتاج التي يستعملها، كما أنه لا يتبادلها مع من ينتجها بصيغ متكافئة، فإنه يتم استيراد هذه الآلات وتوظيف تقنيّيها بشروط السوق العالمية، أسعارا وأجورا.

ومن أجل توفّر الموارد المالية المطلوبة لاستيراد الآلات، فإن الحل الذي اعتمدته الدولة التونسية كان في اللجوء إلى توجيه الجزء الغالب من المواد المحوّلة من الفسفاط إلى التصدير، بدعوى توفير العائدات المالية التي تُقْتنى بها هذه المعدّات التقنية. أي أننا إذن نؤدي دور الطرف الذي يتبادل منتجات استهلاكية مقابل وسائل إنتاجها هي نفسها، والتي يبيعها لنا طرف ثان. وهنا تظهر عناصر التبادل غير المتكافئ المتمثلة في التبعية الاقتصادية-السياسية التي يفرضها الطرف الثاني على الأول من جهة، بالإضافة إلى امتصاصه للقيمة (أو الثروة بلغة أكثر عامية) التي خلقها الطرف الأول، وذلك بفرض بنية أسعار أقل من قيمة السلع التي تتمثل في كمية العمل التي تكمن فيها.

هنا يبرز إذن جوهر التبادل غير المتكافئ في سياق عملية تصدير منتجات الفسفاط. فالعلاقة بين المركز والأطراف داخل الوحدة البنيوية العالمية للنظام الرأسمالي القائم كانت قد دفعت نحو تقسيم عالمي للعمل يجعل من المراكز متخصصة، في المجمل، في إنتاج وسائل الإنتاج بينما يغلب طابع إنتاج المواد الاستهلاكية على الأنشطة الاقتصادية التي توكل إلى الأطراف.

وكانت قد دفعت العولمة الاقتصادية، أي انفتاح الأسواق المحلية على بعضها البعض داخل السوق العالمية، في اتجاه حرية حركة رؤوس الأموال والسلع بين الدول، بينما مازالت تحدّ من حركة العمل. فانجر عن ذلك تفاوت كبير بين الأجور بنسبة أعلى من تفاوت القيمة الفعلية التي تنتجها قوة العمل.

وبناء على ذلك، يحصل الضغط على أسعار السلع المطروحة في السوق العالمية من خلال الضغط على كلفة الإنتاج التي يتم التحكم فيها بالضغط على الأجور. وهكذا تكتمل حلقة التبادل غير المتكافئ المتمثلة في تخفيض أجور اليد العاملة في الأطراف من أجل تعزيز القدرة على المنافسة في الأسواق العالمية. وهذا ما يحصل بالضبط لمنتجات الفسفاط التي تصدّرها الدولة التونسية حسب الأسعار العالمية دون أي اعتبارات للمعطيات الداخلية التي كانت وراء إنتاجها والتي تتجاوز تخفيض الأجور، أي مصاريف إعادة إنتاج اليد العاملة، إلى الضغط على وسائل إعادة الإنتاج الاجتماعي بالإجمال، المتمثلة في المنشآت العمومية وكذلك البنية التحتية بصفة عامة.

أزمة إعادة الإنتاج الاجتماعي

تبيّنّا، فيما سبق، أزمة إعادة إنتاج قطاع الفسفاط على المستوى الاقتصادي التجريدي الذي يتناول هذا النشاط في معزل عن محيطه العام. ولئن كان هذا التحليل خصوصيا جدا، إلا أن أهميته تكمن في الحاجة المنهجية الضرورية لفهم القوانين الداخلية لهذا القطاع الإنتاجي قبل إضافة الظروف التي يتحرك فيها.

فبالفعل، تظهر مشاكل التحليلات السائدة في كونها لا تأخذ بعين الاعتبار أن الأنشطة الاقتصادية ليست إلا أنشطة أحدثها البشر من خلال اجتماعهم على تحقيق حاجياتهم، من جهة، ومن خلال تفاعلهم مع المحيط الطبيعي الذي يحدد وجودهم، من جهة أخرى.

فهذه المواد الأولية والآلات، التي تضمن استمرار إنتاج الفسفاط وتحويله، ليست إلا نتاج العمل البشري المحدد اجتماعيا، كما أن اليد العاملة، التي يعاد إنتاجها بالأجور، ليست شيئا معزولا عن واقع العلاقات الاجتماعية والتفاعلات الطبيعية. ثم أنه، في آخر التحليل، ليس أي نشاط اقتصادي سوى غرزة في نسيج اقتصادي-اجتماعي شديدة الارتباط به، تأثّرا وتأثيرا.

على هذه الأسس، نلاحظ أولا، أنه، وفي ظل تغلغل السياسات النيوليبرالية وما انجر عنها من تخلٍّ عن تشارك شرائح المجتمع في توفير مستلزمات إعادة إنتاج نفسها عبر إنشاء مؤسسات عمومية تعنى بالتغذية والسكن والصحة والتعليم والترفيه وتهيئة البنية التحتية بصفة عامة، قد جعلت من الأجور التي تتلقاها اليد العاملة غير كافية لتحقيق غايتها في التمتع بهذه الخدمات، فألقي بها في سوق فوضوية لا تخضع قوانينها لمنطلقات تتحدد بواقع الوجود الاجتماعي للناس.

ثم، وعلى مستوى أوسع، يشمل تحكّم المجتمع في مصير ما أنتجته أيديه وفي مسارات تبادلها، من جهة، وفي تنظيم العلاقات بين القطاعات التي تشتغل فيها شرائحه، من جهة أخرى، فإن توجيه أغلب منتجات الفسفاط نحو التصدير، والتي تبلغ نسبة 80%، إلى اختلال التوازن بين القطاعات الاقتصادية محلّيّا. إذ أن هذه المنتجات إما تُفتقد في السوق المحلية أو أنها تباع فيها بأسعار السوق العالمية. وهكذا تفقد قطاعات أخرى، على رأسها القطاع الفلاحي (فيما يتعلّق بالأسمدة) بالإضافة إلى الصناعات الصيدلية والنسيجية وغيرها، القدرة على التزود بما يحافظ على استمرارها وتطويرها.

إضافة إلى ذلك، كان تحويل منطقة كاملة إلى “حوض منجمي” قد جعل من نشاط إنتاج الفسفاط طاغيا على الأنشطة الاقتصادية الأخرى، هذا إن لم يكن مانعا لها. هذا المنع يتمظهر بوضوح في التلوث الذي تتسبب فيه الأنشطة التحويلية والتي تمس من القطاع الفلاحي خاصة، البري والبحري منه، مثلما هو واضح للعيان في قابس. وبما أن قطاع الفسفاط، مثله مثل أي قطاع اقتصادي آخر، غير قادر في الواقع على امتصاص كل اليد العاملة المتوفرة والتي تتجاوز طاقة استيعابه، فإنه “يلعبُ ويُحرِّمُ” في الوقت نفسه، من خلال الضغط على مواطن الشغل الأخرى. ويظهر ذلك في ارتفاع نسب البطالة في المناطق المحاذية لمنشآت إنتاج الفسفاط وتحويله، واستفحال ظاهرة الهجرة منها، داخل تونس وخارجها، وما انجر عن ذلك من اختلال للتوازانات السكانية وضعف وتدهور النسيج الاقتصادي-الاجتماعي في البلاد التونسية بصفة عامة.

ختاما،

لم يعد إنتاج الفسفاط وتحويله في تونس عقلانيا حتى بالمنطق الرأسمالي البحت الذي يضع في عين الاعتبار شروط استمرار عملية امتصاص فائض القيمة ومراكمة رأس المال عبر ضمان إعادة الإنتاج اقتصاديا واجتماعيا وبيئيا. وليست السياسات الاقتصادية مجرد معادلات رياضية أو خوارزميات تطبيقية يُكْتَفى بتفعيلها، بل هي محمولة بتوجهات إيديولوجية معينة، هي موضوع المقال الموالي.


1 لا وسع لنا في موضوع هذا المقال الغوص في تعقيدات الاقتصاد السياسي فيما يتعلق بإعادة الإنتاج البسيطة وإعادة الإنتاج الموسّعة، مثلما هو الحال أيضا بالنسبة لمؤسسات إعادة إنتاج النظام الرأسمالي سياسيا وإيديولوجيا.

2 تضيف المدرسة النسوية الماركسية تدقيقا مهما في علاقة بإعادة إنتاج اليد العاملة يتعلق بالعمل غير المأجور الذي تضطلع به النساء في أغلب المجتمعات الحالية في المنزل كالطبخ والتنظيف ورعاية الأطفال والمسنين وغيرهم ممن يعجزون عن توفيرها لأنفسهم بمفردهم، علاوة على إعادة إنتاج اليد العاملة بيولوجيا من خلال الولادة.

ثم على مستوى أكثر شمولا، توكل مهمة إعادة الإنتاج الاجتماعي على الصعيد العالمي إلى مجتمعات أطراف رأس المال خاصة في أريافها وقطاعها الفلاحي. وهكذا تتصاعد سلسلة الاستغلال (ولا نقول مجرد الاضطهاد) من خلال تقسيم العمل على المستوى الجنسي/الجندري والقطاعات (الفلاحة وغيرها) والعالمي (المراكز والأطراف).

3 شرح تبسيطي لنظرية التبادل اللامتكافئ:

مقالات ذات صلة

  • فيديو | اعتصام “المعارضة النقابية”: فرصة “لإنقاذ الاتحاد” أم “تدميرٌ” له؟

    تقرير لإياد بن مبروك بمساهمة غسان بن خليفة يتواصل اعتصام "المعارضة النقابيّة" منذ يوم 25 جانفي الجاري في بطحاء محمد…

    الأخبار, عمّالية, هام

    اعتصام المعارضة النقابية
  • سلسلة «العدوان الأمريكي على فنزويلا: مدخل لفهم التجربة البوليفارية» – ج1 – مقدّمة: الظرف الراهن في فنزويلا

    هذا النص تمهيد لسلسلة تضم خمس مقالات تتناول الإعلام والسياسة والاقتصاد والكوميونات والنهج التشافيزي في فنزويلا. إن ما ستعالجه مقالات…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 01 11 at 15.13.13
  • واقع بلا أحلام: صراع البقاء في حي علي باي

    طريق حفوز.. هذا الحي مترامي الأطراف الذي أُقيم على الطرف  الغربي  لمدينة القيروان، بعد أن اختنقت هذه بساكنيها، ولفظ الريف…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 01 08 at 19.15.47
  •                  النظام العالمي الجديد و عقيدة دونرو             

    افتتح رئيس الامبريالية الأمريكية السنة الجديدة بعمليّة عَنجُهية خاطفة ضدّ دولة فنزويلا من خلال اختطاف هوليوديّ للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو…

    افتتاحيّة

    WhatsApp Image 2026 01 07 at 17.49.20
  • ماذا  يعني مشروع ’إلماد‘ ؟ : طاقة خضراء لأوروبا وتبعيّة لتونس

    هل يمكن أن تلتقي الطاقة النظيفة والخضراء مع نظام طاقي إقليمي مرن أم هو مجرّد "تجميل أخضر"؟عندما ننظر عن قرب…

    اقتصاد سياسي

    WhatsApp Image 2025 12 17 at 15.24.26